تونس بعد الانتخابات.. تحالفات صعبة وولادة قيصرية تنتظر الحكومة

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/7XdAYA

قيس سعيّد سيتسلم مهامه برئاسة البلاد في 23 أكتوبر الجاري

Linkedin
Google plus
whatsapp
الثلاثاء، 22-10-2019 الساعة 18:30

مع تسلّم الرئيس المنتخب قيس سعيّد مهامه برئاسة البلاد، في 23 أكتوبر الحالي، تدخل تونس منعرجاً جديداً في مسارها الديمقراطي الذي انطلق بثباتٍ منذ ثورة يناير 2011.

وتأتي هذه المرحلة بعد أن أنهت تونس بنجاحٍ الانتخابات التشريعية والرئاسية خلال الشهر الجاري، والتي أفرزت نتائج غير متوقّعة، خلطت أوراق بعض الأحزاب، وأنهت أخرى، ليتسلّم البلاد جيلٌ جديدٌ من السياسيين.

ومنذ الإعلان عن نتائج الانتخابات التشريعية التي أنتجت برلماناً "فسيفسائياً"، تصدرته حركة النّهضة (52 مقعداً)، تصاعدت الأصوات المحذّرة من عسر تكوين أغلبية قادرة على الحكم (109 أصوات)، وضمان استقرار عام بالبلاد.

جاءت هذه الأصوات بعدما أعلن أغلب الفائزين بمقاعد برلمانية اصطفافهم في المعارضة على غرار قلب تونس (38 قعداً)، والتيار الديمقراطي (22 مقعداً)، والحزب الحر الدستوري (17 مقعداً)، وحركة الشعب (16 مقعداً).

ولادة قيصرية

ولم تسفر نتائج الانتخابات التشريعية التونسية عن فوز أي حزبٍ بالأغلبية البرلمانية لتشكيل حكومة، ما أذن بانطلاق مفاوضاتٍ شاقة بين الأحزاب السياسية، التي قدمت أغلبها جملةً من الشروط القاسية من أجل تشكيل الحكومة الجديدة.

 ويرى مراقبون أنّ حزب النهضة (الحزب الأوّل في البلاد) المعني قانونياً بتكوين حكومة تبدو ولادتها عسيرةً جداً، مقبل على مرحلةٍ صعبةٍ من المفاوضات، خاصّةً أنّ الحركة شبه عاجزة؛ حسابياً (52 مقعداً فقط) وسياسياً، عن تجميع أحزابٍ تحقق معها أغلبية الأصوات، اللازمة لمنح الرئيس الذي سيعيَّن وحكومته الثقة البرلمانية.

وكانت حركة النهضة قد استبعدت قبل الانتخابات المشاركة في ائتلاف حاكم مع حزب قلب تونس، الذي حل في المرتبة الثانية، والحزب الدستوري الحر، الذي فاز بالمرتبة الرابعة، ويتبنى الحزبان نفس موقف حركة النهضة، ويعتبران التحالف معها "خطاً أحمر".

ويعتقد رئيس مركز الدراسات الاستراتيجية حول المغرب العربي، عدنان منصر، أنّه من الصعب جدّاً تجميع 109 أصوات في تحالفٍ واحدٍ، لأنّ الأحزاب الفائزة بمقاعد برلمانية تختلف توجهاتها كلياً، ولن تستطيع التوافق فيما بينها.

ويؤكد منصر، في حديثه لـ"الخليج أونلاين"، أنّ كلّ المؤشرات تدلّ على أنّ الأمور تسير بشكلٍ سيّئ على مستوى التحالف بين الأحزاب، نظراً لاستحالة تجميع أربعة أحزاب متجانسةٍ.

ويوضح أنّ كل الأحزاب الوسطية ترفض التحالف مع حركة النهضة من أجل أهداف سياسية وانتخابية، كذلك ترفض الحركة الدخول في تحالفٍ مع قلب تونس، والحزب الحرّ الدستوري، وهو ما يعقّد الوضع، لأنّ الكتل المتقاربة من الحركة والتي عبّرت عن استعدادها الدخول في تحالفٍ معها مثل ائتلاف الكرامة، وحزب الرحمة، لا يمكنهم تحقيق الأغلبية المطلوبة.

كما كشف منصر، حسب معطياته الخاصّة، أنّ حزب قلب تونس الفائز بالترتيب الثاني في الكتل البرلمانية، سيمنح ثقته للحكومة المقبلة مهما كانت تركيبتها، لأنّ هذا الحزب لم يُجعل للمعارضة، بل للإسناد والدعم، وذلك في علاقةٍ بالوضعية القانونية لرئيسه نبيل القروي، المتّهم بقضايا فساد وتبييض أموال، حسب تعبيره.

