تجاذبات الساسة العراقيين حول كركوك النفطية تهدد بتجدد الصراع

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/GNXw3K

الحكومة العراقية أعادت السيطرة على كركوك في 2017

Linkedin
Google plus
whatsapp
الأحد، 27-01-2019 الساعة 13:00

تتعدد المشاكل في عراق ما بعد الغزو الأمريكي عام 2003، ففي كل مفصل من مفاصل الدولة الحديثة ترك الاحتلال ملفاً قابلاً للانفجار.

مدينة كركوك العراقية تطفو على بحيرة من النفط، الذي تحول إلى نقمة عليها، بحسب وصف سكانها، حيث جلب الذهب الأسود أطماع القريبين والبعيدين، وحوّلها إلى بؤرة صراع، الخاسر الوحيد فيها هم سكانها الذين يعيشون في مدينة مهترئة ما زالت شوارعها ومبانيها وخدماتها على طراز سبعينيات القرن العشرين.

وتشهد المدينة اليوم بعد خروجها من سلطة حكومة إقليم كردستان العراق، وعودتها إلى إدارة الحكومة المركزية تجاذباً بين الأطراف السياسية التي تشكل مكوناتها، يهدد بإشعال صراع فيها لا تحمد عواقبه، وتتحدث مصادر عن توسط الولايات المتحدة بين الفرقاء؛ تجنباً لوقوع مثل هذا السيناريو.

مواقف متباينة

تسبب احتلال تنظيم الدولة مساحات شاسعة من محافظات شمالي العراق، ومن ضمنها كركوك، عام 2014، في سيطرة إقليم كردستان العراق على المدينة المتنازع عليها بعد طرد التنظيم، وفرض أمر واقع عجزت أمامه الحكومة المركزية عن تحريك ساكن لاستعادة السيطرة عليها، بسبب فشلها الذريع في توفير الحماية للمدينة التي تمد خزينة الدولة بأغلبية عائداتها المالية.

لكن إقدام الإقليم على خطوة الاستفتاء على الاستقلال عن العراق في 25 سبتمبر 2017، في ظل مجابهة إقليمية ورفض دولي، أدى إلى تحول الإقليم إلى خانة الطرف الأضعف، وهو ما مكن الحكومة المركزية من معاودة السيطرة على المحافظة، وإقالة المحافظ الكردي وتعيين محافظ عربي بدلاً عنه، وإشراك التركمان، المكون الثالث في المدينة، في إدارة شؤنها، عقب استقالة رئيس الإقليم مسعود بارزاني وتحمله مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع بسبب خطوة الاستفتاء.

وعقب الانتخابات التشريعية التي أُجريت في 12 مايو الماضي، وهي ثاني انتخابات منذ الانسحاب الأمريكي عام 2011، ورابع انتخابات منذ الغزو عام 2003، عادت قضية كركوك للواجهة، بعد مطالب كردية بعودة الأوضاع إلى ما كانت عليه، وربط إتمام تشكيل الحكومة بهذا الأمر.

المكون التركماني يتوجس ريبة من وجود صفقة بين الحكومة المركزية والإقليم، لوجود سوابق في هذا الخصوص رعتها إيران للتقريب بين المكونات السياسية الشيعية والأكراد، والتي أدت إلى تقاسم الحكم في عموم البلاد على حساب تهميش التركمان والعرب السُّنة.

القيادي في الجبهة التركمانية وعضو البرلمان حسن توران، قال لـ"الخليج أونلاين": إن "معلومات مسربة مؤخراً تشير إلى وجود اتفاقات سياسية تُبرم بين بغداد والإقليم بخصوص كركوك، لإعادة ترتيب الأوضاع فيها بما يتلاءم مع الرغبة الكردية في إعادة عقارب الساعة إلى ما كانت عليه قبل الاستفتاء".

وأضاف توران: "على حكومتي أربيل وبغداد ترك أهل كركوك يقررون مصيرها ويتوافقون على كيفية التعامل مع ملفاتها وفق منهجية التعايش التي مضى عليها عقود بين هذه المكونات، وإلا فإن إدخال المدينة في فوضى الصراع الإقليمي سيؤدي إلى زعزعة الأمن الهش فيها، وقد يؤدي إلى فوضى لا يمكن السيطرة عليها".

