تونس.. تهديدات جدّية بنسف ملفّ العدالة الانتقالية

"نظام النداء هو نفسه نظام بن علي وبورقيبة"

"نظام النداء هو نفسه نظام بن علي وبورقيبة"

Linkedin
Google plus
whatsapp
الخميس، 29-03-2018 الساعة 12:46


أثارت جلسة تصويت البرلمان التونسي على عدم تمديد عمل هيئة الحقيقة والكرامة (مكلّفة بكشف حقيقة انتهاكات حقوق الإنسان بين 1955 و2013 ومحاسبة المسؤولين عنها) ردود أفعال غاضبة؛ بسبب ما اعتبره البعض انقلاباً على مسار الانتقال الديمقراطي يقوده حزب نداء تونس.

وشهد البرلمان التونسي خلال جلستين متتاليتين حالة من الفوضى والتراشق بالتهم بين نواب من حركة النهضة وآخرين من نداء تونس؛ بسبب رفض الأخير مواصلة سهام بن سدرين عملها على رأس الهيئة، وانتهت بتصويت 68 نائباً، بوقت متأخّر الاثنين 27 مارس 2018، على عدم تمديد مهلة هيئة الحقيقة والكرامة.

وترى نخب سياسية في البلاد أن محاولة إنهاء عمل سهام بن سدرين (ناشطة سياسية حقوقية) في الهيئة يهدف إلى السيطرة عليها وحرف مسار التحقيق في الانتهاكات.

وفي تعليقه على تصويت البرلمان بعدم التمديد لعمل الهيئة قال سمير بن عمر، رئيس الهيئة السياسية لحزب المؤتمر من أجل الجمهورية: "ما حدث مهزلة تعكس مدى الاستهانة بالقانون والدستور من طرف بعض مكوّنات منظومة الحكم، وسعيهم لتعطيل مسار الانتقال الديمقراطي بأسره وإحداث فتنة بالبلاد".

وأضاف بن عمر في تصريح لـ "الخليج أونلاين": "أنا أتساءل هنا إذا كنّا نعلم أن هيئة الحقيقة والكرامة تنتهي مهامها في شهر مايو فما هي دواعي العجلة لاستصدار قرار بإيقاف أعمالها في الوقت الحالي؟ خاصة أن البرلمان لا يحق له النظر في التمديد للهيئة من عدمه".

وتابع: "من المفروض أن يكون البرلمان منصباً لمناقشة مجلة الجماعات المحلية لكونها أولوية قصوى، لكن ما حدث عملية غير بريئة تهدف لإحداث فتنة تمهّد لإجهاض الانتخابات البلدية ومسار العدالة الانتقالية بأسره".

بن عمر أكّد في حديثه لـ "الخليج أونلاين" أن "العدالة الانتقالية لا تنحصر في سهام بن سدرين، فهيئة الحقيقة والكرامة تم انتخابها بأغلبية معزّزة من مختلف الأطراف السياسية، ولا يمكن إيقاف عملها من أجل شخص واحد، لكنهم لا يريدون كشف الحقيقة لأن العدالة الانتقالية ستنتهي إلى إدانة الأيادي التي أوغلت في دماء التونسيين، وهي من يحرّك نداء تونس اليوم".

وتابع: "تونس ليست جمهورية موز ولا يمكنهم لمجرد شهوة لدى بعضهم تعطيل مسار العدالة الانتقالية التي يحميها الدستور، هذه الهيئة ستواصل أعمالها؛ أحبّ من أحبّ وكره من كره، أما الأسماء المطروحة لخلافة بن سدرين فإنها لن تنجح في امتصاص الغضب الشعبي العارم بتمرير إيقاف عمل هيئة الحقيقة والكرامة؛ لكونها مناورة من طرف خرّيجي أكاديمية التجمّع الديمقراطي لحفظ ماء وجههم".

وختم المحامي والسياسي التونسي حديثه بالقول: "المنظومة النوفمبرية (نسبة للرئيس بن علي الذي تولّى الحكم في 7 نوفمبر 1987) كشفت عن وجهها القبيح وبرهنت أن كل ما كانوا يقولونه طوال السنوات الأولى بعد الثورة كانت مجرد مساحيق لتغطية بشاعتهم، وها هم اليوم يريدون إرجاع البلاد إلى مربّع الاستبداد، لأن ما يحدث للهيئة ليس بمعزل عن المناخ السياسي الذي يتميّز بتغوّل منظومة الحكم".

واستدرك: "لو تم استخدام القوة في إيقاف عمل الهيئة فإن ذلك سيكون ضرباً لمسار الانتقال الديمقراطي سيدفع ثمنه المتسبّبون فيه".

وصباح الأربعاء 28 مارس 2018، أكّدت رئيسة هيئة الحقيقة والكرامة، سهام بن سدرين، خلال مؤتمر صحفي، أن الهيئة ستستكمل المسار وفق القانون الأساسي للعدالة الانتقالية.

اقرأ أيضاً :

تونس.. بيع المنشآت العامة يهدد مستقبل "الشاهد" السياسي

- الخوف من كشف الحقيقة

بدوره أكّد أستاذ الفلسفة والباحث في علم الاجتماع، أحمد الغيلوفي، أن "هيئة الحقيقة والكرامة من حقّها أن تمدّد لنفسها قانوناً، خاصة أنها لا تزال تشتغل على وثائق وملفّات منذ الاستقلال تستوجب وقتاً طويلاً لحلّها والبتّ فيها".

