تُخضِع بها الدول.. العقوبات الاقتصادية سلاح أمريكا المدمر

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/8Rvd4P

العقوبات توصف بأنها سلاح واشنطن المدمر

Linkedin
whatsapp
الاثنين، 16-12-2019 الساعة 09:48

لا تتردد الولايات المتحدة في الاعتراف بأنها تخوض في الوقت الحاضر حرباً مع إيران وكوريا الشمالية؛ فالعقوبات التي تفرضها على هذين البلدين دليل واضح على هذه الحرب التي لها آثار مدمرة تفوق في تأثيراتها الحرب العسكرية التقليدية.

وزير الخزانة الأمريكي، ستيفن منوتشين، أكد في تصريحات لقناة "CNBC" الأمريكية، على هامش مشاركته في "منتدى الدوحة" الـ19 المنعقد بالعاصمة القطرية، أن عقوبات بلاده على إيران وكوريا الشمالية هي "بديل عن الحرب"، مبيناً أن بلاده "ترى في العقوبات بديلاً عن الخيار العسكري، وتجدها مجدية".

وفرضت واشنطن عقوبات على طهران، في أغسطس 2018، عقب قرار الرئيس دونالد ترامب، بانسحاب بلاده من الاتفاق النووي مع طهران، الذي تم التوصل إليه عام 2015.

وتمارس الولايات المتحدة حملة "أقصى ضغط" على إيران من أجل إجبارها على الجلوس إلى الطاولة والتفاوض على اتفاق أشمل يتناول أنشطتها النووية وبرنامجها للصواريخ الباليسيتية، وأنشطتها الإقليمية التي تقول واشنطن إنها "مزعزعة للاستقرار"، بينما تنفي طهران ذلك.

في حين أن الخلاف الأمريكي مع كوريا الشمالية يتركز بشكل خاص على تطوير بيونغ يانغ صواريخ قادرة على حمل رؤوس نووية، قد يصل مداها إلى مدن رئيسية في الولايات المتحدة.

ويعتبر دونالد ترامب أكثر الرؤساء الأمريكيين استخداماً لسياسة الحصار والعقوبات ضد الدول، على الرغم من أنه لم يكمل بعد العام الثالث على توليه الحكم.

ويسير ترامب في سياسته تلك على خُطا أسلافه في البيت الأبيض، وقد خط لهم هذا النهج وودرو ويلسون، الرئيس الـ28 للولايات المتحدة، الذي تولى الحكم من عام 1913 إلى 1921.

واشتهر الرئيس ويلسون بقوله: إن "الأمة التى نقاطعها هي أمة على وشك الاستسلام"، وتأكيده بالقول: "طبّق هذا العلاج الاقتصادي والسلمي الصامت والمميت، ولن تكون هناك حاجة لاستخدام القوة، إنه علاج رهيب لا يكلف حياة خارج الدولة التي تقاطعها، لكنه يفرض ضغوطاً عليها، وفي رأيي أنه لا توجد دولة حديثة يمكن أن تقاوم".

العراق المثال الحي

من أقرب الأمثلة على تأثير الحصار الذي يفوق تدميره ما تفعله الحروب هو ما حصل في العراق.

هذا البلد حين خاض حرباً لثمانية أعوام مع إيران لم يكن يعاني شعبه من فقر وجوع وأمراض ومشاكل عديدة مثلما حصل حين فرضت عليه الأمم المتحدة وأمريكا وحلفاؤها عقوبات اقتصادية؛ بعد غزوه الكويت في العام 1990.   

وتسببت العقوبات تلك في إلحاق أضرار اقتصادية وإنسانية وصحية وتعليمية بالغة بالعراقيين، ووصفت تأثيراتها بالكارثية في المجالات الإنسانية، حيث أدت إلى وفاة أكثر من مليون ونصف من العراقيين، من بينهم نحو نصف مليون طفل، وحرمت العراقيين لأزيد من عقد من الزمن من الحصول على حاجاتهم من الغذاء والدواء.

قانونية العقوبات

تمثل المادتان 39 و41 من ميثاق الأمم المتحدة الإطار القانوني الذي تستند إليه الأمم المتحدة ومجلس الأمن تحديداً في فرض عقوبات اقتصادية على دول معينة.

فوفقاً للمادة 39؛ يقرر مجلس الأمن ما إذا كان قد وقع تهديد للسلم أو إخلال به أو كان ما وقع عملاً من أعمال العدوان، ويقدم في ذلك توصياته أو يقرر ما يجب اتخاذه من التدابير طبقاً لأحكام المادتين 41 و42 لحفظ السلم والأمن الدولي أو إعادته إلى نصابه.

