تونس.. جدل واتهامات لأجهزة الأمن بالعودة لممارسات "بن علي"

تونس شهدت احتجاجات مطلع العام الجاري

تونس شهدت احتجاجات مطلع العام الجاري

Linkedin
Google plus
whatsapp
الثلاثاء، 06-02-2018 الساعة 14:01


أثارت الاعتداءات الأمنية الأخيرة على الصحفيين والمحتجين والمدونين، مطلع العام الجاري، جدلاً واسعاً في الشارع التونسي؛ بسبب ما اعتبره البعض عودة وزارة الداخلية إلى "مربّع القمع" و"التضييق على الحريات" التي جاءت بها ثورة 14 يناير 2011.

ونظم صحفيون تونسيون، الجمعة 2 فبراير 2018، وقفات احتجاجية في إطار "يوم غضب" دعت إليه نقابة الصحفيين للتنديد بالانتهاكات التي تعرض لها عدد من الصحفيين المحليين والأجانب مؤخراً، وبمحاولات التضييق عليهم من قبل السلطات الأمنية.

وأكد سياسيون وناشطون حقوقيون تونسيون أن عودة وزارة الداخلية لممارسة القمع والتضييق على الحريات يتعارض مع ما سبق أن أكدته الحكومات المتعاقبة من أنها قطعت شوطاً كبيراً في إرساء منظومة أمن جمهوري.

- ديمقراطية متعثّرة

وفي هذا السياق، قال محمد اليوسفي، عضو المكتب التنفيذي لنقابة الصحفيين التونسيين: "من الواضح أننا اليوم بعد أكثر من 7 سنوات على الثورة التونسية التي أطاحت بواحدة من أعتى منظومات الحكم القائمة على القبضة الحديدية (نظام الرئيس السابق زين العابدين بن علي)، ما زلنا إزاء وضع متعثر على مستوى ديمقراطية وإصلاح المؤسسة الأمنية، انطلاقاً من مقاربة ترتكز على مفهوم وعقيدة الأمن الجمهوري".

ورأى الإعلامي التونسي، في حديث لـ"الخليج أونلاين"، أن "الحل مرتبط بضرورة توفر إرادة ورؤية سياسية إصلاحية شاملة تنجح في بلورة معادلة تجمع بين احترام الدستور بما يتضمنه من حقوق وحريات ومكتسبات من جهة، وضمان تحديات الأمن القومي لا سيما في ظل التهديدات الإرهابية والاختراقات الداخلية والأجنبية الممكنة، من جهة أخرى".

وأوضح اليوسفي أن "الاعتداءات والتضييقات على الصحفيين، التي ارتفعت وتيرتها في الفترة الأخيرة، تؤكد مشروعية صيحة الفزع التي أطلقتها نقابتنا للتحذير من شبح عودة ممارسات وانتهاكات خطيرة تمسّ في الصميم روح المشروع الديمقراطي في تونس ما بعد الثورة، الذي أُسس خصوصاً على حرية التعبير والإعلام بوصفها قطب الرحى في المسار الانتقالي".

وفي 27 يناير الماضي، عبّرت نقابة الصحفيين عن انشغالها بممارسات وزارة الداخلية التي "تذكّر بزمن الاستبداد وتنبه من أن وزير الداخلية الحالي لطفي براهم، الذي كان يتمتع بسمعة سيئة في الحقبة السابقة في علاقته بالصحفيين وبالناشطين الحقوقيين، قد أطلق يد أعوانه ضد الصحفيين بمجرد وصوله إلى سدة الوزارة".

اقرأ أيضاً :

الاحتجاجات بتونس تخلّف ألف مُعتقل

- الداخلية تتنصّت

ووفق عضو نقابة الصحفيين، فإن "الأخطر من كل هذا هو اعتراف وزير الداخلية بالتنصت على صحفيين، وتهديده بخطاب ينطوي على نوع من الترهيب للمدونين، فضلاً عن أن رئيس الجمهورية (الباجي قايد السبسي) هو الآخر تعمّد في أكثر من مرة التعبير عن مواقف غير ديمقراطية تجاه الإعلام والصحفيين".

وتابع: "آخر هذه الاتهامات كان اتهام السبسي غير المفهوم للزملاء الذين يعملون كمراسلين في تونس لفائدة مؤسسات إعلامية دولية، حيث اعتبر أنهم قاموا بالإساءة للبلاد إثر مواكبتهم وتغطياتهم الصحفية للاحتجاجات الاجتماعية التي جدت في شهر يناير الماضي، رفضاً لقانون المالية الجديد للسنة الحالية".

واعتبر اليوسفي أن وزارة الداخلية "تعرضت بعد الثورة لمحاولات تطويع سياسي وأيديولوجي واندساس من عديد الأطراف الحزبية واللوبيات الفاسدة، وهو ما حولها إلى بؤرة صراع أجنحة بين ملل ونحل تداخل فيها النقابي الأمني بالسياسي والفئوي، زاد في تعميق الإشكال والجنوح عن مسار الإصلاح الذي يتطلب ترسانة من التشريعات لفرض الانضباط والالتزام بمبادئ النظام الجمهوري، علاوة على مراجعة مناهج وبيداغوجية الانتدابات والتكوين في مختلف الأسلاك".