وأوضح الغيلوفي في حديثه لـ "الخليج أونلاين" أن "الضجة التي أحدثها نواب حزب نداء تونس في البرلمان كانت مفتعلة؛ لأن هناك ملفّات حسّاسة على غرار ملفّ فيصل بركات، قد تثبت تورّط قياديين بالنداء يخشون من كشف الحقيقة، وهو ما قد يؤثّر في مستقبل الحزب سياسياً، خاصة أن ملفّ بركات يهمّ اليساريين الذين يرغب النداء في استمالتهم خلال الفترة الحاليّة".

وفيصل بركات طالب وعضو بحزب النهضة، انتقد في برنامج تلفزيوني، في مارس 1991، تعامل الحكومة مع الصدامات التي اندلعت بين الطلبة والشرطة آنذاك وأسفرت عن وفاة العديد من الطلاب في ذلك الوقت، ليتم اعتقاله وتعذيبه حتى الموت على أثر ذلك.

وعن أهداف رافضي التمديد للهيئة يقول الباحث التونسي: "أهدافهم بعيدة وعميقة؛ فهم يخشون من تقريرها النهائي الذي ستصدره عند نهاية أعمالها، وسيضرب بقوة الأساطير التي تأسّست عليها الدولة التونسية في فترة حكم بورقيبة وبن علي، وهو ما سيجفّف منابعهم، خاصة بعد أن أثبت النائب سالم الأبيض في مداخلته بالبرلمان حقيقة الاستقلال الهشّ والشكلي".

وتابع الغيلوفي: "هيئة الحقيقة والكرامة تعمل ضد اللوبي الفرنسي الذي يمثّله حزب نداء تونس، وما كشفته من وثائق مؤخّراً أحرجهم ووضعهم بين نارين؛ نار الشركات الفرنسية ونار بقايا حزب التجمّع".

وأردف: "معارضو هيئة الحقيقة والكرامة يمارسون التشويه والكذب والبلطجة ويساعدهم في ذلك الإعلام، في حين أن بن سدرين بإمكانها مواصلة عملها حالما قرّرت هي ذلك، لكنهم يريدون قطع الطريق بطريقة فاشيّة تقفز على القوانين، وكل ما نخشاه اليوم هو أن يحدث توافق بين الشيخين (قائد السبسي وراشد الغنوشي)".

وعن سبب معاداة الرئيس الباجي قائد السبسي لهيئة الحقيقة والكرامة ورئيستها، قال الغيلوفي: "السبسي لديه ملفّات عند الهيئة تُدينه عندما كان مسؤولاً في منظومتي حكم بورقيبة وبن علي، وهو يريد الهروب من ذكره في التقرير النهائي الذي سيكون صداه مدوّياً على الصعيد العالمي".

ورأى أستاذ الفلسفة التونسي أن "رئيسة هيئة الحقيقة والكرامة، سهام بن سدرين، تستمدّ قوّتها من الدستور أولاً، ومن الهيئات الدولية التي تعتبر الهيئة مستقلّة ولديها القدرة على مواصلة أعمالها، كذلك هي تستمدّ قوتها من الشعب التونسي المتضرّر من الأنظمة السابقة، والذي ينتظر معرفة الحقيقة".

وأضاف: "سهام بن سدرين أصبحت تمثّل الحقيقة وهم يريدون تغييرها لأنها غير مطيعة ولا يمكن ترهيبها وإغراؤها، كما أنها معروفة بعنادها للمنظومة القديمة التي تريد أن تقفز على الحقيقة ولا تريد الاعتراف بالذنوب التي اقترفتها".

- حزب النداء

واستدرك الغيلوفي: "نظام النداء هو نفسه نظام بن علي وبورقيبة، وهو لا يستطيع أن يعمل إلا بالفاسدين من خلال شراء الذمم وكراء الحافلات والنزل (تأجير حافلات خاصة لنقل الأشخاص لحضور الاجتماعات الحزبية) وتمويله حتى يصل إلى السلطة، وهو مدين لأربعة عناصر في تشكّله وبنائه واستمراره".

الغيلوفي عدّد العناصر الأربعة على النحو التالي: "أولاً فرنسا بوصفها الضامن لمصالحها، وعلاقته بفرنسا تقوم على المعادلة التالية؛ الثروات مقابل الحكم، وأي إخلال بهذه المعادلة يعني رفع فرنسا يدها عن النداء".

ثانياً الطبقه البيروقراطية التي عطّلت عمل الترويكا (أحزاب النهضة والمؤتمر من أجل الجمهورية والتكتّل من أجل العمل والحريات) وانضمّت له أملاً في ألا يحاسبها وأن يحافظ على مواقعها وامتيازاتها.

وثالثاً فئة اللصوص الذين أفرغوا الصناديق الاجتماعية وأفلسوا البنوك العمومية، ومنها البنك الفرنسي التونسي.

ورابعاً الجلادون الذين شكّلوا عصا بن علي الغليظة والذين خافوا على حياتهم أثناء الثورة.

الغيلوفي شدّد على أن "هذه العناصر الأربعة تشكّل العمود الفقري لحزب نداء تونس"، مشيراً إلى أن "الأخير يستميت لكي يُنقذهم من المحاسبة؛ لأنه لا يستطيع أن يستمرّ في الوجود بدونهم، كما أن أي محاسبة لأحد هؤلاء تعني أن النداء يُطلق النار على رأسه".

وعن قراءته لما قد يحدث مستقبلاً من تطوّرات فيما يتعلّق بملفّ هيئة الحقيقة والكرامة لم يستبعد الباحث التونسي في علم الاجتماع أن يحدث توافق بين الشيخين ينتهي بالتخلّص من سهام بن سدرين؛ بهدف الإبقاء على النظام السياسي الحالي أو الحصول على مواقع جديدة في الحكومة المقبلة، مضيفاً: "النهضة والنداء يريدان أن يمنعا بجلديهما على حساب مصلحة الشعب".

مكة المكرمة