وتنص المادة 41 على أنه لمجلس الأمن أن يقرر ما يجب اتخاذه من التدابير التي لا تتطلب استخدام القوات المسلحة لتنفيذ قراراته، وله أن يطلب من أعضاء الأمم المتحدة تطبيق هذه التدابير.

ويجوز -بحسب المادة نفسها- أن يكون من بينها وقف الصلات الاقتصادية والمواصلات الحديدية والبحرية والجوية والبريدية والبرقية واللاسلكية وغيرها من وسائل المواصلات وقفاً جزئياً أو كلياً وقطع العلاقات الدبلوماسية.

قوة الولايات المتحدة التي تنامت منذ الحرب العالمية الثانية، وقوة نفوذها التجاري والمالي -بحسب مختصين- مكّنتها من امتلاك سلاح العقوبات الاقتصادية على دول أخرى تختلف معها في المصالح، وباتت تستخدم هذا السلاح سواء من جانب واحد أو عبر التحشيد الدولي لإقراره من خلال المنظمات الدولية لا سيما الأمم المتحدة.

ومن خلال حرمان الدولة المستهدفة بالعقوبات من قروض التوريد والتصدير البنكية، والحظر التجاري، وحظر التحويلات المالية، والحرمان من الحصول على قروض من المؤسسات المالية الأمريكية، وكذلك الحرمان من الاستثمار في الأصول الأمريكية.

ولكون العقوبات الأحادية التي تفرضها الولايات المتحدة من جانب واحد على دولة معينة أقل فاعلية من العقوبات الاقتصادية المتعددة الأطراف تلجأ واشنطن إلى فرض عقوبات من جانب واحد على دولة أو شركة تتعامل مع الدولة المعاقَبة اقتصادياً؛ فتتحول العقوبات بهذه الطريقة من محض أمريكية إلى دولية.

وقد أنشأت الولايات المتحدة خصوصاً لهذا الغرض قانوناً، في مارس 1969، أسمته قانون هيلمز-بيرتون.

هكذا تُخضع واشنطن الدول لنفوذها

يؤكد مختصون أن القوة الأمريكية التي منحتها الإمكانية في فرض قراراتها للدفاع عن مصالحها واستمرارها لم تكن وليدة الصدفة، بل هي نتاج السعي لامتلاك القوة في جميع المفاصل.

ذلك ما يذهب إليه أيضاً الخبير الاقتصادي أحمد مصبح، الذي يشير إلى أن قدرة الولايات المتحدة في الضغط اقتصادياً على الدول، وانتهاج سياسة العقوبات، تكمن بسبب امتلاكها المفاصل الأساسية للاقتصاد العالمي.

فضلاً عن ذلك فإن لهيمنة الدولار الأمريكي على الاقتصاد العالمي دوراً مساعداً في تحقيق الولايات المتحدة أهدافها بهذا الخصوص، وفق قوله.

وذكر في حديثه لـ"الخليج أونلاين" أن الولايات المتحدة تتحكم في التجارة العالمية من خلال هيمنة الدولار، لافتاً النظر إلى أن الدولار الأمريكي يسيطر على قرابة 85% من المعاملات التجارية حول العالم.

وأضاف أن الدولار يهيمن على معظم المعاملات المالية حول العالم، مشيراً إلى أن الدول الناشئة، ومن ضمنها الشرق الأوسط وروسيا والصين، يهيمن الدولار على 92% من معاملاتها.

جانب آخر يعتبر أحد أذرع القوة الأمريكية؛ ويتمثل بـ"سيطرة واشنطن على قرارات معظم المنظمات الدولية، ومنها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي".

وتلك السيطرة -بحسب مصبح- "تعطي أمريكا القدرة على التدخل في السياسات الاقتصادية لتلك الدول بما يخدم مصالحها".

ونظراً لأهمية الاحتياطات المالية لأي دولة من دول العالم فإن اتخاذ العديد من الدول الدولار الأمريكي العملية النقدية المعتمدة لاحتياطاتها المالية جعل من هذه الاحتياطات بالعملة الأمريكية قوة مضافة إلى الولايات المتحدة، فوفق مصبح فإن "أكثر من 60% من الاحتياطات المالية العالمية مقومة بالدولار".

وفي هذا الإطار يقول الخبير الاقتصادي إن ما ذكره، بالإضافة إلى السلطة السياسية التي تملكها الولايات المتحدة على معظم دول العالم، "يجعل من قرار فرض عقوبات على أي دولة سهلاً نسبياً؛ لأن معظم الدول سوف تلتزم بقرارات الولايات المتحدة".

ووفق هذا يرى مصبح أن "العقوبات وسيلة حاسمة تُمَكن الولايات المتحدة من تحقيق أهدافها وسيطرتها على قرار الدول بأقل مجهود وأقل خسائر".

مكة المكرمة