تنازلات متتالية.. هل يتحول السودان لتابع منفذ لرغبات أمريكا؟

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/x8ddMV

البرهان التقى نتنياهو في أوغندا

Linkedin
Google plus
whatsapp
الجمعة، 14-02-2020 الساعة 12:30

لا شك أن الولايات المتحدة تمارس دوراً محورياً في أي حالات تطبيع بين دولة الاحتلال الإسرائيلي والدول العربية الطامحة لبناء علاقات دبلوماسية علنية مع تل أبيب.

ولكن بعض الدول الوظيفية في المنطقة العربية، مثل الإمارات أو السعودية، يكون بيدها سلاح التنفيذ لرغبات واشنطن وتل أبيب عبر الكم الهائل من الأموال التي تمتلكها، فتقوم بشراء مواقف بعض الدول أو استغلال حاجتها الاقتصادية لتمرير الصفقات.

والسودان الذي يمر بمرحلة انتقالية وأوضاع اقتصادية صعبة، أحد أبرز الدول الموجودة في مرمى الأهداف الأمريكية والإسرائيلية، خصوصاً مع طواعية مجلس السيادة السوداني لتنفيذ ما تريده واشنطن، مع توفير تمويل من قبل أبوظبي والرياض.

تنفيذ الرغبات الأمريكية

وتمتلك واشنطن ورقة ضغط رابحة بخصوص الخرطوم؛ فهي مصنفة على اللائحة الأمريكية لـ "الدول الراعية للإرهاب" منذ عام 1993، بسبب استقبال زعيم تنظيم القاعدة الراحل أسامة بن لادن على أراضيها.

وهذا التصنيف يحرم السودان من الكثير من المغريات الاقتصادية العالمية، ويبقيه بعيداً عن الصفقات التجارية الكبيرة بسبب العقوبات الأمريكية المفروضة عليه.

وهذا ما قد يدفع الخرطوم لقبول أي صفقة تريدها أمريكا، وهو ما تستغله الولايات المتحدة بالتعاون مع دول عربية بشكل جيد لمصلحتها.

وفيما يبدو تنفيذاً لضغوط واشنطن أعلن السودان توقيع اتفاقية تسوية مع أسر ضحايا حادثة تفجير المدمرة الأمريكية "كول" عام 2000، لاستيفاء شروط إزالة اسم البلاد من قائمة الدول الراعية للإرهاب.

وقالت وزارة العدل السودانية، في بيان صدر يوم الخميس (13 فبراير 2020): إنه "في إطار جهود الحكومة الانتقالية لإزالة اسم البلاد من القائمة الأمريكية الخاصة بالدول الراعية للإرهاب، 7 فبراير الجاري، تم توقيع اتفاقية تسوية مع أسر وضحايا حادثة تفجير المدمرة الأمريكية كول، التي لا تزال إجراءات التقاضي فيها ضد السودان مستمرة أمام المحاكم الأمريكية".

وأردف: "تم التأكيد صراحة في الاتفاقية على عدم مسؤولية الحكومة عن هذه الحادثة أو أي حوادث أخرى".

وأوضح البيان أنه "دخلت هذه التسوية انطلاقاً من الحرص على تسوية مزاعم الإرهاب التاريخية التي خلفها النظام المباد، بغرض استيفاء شروط الإدارة الأمريكية لحذف اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب".

وتعود قصة "هجوم كول" إلى أكتوبر عام 2000 حين فجَّر رجلان قارباً مطاطياً مليئاً بالمتفجرات قرب المدمرة المزودة بصواريخ موجهة، حينما كانت تتزود بالوقود في ميناء عدن جنوبي اليمن، ما أحدث فجوة فيها.

وتسبب التفجير بمقتل 17 بحاراً أمريكياً وإصابة العشرات، في حين أعلن منفذا العملية أنهما ينتميان إلى تنظيم القاعدة.