وشدّد اليوسفي على أنه "لا بد من التعجيل في إصدار أمر حكومي متعلق بمدونة سلوك تهم قوات الأمن الداخلي التابعة لوزارة الداخلية التي هي مطالبة بالانفتاح أكثر على الإعلام لفتح نقاشات وحوارات يمكن أن تساعد على فض الإشكالات القائمة حتى لا تتحول إلى سياسة ممنهجة وثقافة تنزع نحو الاستبداد يراد التطبيع معها.

ويضيف: "الإعلام يجب أن يحافظ على دوره الطبيعي كسلطة رابعة ناقدة ورقيبة، عوض الانزلاق في اتجاه مربع التبرير والمداراة على الانتهاكات والتجاوزات الأمنية التي تستهدف حقوق الإنسان وقيم المواطنة الراشدة".

ووفق اليوسفي، فإن هناك تقارير دولية ومحلية تشير إلى أن مظاهر الفساد والمحسوبية داخل المؤسسة الأمنية التونسية "مرتفعة"، وهذه الإشكالية تكاد "تتحول إلى معضلة المعضلات، وهي تتطلب وقفة حازمة من أجل إيقاف هذا السرطان الذي ينخر وزارة الداخلية وصورتها لدى الرأي العام الوطني"، حسب قوله.

- سياسة الإفلات من العقاب

وذكّر الإعلامي التونسي بأن نقابة الصحفيين سبق أن قامت بدورات تدريبية مشتركة مع وزارة الداخلية من أجل تعزيز ثقافة السلامة المهنية للصحفيين، كما ساهمت في ندوات وورشات حول مسألة علاقة الأمني بالصحفي في نظام ديمقراطي يقوم على دولة القانون والمؤسسات.

لكن هذا المسار، بحسب اليوسفي، "تعطل بسبب حصول اعتداءات متكررة على صحفيين في عديد المرات، دون أن يكون هناك رد سياسي في مستوى خطورة هذه الممارسات غير القانونية، وهو ما زاد في تعدد حالات الإفلات من العقاب".

وتابع اليوسفي: "هنا نؤكد أن مسؤولية السلطة القضائية ممثلة في النيابة العمومية لا تقل حجماً عن المسؤولين الذين يشرفون على أعلى الهرم الإداري لوزارة الداخلية رغم أن عديد الحالات كانت موثقة بالصوت والصورة".

وختم اليوسفي حديثه بالقول: "سنطالب بمراجعات للنصوص التشريعية الخاصة بالإعلام والصحافة من أجل التنصيص على ضمانات أكثر وضوحاً لتجريم الاعتداءات والانتهاكات المسلطة على الصحفيين أثناء أداء واجبهم المهني".

بدورها طالبت منظمة "هيومن رايتس ووتش" السلطات التونسية بالتحقيق بمزاعم "إساءة معاملة" الشرطة لمحتجين، وبوقف أي ملاحقات ضدّ المتهمين بالتجمع والتعبير بشكل سلمي.

وقالت المنظمة الدولية الحقوقية في بيان: إن "الشرطة التونسية عمدت أحياناً إلى ضرب موقوفين، وحرمتهم من حقهم في الاتصال بمحام (وهو ما ينص عليه القانون)، أثناء محاولتها إخماد الاحتجاجات الاجتماعية التي اجتاحت معظم أرجاء البلاد مطلع الشهر الحالي".

- مشروع الأمن الجمهوري

وفي سياق تعليقه على الخطوات التي قامت بها السلطات التونسية لإرساء منظومة الأمن الجمهوري، قال رئيس مركز دراسات الأمن الشامل العميد المتقاعد في الجيش التونسي مختار بن نصر: إن "تونس قامت بخطوات ملموسة في هذا المشروع الكبير الذي يهدف إلى إرساء منظومة أمن جمهوري قريب من المواطن والانتقال من مرحلة أمن الدولة والسلطة إلى مرحلة أمن المواطن الذي يعتبر شريكاً في ذلك".

وأضاف في حديث لـ"الخليج أونلاين": "من هذه الخطوات هيكلة إدارة وزارة الداخلية والرقابة البرلمانية المفروضة عليها، حتى إننا أصبحنا نرى الوزير وكبار القيادات الأمنية محلّ مساءلة في البرلمان، بالإضافة إلى أن هناك مراقبة على ميزانية الوزارة اليوم لتكريس الشفافية في البلاد".

وتابع: "هي مسيرة متواصلة لتحديد سياسة أمنية متكاملة للبلاد، وقد شرعت وزارة الداخلية في ذلك وقطعت شوطاً كبيراً في ذلك من خلال تهيئة الإدارة تشريعياً وتنظيمياً، ولكن ما هو أكيد أن الأمن الجمهوري يبنى بإصرار".

وأكد أنه "لا يمكن بناء ديمقراطية بدون شيئين أساسيين هما: النزاهة والشفافية؛ للحدّ من الفساد في قطاعي الأمن والدفاع لهذا فنحن بحاجة إلى قوانين تعزّز هذه المسيرة التي تبنى بتضافر كل الجهود، وخاصة بين الأمني والمواطن".

مكة المكرمة