تعويض فرنسا لضحايا حرب الجزائر.. اعتراف أم مناورة؟

القرار الفرنسي قبل أيام من استحضار الجزائريين لذكرى التفجيرات النووية

القرار الفرنسي قبل أيام من استحضار الجزائريين لذكرى التفجيرات النووية

Linkedin
Google plus
whatsapp
الأحد، 18-02-2018 الساعة 22:42


أثار قرار صدر مؤخراً عن المجلس الدستوري الفرنسي يقضي بتعويض ضحايا حرب الجزائر، جدلاً واسعاً بين الجزائريين، وتساؤلات بشأن أبعاد القرار ودلالاته، وإن كانت هذه الخطوة من فرنسا اعترافاً بالذنب، أم مجرد مناورة للالتفاف على مطلب الاعتذار على جرائمها.

المجلس الدستوري الفرنسي أقر في الثامن من فبراير الجاري حكماً بعدم دستورية المادة 13 من قانون 31 يوليو 1963، وأقر بمبدأ "المساواة أمام القانون" بين من تسميهم الضحايا المدنيين من ذوي الجنسية الفرنسية وكل ذوي جنسية أجنبية، بمن في ذلك الجزائريون الذين تعرضوا إلى جروح أو أمراض أو عاهات نتيجة عمليات أو أعمال عنف في الفترة ما بين 31 أكتوبر 1954 وسبتمبر 1962، على اعتبار أن الجزائر كانت أرضاً فرنسية آنذاك.

وجاء القرار الفرنسي بعد شكوى رفعها مواطن جزائري مقيم في مدينة بوردو الفرنسية يدعى "عبد القادر. ك"، طالب القضاء الفرنسي بضرورة إعادة النظر في قانون التعويضات الصادر في 1963، بحجة أنه قانون "عنصري" يفرّق بين ضحايا الحرب الواحدة.

وفي الوقت الذي وصفت فيه محامية الجزائري عبد القادر، جنيفر كامبلا، في مقابلة لها مع يومية "الوطن" الجزائرية الناطقة بالفرنسية، القرار بأنه "فوز كبير لموكلها ولكل الضحايا المدنيين الذين عانوا من ويلات الحرب ( 1954-1962)"، فقد ساد صمت مطبق على المستوى الرسمي في البلاد، حيث تم تجاهل القرار ولم يعلق عليه بأي موقف.

القرار الذي أثار تساؤلات واسعة بين الجزائريين عن السر في اتخاذه، وتوقيته، وتداعياته، وإمكانية مساهمته في تفكيك الألغام العالقة والمرتبطة بملفات الذاكرة بين البلدين، مثل إعادة الأرشيف الجزائري المحفوظ في فرنسا، واعترافها بارتكاب جرائم حرب في الجزائر، اعتبره خبير القانون الدستوري عامر رخيلة "خطوة يجب أن تقرأ في سياقها القانوني والدستوري فقط".

وأوضح رخيلة لــ"الخليج أونلاين" أن "مواد القانون تمكّن الفرنسيين المدنيين الذين تعرضوا إلى إصابات بسبب الحرب في الجزائر، سواء الذين تعرضوا منهم إلى عنف من طرف أفراد جيش جبهة التحرير الجزائرية، أو الذين تعرضوا إلى إصابات أو عاهات أو أمراض نتيجة الحرب الدائرة، من الحصول على تعويضات مالية".

ولأن القانون حسب حديثه "تجاهل الضحايا من المدنيين الجزائريين، فقد بادر هذا الجزائري الذي كان عمره ثماني سنوات خلال فترة الثورة وتظلم بعدم دستورية القرار، فتم إسقاط شرط الجنسية في التعويض؛ لأنه يمس بمبدأ المساواة بين الضحايا"، وهي قاعدة برأيه "تمييزية".

- شروط تعجيزية

لكن السؤال الأهم في الموضوع برأيه هو "من هم الجزائريون الذين كانت لديهم الجنسية الفرنسية ويحق لهم الاستفادة من التعويضات؟ وكم عددهم؟ وكيف يمكنهم أن يثبتوا أنهم أصيبوا نتيجة أعمال حربية فرنسية؟".