ومنذ عام 2010 لا تزال إجراءات التقاضي في قضية مقتل البحارة ضد السودان مستمرة في المحاكم الأمريكية، حيث أكّدت إحداها، عام 2014، أن "دعم السودان لتنظيم القاعدة أدى إلى مقتل 17 أمريكياً في هجوم كول".

لكن في مارس 2019 قال رئيس وفد الكونغرس الأمريكي إلى السودان، غوس بيليراكس، إن "واشنطن ستتفاوض مع الخرطوم، في المرحلة الثانية من الحوار الثنائي، بشأن دفع تعويضات في ادعاءات وأحكام ضد السودان متعلقة بهجمات إرهابية".

وأردف: "بما في ذلك أحكام محكمة أمريكية تتعلق بتفجير السفارتين الأمريكيتين في دار السلام ونيروبي، عام 1989، والهجوم على المدمرة الأمريكية كول عام 2000".

لكن يبدو أن خلع الرئيس البشير على يد الجيش السوداني، وانتقال البلاد إلى مرحلة انتقالية منذ أبريل 2019، جعل الموقف الأمريكي يأخذ مقاربات جديدة لها علاقة بملفات أخرى بالمنطقة مثل "صفقة القرن" وتطبيع العلاقات مع "إسرائيل".

البرهان

الدفع نحو التطبيع

ويكشف لقاء رئيس مجلس السيادة السوداني مع رئيس الوزراء الإسرائيلي المنتهية ولايته، بنيامين نتنياهو، في أوغندا، الذي أُعلن عنه بداية فبراير الجاري، الدور الأمريكي المؤثر، والترتيب الإماراتي لهذا اللقاء، وفق صحيفة "ذي تايمز أوف إسرائيل" العبرية.

وجاء شكر وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو للبرهان على قيادته السعي للتطبيع مع تل أبيب كدليل على وجود ضغوط أمريكية على الخرطوم، تسببت بموقف سوداني تاريخي.

يضاف إلى ذلك دعوة بومبيو، في بيانه الصادر الثلاثاء (4 فبراير 2020)، رئيس مجلس السيادة السوداني إلى زيارة واشنطن للقائه في وقت لاحق من العام.

وجاء في تقرير جديد لصحيفة "هآرتس" الإسرائيلية، نشرته يوم الأربعاء (12 فبراير 2020)، أن "طاقم نتنياهو يستغل علاقته الجيدة مع الإدارة الأمريكية، ومع وزير الخارجية مايك بومبيو على وجه الخصوص، لتحقيق غاية التطبيع مع دول عربية".

وكشفت أن "بومبيو عمل بحماس وراء الكواليس ليس فقط لتمهيد الطريق للقاء بين نتنياهو والبرهان (في أوغندا الأسبوع الماضي)، ولكن أيضاً لإقناع الزعيم السوداني بالموافقة على الظهور في تصوير مشترك".

ولفتت إلى أن البرهان رفض ذلك إلا أنه وافق على السماح لنتنياهو بنشر خبر عن الاجتماع، الذي كان في البداية سرياً، تحت ضغط من الوزير الأمريكي.

ورغم ما أظهر ذلك التطبيع من فجوة بين العسكر والساسة في السودان، فإن قيادات الجيش يبدو أنها عازمة على المضي قدماً في استكماله، خصوصاً أنه جاء بعد أيام قليلة من إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن خطته للسلام في الشرق الأوسط، والتي عُرفت باسم "صفقة القرن" بحضور نتنياهو وسفراء الإمارات والبحرين وسلطنة عُمان.

ويعني ذلك، بحسب مراقبين، أن واشنطن تسعى جاهدة لوجود أكبر قدر ممكن من التأييد العربي لصفقة القرن، وهو ما يجعلها تمررها بمرونة أكبر، خصوصاً أنها لم تلق معارضة حقيقية من دول مركزية عربية مثل السعودية ومصر، اللتين أكدتا دعم جهود ترامب فيها.