ويتعين على الحكومة الجديدة في تونس أن تعالج على وجه السرعة مشكلات اقتصادية ومالية مزمنة، وهي التي برزت مطلباً شبابياً ملحاً وعكست إرادة شباب البلاد الذي شارك بكثافة في الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية، بعد أن ابتعد عن الحياة السياسية منذ عام 2013.

تحالفات غير ممكنة

ومنذ الإعلان عن النتائج الأولية للانتخابات التشريعية انطلقت حركة النّهضة في البحث عن حلفاء تستطيع معهم تجميع أغلبية الأصوات، ليمنحوا ثقتهم للحكومة، وقد عبّرت عن استعدادها للتحالف مع حركة الشعب وائتلاف الكرامة وتحيا تونس، وربما التيار الديمقراطي.

في المقابل، يضع التيار الديمقراطي شروطاً مجحفة من أجل قبول التحالف والمشاركة في الحكومة، بعد أن طالب رئيسه محمد عبو، بمنح الحزب وزارة الداخلية، ووزارة العدل، ووزارة الإصلاح الإداري، واشترط تعيين رئيس حكومةٍ من خارج الأحزاب السياسية، فيما رفضت حركة الشعب المشاركة في ما أسمته المحاصصة الحزبية.

هذا وتشدّد الحركة على أنّها لن تتحالف مع من تحوم حولهم شبهات فساد أو فشل في مهمة حكومية، ولن تفاوض من منطق ضعفٍ، وأنّها لا تخشى الذهاب للصندوق من جديد، في إشارة إلى استعدادها لإجراء انتخابات مبكّرة.

من جانبه، يرجّح الأستاذ في العلوم السياسية إبراهيم العمري أن يمر تشكيل الحكومة بمخاض عسير، وتكون المناورة بين الأحزاب الممثلة في البرلمان محدودةً على مستوى اختيار الأطراف التي ستشارك في تركيبتها، بعد أن أسقطت حركة النّهضة حزب قلب تونس، والحزب الحر الدستوري، من حسابات تحالفاتها.

ويوضح العمري، في تصريحه لـ"الخليج أونلاين"، أنّ الشروط التعجيزية التي وضعتها الأحزاب الفائزة بالمراتب الأولى في الانتخابات التشريعية، والتي طالبت فيها بوزارات السيادة كالداخلية والعدل، وبتحييد رئيس الحكومة المقبل، عقّدت شروط المفاوضات من أجل التسريع في تشكيل فريقٍ حكومي.

مشهدٌ مفتوحٌ

ومنذ وفاة الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي، في يوليو 2019، تسارعت الأحداث في تونس، التي أجرت ثلاث محطات انتخابية في أقل من شهر، كانت نتائجها مفاجئة للطبقة السياسية، ولجزء من الشعب، انتهت إلى مشهد غامض تشوبه "الضبابية"، وتحدي نجاح الدولة التي تكاد تكون الوحيدة التي أنجحت ثورتها، وحافظت على مسارها الانتقالي.

وتفتح هذه الأحداث الباب على مصراعيه أمام الكثير من المفاجآت، إزاء المرحلة المقبلة التي ستطغى عليها الصراعات، وسط مخاوف من أن تطول فترة التداول والنقاش من أجل الاتفاق على شخصية تتولى منصب رئيس الحكومة بالنظر إلى التشتت الحزبي، وأجواء عدم الثقة بين مكونات المشهد السياسي.

المحلّل السياسي شكيب درويش يصف، في تصريحه لـ"الخليج أونلاين"، الفترة الممتدة بين 6 أكتوبر (موعد الإعلان عن النتائج الأولية للانتخابات التشريعية) و13 نوفمبر  (موعد الإعلان عن النتائج النهائية بعد النظر في الطعون) بمرحلة "النزوات الانتخابية"، ومساحة "المناورات الحزبية"، مؤكّداً أنّ المشهد بات مفتوحاً على كلّ الاحتمالات، نظراً إلى اختلاف مواقف الأحزاب وتصوراتها للحكومة المقبلة.

ومن السيناريوهات التي يرى درويش أنّها ممكنة تكليف رئيس البلاد المنتخب، قيس سعيّد، بتكوين حكومة، وفريقٍ حكومي، يعرضه على البرلمان للمصادقة عليه، لكنه يستبعد في نفس الوقت ذلك.

 ويتوقع أن تنجح حركة النهضة في تكوين حكومةٍ، وتعيين رئيسٍ من داخل الحركة، على أن تحظى بثقة البرلمان دون الدخول في تحالفٍ مع أي حزب.

ويرى أنّ الحلّ الأخير الذي يمكن أن تصل إليه الأحداث، هو إعادة الاستحقاق التشريعي برمته، في إطار إجراء انتخابات مبكّرة، وذلك في حال عجزت النهضة عن تكوين حكومة في الآجال الدستورية المحدّدة بشهرين منذ صدور تكليف رئيس البلاد بتكوينها.

مكة المكرمة