"تنظيم الكنائس" مكافأة السيسي للأقباط بعد دعمهم للانقلاب

هل استرضى السيسي الأقباط بالقانون الجديد؟

هل استرضى السيسي الأقباط بالقانون الجديد؟

Linkedin
whatsapp
الخميس، 01-09-2016 الساعة 16:14


لم تكن عبارات الشكر التي أهداها البابا تواضروس، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، لمجلس النواب والحكومة عقب إقرار القانون الحكومي لبناء وترميم الكنائس منذ أيام، سوى تعبير عن السعادة التي يشعر بها الأقباط في مصر عقب إقرار القانون الذي طالما تمنوه منذ سنوات طويلة، ولم يتمكنوا من الفوز به إلا مؤخراً.

البابا اعتبر أن قانون تنظيم بناء وترميم الكنائس "جاء ليصحح خطأ دام أكثر من 160 عاماً، ويفتح صفحة جديدة منذ أيام قانون الخط الهمايوني في الدولة العثمانية".

و"الخط الهمايوني" هو قانون عثماني وضعه السلطان عبد المجيد الأول في فبراير/شباط 1856، الغرض منه تنظيم بناء دور العبادة في جميع الولايات التابعة للدولة العثمانية، يطبق على كل الملل والأديان غير الإسلامية.

وقال تواضروس إن القانون الجديد "جاء ليضمد جراحات استمرت طويلاً من أجل الاستقرار والمواطنة، ولقد كان هناك إجماع في مجلس النواب على إقرار القانون فيما عدا أفراد قليلين".

القانون صدر بالتنسيق الكامل مع الكنيسة، وفقاً لما أعلنته رئاسة مجلس الوزراء، التي أشارت إلى أنه تمت الاستجابة لكل مطالب الكنائس الثلاث في مصر "الأرثوذكسية، والبروتستانتية، والإنجيلية"، وحظي بإعجاب نواب مجلس الشعب الذين احتفلوا بالموافقة عليه بشكل غير مسبوق في تاريخ البرلمان المصري؛ حيث هتف الدكتور علي عبد العال، رئيس المجلس، فور الموافقة على القانون "يحيا الهلال مع الصليب"، وهو أحد الشعارات القديمة التي استخدمت خلال ثورة 1919، وشكر النواب على إصدار القانون، في سابقة أيضاً، في حين رفع النواب أعلام مصر، وهتفوا "مسلم..مسيحي.. إيد واحدة"، وهو أحد الهتافات الشهيرة التي أطلقها ثوار يناير 2011، كما هتف أعضاء مجلس النواب تحت قبة مجلسهم "بلادي بلادي لك حبي وفؤادي"، وضجت قاعة المجلس بالتصفيق الحاد.

وفي الإجمال، يوافق الأقباط على القانون، في حين يبدي بعضهم تحفظات على المادة الثانية منه، والتي تنص على أنه "يراعى أن تكون مساحة الكنيسة المطلوب الترخيص ببنائها وملحق الكنيسة على نحو يتناسب مع عدد وحاجة مواطني الطائفة المسيحية في المنطقة التي تقام بها، مع مراعاة معدلات النمو السكاني".

ولم يتوقف رفض المادة عند الكلام؛ بل أعلن المحامي القبطي نجيب جبرائيل، رئيس منظمة الاتحاد المصري لحقوق الإنسان، أنه سيطعن على المادة الثانية بعدم الدستورية، قائلاً إن القانون "تمييزي" مخالف للمادة 53 -64 من الدستور، ويميز بين أبناء الوطن الواحد فى بناء المساجد والكنائس.

ويتألف القانون من 9 مواد، نصت على منح "المحافظين" سلطة الموافقة على بناء الكنائس الجديدة، والتزامهم بالبت في الطلب في مدة لا تجاوز أربعة أشهر، وفي حالة رفض الطلب يجب أن يكون مسبباً.

- كيف كان يتم البناء قبل القانون؟

القانون الجديد يسهل إجراءات بناء الكنائس بشكل غير مسبوق، بعد أن كان بناء الكنائس نقطة توتر ساخنة بين المسلمين والأقباط عبر السنين؛ إذ كان الأقباط يرغبون دائماً في التوسع ببناء الكنائس في أنحاء مصر، حتى وإن لم تكن هناك حاجة فعلية لذلك، في حين كان المسلمون يواجهون تلك الرغبة الجامحة بإصرار أكبر على أن يتم البناء وفقاً للاحتياج فقط، وثارت بسبب تلك الثنائية العديد من التوترات في معظم أنحاء مصر، وسقط بسببها عدد كبير من الضحايا، وكانت الأجهزة الأمنية توافق على البناء الجديد أو ترفضه وفقاً للتوجه العام للدولة.

