تشتت الأحزاب السودانية يهدد الثورة ويعطي الجيش فرصة للمناورة

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/65aWj7

الساحة السودانية بعد الثورة شهدت وجوداً كبيراً للأحزاب السياسية

Linkedin
Google plus
whatsapp
الثلاثاء، 14-05-2019 الساعة 13:13

وسط توتر شديد تشهده الخرطوم تم في الساعات الأخيرة إعلان اتفاق قوى الحرية والتغيير والمجلس العسكري الانتقالي على هياكل للحكم خلال الفترة الانتقالية، بعد تطورات دراماتيكية أفضت إلى إعلان قوى الحرية إيقاف التفاوض يوم الجمعة الماضي والذي أردفته بإعلان جدول مسيرات ومظاهرات الأحياء فيما كان يبدو رجعة إلى مرحلة ما قبل الانقلاب، قبل أن يعود الطرفان إلى طاولة التفاوض من جديد.

وفي غمرة دعوات شعبية لنقل السلطة إلى المدنيين شهدت جولات الحوار السابقة العديد من الخلافات على قضايا رئيسية متعلقة بالفترة الانتقالية وغلبة المدنيين أو العسكريين على المجلس السيادي فيها. ورغم امتلاء الساحة السياسية في البلاد بعدد كبير من الأحزاب والقوى، فإنه بات من الواضح أن تحالف إعلان الحرية والتغيير والمجلس العسكري هما من سيحدد ملامح المرحلة القادمة في السودان. .

أداء مرتبك

وفي تقييم لأداء المعارضة في الفترة الماضية أفاد الباحث السياسي السوداني أبو بكر عبد الرازق أن المعارضة في البلاد "تعاني بعض الإشكالات التي يمكن تجاوزها لو تحلت بالحكمة وقدمت مصلحة الوطن على المصلحة الحزبية الضيقة"

ويقول عبد الرازق لـ"الخليج أونلاين": إن" تجمع المهنيين رهان قوى الثورة، وهو على قلب امرأة واحدة، كما يحلو لنا أن نقول نحن أبناء ثورة ديسمبر".

أما الكاتب والإعلامي السوداني حامد الناظر فيصف أداء المعارضة بالمرتبك، الذي تنقصه الجرأة والمبادرة، على الرغم من دعم الشارع واستمرار الاعتصام.

وأرجع الناظر، في حديثه لـ"الخليج أونلاين"، ذلك إلى الطبيعة المركبة لها، "حيث تتكون من قوى كثيرة غير منسجمة في طرائق التفكير وأدوات العمل". 

موضحاً أنه "بينما يتمتع تجمع المهنيين بحضور كبير في الشارع الثوري، ويمتلك رصيداً جيداً من الثقة لدى الثوار، ربما لتقارب الأجيال وتشابه التجربة، لكنه في الوقت نفسه يعاني من إشكالات بنيوية ونقص في الخبرة السياسية".

ويضيف: "بالمقابل نجد طيفاً واسعاً من القوى السياسية المتباينة في أفكارها واستراتيجياتها لكنها تتفق على برنامج الحد الأدنى؛ وهي القوى الموقعة على إعلان الحرية والتغيير، إلى جانب تجمع المهنيين".

ويستطرد بالقول: "فنجد أحزاباً من أقصى اليمين تعمل مع أخرى من أقصى اليسار، مع قوى أخرى حاملة للسلاح. هذا كله يجعل من الصعب ضبط إيقاع الأداء مع مطلوبات المرحلة وتطلعات الشارع".

وقوى إعلان الحرية والتغيير تضم مجموعة كبيرة من الأحزاب والتجمعات السياسية والنقابية وقّعت، مطلع هذا العام، على الإعلان المذكور الذي طالب بتنحي البشير وحكومته، والانتقال إلى حكم مدني ديمقراطي.

وتجمع المهنيين السودانيين أهم المكونات المنضوية تحت هذا الإعلان، ويعد القائد والمنظم الفعلي للمواكب والمسيرات الاحتجاجية التي شهدتها البلاد في الأشهر الماضية.

مجلس أكثر اتزاناً

وبعد انقلاب الجيش السوداني على الرئيس المعزول، عمر  البشير، في 11 أبريل الماضي، شُكل المجلس العسكري الانتقالي الذي يحكم البلاد ويدير العملية التفاوضية مع المعارضة السياسية.

وقياساً إلى أداء المعارضة يرى الكاتب والإعلامي السوداني الناظر أن المجلس "يبدو أكثر اتزاناً وانضباطاً وأقل ارتباكاً؛ نظراً لعوامل موضوعية؛ أهمها أنه يتكون من كتلة واحدة منسجمة وقليلة العدد، وعملت مكوناتها معاً سنوات طويلة في مجالاتها العسكرية".