في المقابل، اتهم القيادي بالحزب الديمقراطي الكردستاني كمال الجاف الأطراف المسيطرة على المحافظة بإجراء تغيير ديموغرافي فيها، وإحلال سكان عرب وتركمان محل الأكراد.

وقال الجاف لـ"الخليج أونلاين": إن "قوات أمنية، وبإيعاز من الحكومة المحلية، أبلغت سكاناً أكراداً في أحياء متفرقة من مدينة كركوك ضرورة إخلاء مساكنهم، بدعوى أنهم متجاوزون على أملاك حكومية، علماً أن مشكلة التجاوز على الأملاك الحكومية قديمة ليست جديدة، ولا تقتصر على الأكراد، وقد اتُّخذت ذريعة لإجراء تغيير ديموغرافي، قد يؤثر في سياقات الاستحقاقات الانتخابية القادمة".

وحذر من أن "مثل هذا الإجراء لن يقف تأثيره على الجانب السياسي، بل سيكون له ما بعده، فالمشاكل السياسية تبقى حبيسة مراكز صناعة القرار في البلد، أما التعدي على السكان وإجبارهم على ترك منازلهم وممتلكاتهم، فستكون له آثار اجتماعية لا تحمد عقباها ولا يمكن السيطرة عليها".

وأشار الجاف إلى أن "الجانب الأمريكي مطّلع على هذه المستجدات، وتقوم السفارة الأمريكية بالتواصل مع مختلف الفرقاء، لتهدئة الوضع والتوسط بينها؛ تفادياً لاشتعال أزمة جديدة"، مؤكداً أن "هذه القضية كانت على أجندة وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، خلال زيارته العراق يوم 9 يناير، حيث ناقش الأمر مع مختلف المسؤولين بالحكومة المركزية وفي كردستان، ومن ضمنهم زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني، وقد كثفت السفارة الأمريكية تحركاتها للتوسط بين الأطراف في أعقاب الزيارة".

أصل المشكلة

يعود الإشكال والصراع على تبعية محافظة كركوك، إلى فترة ما بعد احتلال العراق عام 2003، إذ اعتبر الدستور الذي كُتب عام 2005 كركوك من المناطق المتنازع عليها بين الإقليم والحكومة المركزية؛ شأنها شأن بعض المناطق في الموصل وديالى وصلاح الدين، وقد جُسدت هذه القضية في نص دستوري بالمادة 140، والتي أطلقت على هذه المناطق تسمية "المناطق المتنازع عليها".

ويشكل العرب والأكراد والتركمان إلى جانب أقليات أخرى، النسيج الاجتماعي والسياسي لمحافظة كركوك، ويدّعي كل مكون من المكونات الثلاثة أنه صاحب الأحقية والأغلبية فيها.

فالعرب يرون أن المحافظة عربية استناداً إلى إحصاء عام 1997، الذي أظهر أن العرب يشكلون نسبة 72٪ من السكان، في حين شكلت بقية المكونات مجتمعةً نسبة 27٪ فقط.

في المقابل، يعتبر الأكراد هذا الإحصاء نجم عن تغيير ديموغرافي تم خلال العقود التي سبقت الاحتلال، ويرون أن المدينة كردية، مستندين إلى إحصاء 1957، الذي أظهر أن نسبتهم في المحافظة هي 46%، في حين شكلت بقية المكونات نسبة 54%.

أما التركمان، فيستندون إلى أحقيتهم بالمدينة إلى التاريخ والشواهد الأثرية التي تثبت أن تراثها وشواهدها كلها دُونت باللغة التركمانية.

ويرى مراقبون أنّ ترك قضية كركوك والمناطق المتنازع عليها وفق المادة 140 من الدستور العراقي، دون حل، سيجعل المنطقة على شفى الانهيار والتأزم في كل مرحلة من مراحل العمل السياسي العراقي، وأن الأيادي الإقليمية ستظل تتلاعب بالسِّلم الاجتماعي في البلاد ما دامت مصالحها تقتضي ذلك.

مكة المكرمة