يضاف إلى ذلك سعي واشنطن لعقد دول عربية و"إسرائيل" اتفاقية عدم اعتداء من المرجح أن تشمل دولاً خليجية ومصر والأردن وربما المغرب، بالإضافة إلى إمكانية وجود السودان أيضاً.

يشار إلى أن خطة السلام الأمريكية (صفقة القرن)، التي رفضتها السلطة الفلسطينية وجميع فصائل المقاومة، تتضمن إقامة دولة فلسطينية متناثرة الأطراف تربطها جسور وأنفاق، وجعل مدينة القدس المحتلة عاصمة غير مقسمة لـ"إسرائيل"، وهي الخطة التي قوبلت بغضب ورفض عام واسع في الشارع الفلسطيني والعربي.

البشير

تسليم البشير

يضاف إلى كل ذلك أن إمكانية مثول الرئيس المعزول عمر البشير أمام محكمة الجنايات الدولية قد يكون بضغوط أمريكية أيضاً، خصوصاً أن البشير تحدى المحكمة ونال منها.

وإن كان يبدو أن الحكومة لا تمتلك القرار النهائي بوجود مجلس السيادة الذي يرأسه الجيش السوداني، إلا أنها صرحت أنها تعتزم مناقشة تفاصيل مثول البشير أمام المحكمة "الجنائية الدولية" وكذلك مطلوبي دارفور.

وأكّد المتحدث باسم مجلس "السيادة" الانتقالي في السودان، محمد الفكي سليمان، يوم الثلاثاء (11 فبراير 2020)، أن التوافق بين الحكومة والحركات المسلحة في دارفور على تسليم من صدرت بحقهم أوامر اعتقال من "الجنائية الدولية"، بتهمة ارتكاب "جرائم حرب" و"جرائم ضد الإنسانية"، يشمل البشير.

وقال الكاتب السياسي فوزي بن يونس بن حديد: "الغريب في هذه القضية أن البرهان كان يرفض تسليم عمر البشير إلى محكمة الجنايات، لكن يبدو أن لكل شيء مقابلاً كما يقال، فلا يأتي شيء مجاناً من أمريكا وإسرائيل، بل كل ما يجري في الساحة السودانية يتم تحت ضغوط أمريكية وإسرائيلية كبيرة حتى يستجيب السودان لأوامر الحكام الأمريكيين والإسرائيليين، ولكي يُرفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب".

وأضاف بن حديد في مقالة له بصحيفة "رأي اليوم": "نحن اليوم أمام منعرج خطير، وقد تسلم الحكومة السودانية البشير إلى المحكمة الجنائية الدولية، ويحاكَم على ما ارتكبه في حق المواطنين السودانيين في دارفور وفي الجنوب إبان رئاسته، وقد يُحكم عليه بالسجن المؤبد، وقد يتعرّض للموت المفاجئ نتيجة إهمال طبي كما حدث لمحمد مرسي (الرئيس المصري السابق)".

ويتساءل الكاتب: "هل يسلّم السودان عمر البشير إلى المحكمة الجنائية الدولية؟ وهل هذه هي ضريبة حكم الإخوان في كل مكان؟ أم فعلاً كان عمر البشير مجرم حرب فعل بأهل دارفور ما يستحق العقاب؟".

وأصدرت المحكمة الجنائية أمرين باعتقال البشير، عامي 2009 و2010، بتهم تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وإبادة جماعية بدارفور، فيما ينفي الرئيس المعزول صحة الاتهامات، ويتهم المحكمة بأنها مُسيسة.

يُذكر أن إقليم دارفور يشهد، منذ 2003، نزاعاً مسلحاً بين القوات الحكومية وحركات متمردة، أودى بحياة نحو 300 ألف شخص، وشرد نحو 2.5 مليون آخرين، وفق الأمم المتحدة.

مكة المكرمة