ويقول الناظر: إن "تسارع الأحداث في البلاد خلق وضعاً جديداً وجد فيه الجيش نفسه أمام مسؤوليات تفوق قدراته بكثير، لذلك يستعين بجيش من المستشارين غير المعلنين، وأظن أن أغلبهم -إن لم يكن كلهم- من رموز النظام السابق".

ويوضح أن أداء المجلس العسكري قريب من نظام البشير في أيامه الأخيرة في استنساخه الكامل لما عرف بتجربة الحوار الوطني التي جمعت أحزاباً لا وزن لها، واستهلكت الوقت بلا طائل، وساهمت في ذهاب النظام السابق.

ويضيف: "أتصور أن على المجلس العسكري أن يخرج من هذه المنطقة الرمادية إذا ما أراد فعلاً أن يكون جزءاً من التغيير وليس هدفاً له، إذ إن المطالبات بسقوطه بدأت ترتفع في ميادين الاعتصام".

والمجلس العسكري الانتقالي أعلن عن تشكيله في 12 أبريل الماضي، ويتكون من 10 أفراد طرأت عليهم تغييرات مختلفة نتيجة للرفض الشعبي الضاغط لهم، ويرأسه الفريق أول عبد الفتاح البرهان، ونائبه قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي).

بين الربيع والربيع السوداني

دفعت التطورات الأخيرة في الخرطوم الكثير من المراقبين إلى التفكير في أن العملية الجارية في السودان باتت على أعتاب مرحلة جديدة، تؤثر فيها العديد من العوامل الداخلية والخارجية، وهو ما يقود دوماً إلى محاولة استشراف مستقبل السودان باستصحاب نماذج دول الربيع العربي كأداوات معيارية للقياس عليها.
ويعلق الكاتب والإعلامي السوداني حامد الناظر على ذلك مؤكداً وجود قدر من التشابه "في الطريقة التي ذهبت بها تلك الأنظمة، وكذلك في القوى الخارجية المهتمة بمآلات الأوضاع ورغباتها الأكيدة في وأد الثورات بثورات مضادة".

لكنه يرى في المقابل أن للحالة السودانية سماتها الخاصة "من ناحية الوعي، وتراكم التجربة، والقدرة على التنظيم وإدارة الصراع".

ويوضح  أن ثمة "تعقيدات إضافية لم تكن موجودة في بلدان الربيع العربي الأخرى مثل الحروب الداخلية وانتشار السلاح وتبادل المواقع (الإخوان في السودان كانوا في السلطة مثلاً)".

وهذا ما أكده الباحث السياسي أبو بكر عبد الرازق الذي لخص خصوصيات التجربة السودانية بأنها "أولاً: ثورة ضد حكم الإخوان المسلمين والعسكر، وهذا لم يحدث في الربيع العربي. ثانياً: سلميتها على مدى خمسة أشهر تجعلها محصنة أمام مخاطر الانزلاق نحو العنف أو الحرب الأهلية أو غيره من أدوات الثورة المضادة.  ثالثاً أن لا أحد من المحاور الإقليمية أو الدولية تمنى لها أن تنجح أو قام بدعهما، وهذا يجعلها ثورة سودانية خالصة لوجه الوطن. أخيراً أن غالبية القوى الإقليمية والدولية تحاول الآن حرفها عن مسارها أو تعطيلها عن غاياتها، وهو ما يضع له الثوار ألف حساب".

سيناريوهات المستقبل في السودان 

يتوقع الباحث السياسي أبو بكر عبد الرازق أن ما ينتظر السودان "مسار واحد فقط ذو شقين، وهو أن الثورة ستحقق أهدافها إما باستجابة المجلس العسكري الحالي لمطالبها، أو بإسقاطها لهذا المجلس حال تمسكه بالسلطة، ولذلك هي الآن ترفع شعار "تسقط ثالث"".

أما الناظر فيرى أن سيناريو المستقبل سيشهد "ميلاد حكومة وبرلمان مؤقت، وقد يمضي السودان إلى إجراء انتخابات في أي وقت إذا لم تقع صراعات مسلحة على السلطة". 
مضيفاً: "أتصور أن رعاة الثورات المضادة سيغيرون استراتيجيتهم المعروفة، وربما يلجؤون إلى دعم قوى سياسية بعينها، ويساعدونها في الفوز بالانتخابات المقبلة، إلى جانب ضمان استمرار القادة الحاليين للجيش في مواقعهم، ويعمل الطرفان السياسي والعسكري بتناغم كبير من أجل الحفاظ على مصالح تلك الدول".

مكة المكرمة