ويرجع تاريخ تنظيم بناء الكنائس بمصر إلى عهد الدولة العثمانية، تحديداً في ولاية سعيد باشا لمصر، حيث نص مرسوم الخط الهمايوني، الصادر عام 1856 ميلادية، في مادته الثالثة، على أن "السلطان شخصيّاً فقط هو من له الحق في ترخيص بناء الكنائس وترميمها، وكذا المقابر الخاصة بغير المسلمين"، واستمر العمل بالمرسوم إلى عام 1933، عندما وضع العزبي باشا، وزير الداخلية في ذلك الحين، 10 شروط لبناء الكنائس، بديلة عن مادة الخط الهمايوني السابق ذكرها، واستمر الوضع كذلك إلى أن حاول المجلس العسكري "عقب الثورة" إصدار قانون موحد لدور العبادة للمساجد والكنائس على السواء، إلا أنه لم يتمكن من ذلك، إلى أن أقرّ النظام الحالي القانون الذي رضي عنه الأقباط بشكل كامل.

- تتويج الدعم القبطي للنظام

وبعيداً عن هذا التحفظ، يعتبر القانون انتصاراً كبيراً للأقباط في مصر، وتتويجاً لمرحلة من الدعم الكامل للانقلاب في مصر، الذي تم في 3 يوليو/تموز 2013، والذي كان مشهد اصطفاف البابا تواضروس إلى جانب ممثلي المؤسسة الرسمية الإسلامية، داعماً كبيراً لـ"اللقطة" التي أريد توصيلها في تلك الليلة؛ وهي أن المجتمع المصري متوافق على الإطاحة بالرئيس الشرعي من السلطة، والزج بأتباعه في السجون، وإغلاق كل منافذهم الإعلامية.

الدعم القبطي لم يتوقف عند "الصورة"، بل امتد إلى "الأرض"؛ حيث مثل الأقباط نسبة كبيرة من الذين نزلوا إلى الشارع يوم 30 يونيو/حزيران 2013، الذي كان الركيزة الأساسية للإطاحة بالاخوان، ويقدر البعض عدد الأقباط الذين كانوا في الشارع حينئذ بـ400 ألف شخص، في حين تواصل الدعم المادي، من جانب رجال الأعمال الأقباط الذين يتمتعون بإمكانات مالية كبيرة، للاقتصاد المصري، فضلاً عن الدعم الخارجي من جانب أقباط المهجر للنظام الجديد الذي حل في مصر بديلاً عن نظام الإسلاميين، والذي لم يتقبله الأقباط منذ اللحظة الأولى.

- استرضاء مخافة الغضب

ورغم أن البيانات الإحصائية الرسمية للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، تشير إلى أن عدد الكنائس في مصر يبلغ نحو 3126 كنيسة، بالإضافة إلى عشرات الأديرة المنتشرة في ربوع المحافظات، وتتسع لنحو 24 مليون مصلّ؛ أي أكثر من ربع سكان مصر، إلا أن مراقبين أشاروا إلى أن إصدار قانون تنظيم بناء وترميم الكنائس بالشكل الذي يرضي الأقباط، وعدم إجراء أي تعديلات عليه، جاء لإنهاء موجة من الغضب القبطي، وما كان يمكن أن يتطور إلى قطيعة بين الأقباط والنظام الحاكم، عقب سلسلة من التوترات الطائفية في مناطق مصرية مختلفة، رآها الأقباط، وخاصة أقباط المهجر، مساساً بكرامتهم، و"نكراناً للجميل" الذي قدمه الأقباط لسلطة الانقلاب، معتقدين أنهم مثلوا عاملاً مهماً لإنجاح الانقلاب على الرئيس محمد مرسي وحكومته عن طريق الدعم السياسي والشعبي.. والخارجي.

ومثلت التهديدات القبطية حرجاً شديداً للرئيس عبد الفتاح السيسي، خاصة بعد موقف "تواضروس" الداعم لتلك التحركات الغاضبة، حين قال خلال اجتماعه مع السيسي: إنه "لن يستطيع السيطرة كثيراً على الأقباط، وهناك العديد من أقباط المهجر يرفضون أوامر الكنيسة، ويدعون لتظاهرات أمام البيت الأبيض ضد "السيسي" ونظامه". وكات الرسالة القبطية واضحة، مفادها: "لقد دعمناك ورسخنا حكمك من الخارج، وأنت أطحت بكل وعودك لنا".

مكة المكرمة