وضرب مثالاً بقانون "مورين" الصادر في 2010، والخاص بتعويض ضحايا التجارب النووية الفرنسية في الصحراء الجزائرية وبولينيزيا، الذي يضع، حسب حديثه، "شروطاً تعجيزية للجزائريين من أجل الاستفادة من التعويضات"، فلا يمكن للجزائري أن "يحقق هذه الشروط بإمكانياته الخاصة دون تدخل الدولة ومساعدتها".

ويتساءل رخيلة: "كيف يمكن للشخص الذي أصيب بمرض السرطان أن يثبت أن الإشعاعات النووية فعلاً هي السبب في مرضه؟".

اقرأ أيضاً :

استهداف الجزائريين في فرنسا.. فشل أمني واتهام لليمين المتطرف

واللافت أن القرار الفرنسي جاء قبل أيام قليلة من استحضار الجزائريين لذكرى هذه التفجيرات النووية، التي تسببت في جراح لم تندمل بعد، وهي التجارب التي أجريت في منطقة رقان جنوبي الصحراء الجزائرية ما بين 1960 و1966، وتسببت في كارثة إنسانية لا يزال الجزائريون يدفعون ثمنها إلى غاية الآن.

- تجارب نووية

وقد سميت التجربة النووية الأولى من هذه التجارب بــ"اليربوع الأزرق"، وجرت في 13 فبراير 1960 تحت إشراف مباشر من الرئيس الفرنسي آنذاك شارل ديغول، وبلغت شدة التفجير خمسة أضعاف التفجير الناتج عن قنبلة هيروشيما.

وبلغ عدد التجارب النووية الفرنسية في الصحراء الجزائرية نحو 57 تجربة، حسب ما ذكره الباحث كاظم العبودي في كتابه "يرابيع رقان"، في حين تتحدث السلطات الفرنسية عن 13 تجربة.

ورغم حديثه عن وجود لجان تعمل على تفكيك ملفات مشتركة بين السلطات الجزائرية والفرنسية بشأن التعذيب، والمفقودين، وضحايا التجاب النووية، فإن هذه الملفات حسب رخيلة "لا ترتبط ولا تنطبق على قرار المجلس الدستوري الفرنسي".

لكن يبقى هذا الاجتهاد الدستوري برأيه "خطوة قد تدفع إلى الأمام، وتشجع جزائريين آخرين على طرح ملفات خاصة بالذاكرة أمام القضاء الفرنسي، أو قد يدفع أيضاً بالملفات العالقة بخصوص الذاكرة بين البلدين نحو الأمام".

- خطوة للأمام

وفي الوقت الذي اعتبر فيه البعض أن القرار مجرد مناورة فرنسية للالتفاف على مطلب الجزائريين بضرورة اعتذار فرنسا الرسمي عن جرائمها؛ لأنه لا يمكن اختزال 132 عاماً من عمر الاحتلال في ثماني سنوات من عمر الثورة وتحويلها إلى مجرد سنوات عنف وجب تعويض بعض المتضررين منها، إلا أن رئيس حزب الفجر الجديد ورئيس منظمة أبناء الشهداء سابقاً، الطاهر بن بعيبش، اعتبر في حديثه لــ"الخليج أونلاين" أن قرار المجلس الدستوري الفرنسي "خطوة إلى الأمام في مسيرة اعتراف فرنسا بجرائمها ضد الشعب الجزائري".

وشدد بن بعيبش أن الاعتراف والاعتذار هما "الخطوة الوحيدة التي تمكن الجزائريين والفرنسيين من طي صفحة الماضي، والذهاب نحو المستقبل، خاصة أن العلاقات بين البلدين الآن قوية والمصالح مشتركة، أقلها وجود أكثر من أربعة ملايين جزائري الآن مقيم بفرنسا يجب مراعاة مصالحهم".

مكة المكرمة