ثأر إيران لسليماني.. "لعنات" متلاحقة آخرها "الأوكرانية"

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/rNk7rB

إيران وجدت نفسها في سلسلة أزمات محلية ودولية

Linkedin
whatsapp
الأحد، 12-01-2020 الساعة 19:46

تعيش إيران أسوأ أوقاتها على الإطلاق على مختلف الصعد؛ محلياً وإقليمياً ودولياً، في ظل التطورات المتسارعة بالمنطقة، وما حفلت به من أحداث دراماتيكية، وهو ما دق ناقوس الخطر من احتمال نشوب حرب عسكرية مدمرة في الخليج العربي.

وتتسم علاقات طهران الدبلوماسية بواشنطن والاتحاد الأوروبي بالتوتر، على خلفية انسحاب الأمريكان من الاتفاق النووي في مايو 2018، علاوة على جفاء وفتور مع دول خليجية أبرزها السعودية وبدرجة أقل مع الإمارات والبحرين، لذا عُرفت إيران بمناورتها على المستويين السياسي والعسكري، لكنها فشلت في مواصلة تلك السياسة؛ لتجد نفسها محاطة بسلسلة من الأحداث التي هزت صورتها وضربت مصداقيتها أمام الرأيين المحلي والدولي.

وشكل اغتيال قائد فيلق القدس بالحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، بغارة جوية أمريكية فجر الجمعة (3 يناير)، قتلت أيضاً مسؤولاً عراقياً بارزاً يتولى منصباً رفيعاً في الحشد الشعبي، المؤلف من مليشيات شيعية مسلحة تدين بالولاء المطلق لإيران، نقطة فارقة للسياسة الإيرانية واستراتيجيتها العسكرية.

ولم تصدق طهران الضربة التي تلقتها من إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وأسفرت عن مقتل رجلها الثاني في القوة العسكرية الإيرانية، وهو ما ظهر بوضوح في تصريحات الساسة الإيرانيين والمسؤولين في القوات المسلحة، بأن واشنطن كسرت خطوطاً حمراء، وعليها دفع ثمن باهظ، لتضع المنطقة على صفيح ساخن.

رد محدود بلا إصابات!

وبعد أيام من التهديد والوعيد أطلق الحرس الثوري الإيراني، فجر الأربعاء (8 يناير)، صواريخ باليستية على قاعدتين عسكريتين في العراق، تضمان جنوداً أمريكيين، وذلك على دفعتين، فيما قالت وسائل إعلام إيرانية إن القصف الصاروخي قتل 80 جندياً أمريكياً.

الرواية الإيرانية سرعان ما نفتها واشنطن، وأكدت أن "كل شيء على ما يرام"، واقتصر الأمر على خسائر مادية فقط بحسب ما قاله "سيد البيت الأبيض" في مؤتمر صحفي.

كما أظهرت صور تناقلتها وسائل إعلام عربية وغربية، لصواريخ إيرانية ضلت طريقها عن قاعدة "عين الأسد" بمحافظة الأنبار العراقية، كما أن بعضها لم ينفجر، لتهتز صورة الصناعات العسكرية الإيرانية والحرس الثوري وتهديداته الرنانة.

وفي هذا الإطار قال الخبير العسكري والاستراتيجي حاتم الفلاحي لـ"الخليج أونلاين"، إن الضربة الإيرانية باتجاه القواعد الأمريكية بالعراق أظهرت "ضعف الترسانة العسكرية الإيرانية"، كما تبين من خلال الهياكل التي تركت في هذه الصواريخ أن جزءاً منها "لا يحمل رأساً حربياً متفجراً".

الرد الإيراني، الذي وصفه خبراء ومراقبون بـ"المحدود"، على الضربة الأمريكية تحول إلى نقمة شديدة على طهران، وأدخلها في أزمات متلاحقة، لم تخطر على بالها، لتجد نفسها في موقف الدفاع عن النفس؛ بعدما رفعت من سقف تهديداتها ضد الأمريكان وإنهاء وجودهم في المنطقة برمتها.

وأظهر الرد الإيراني انكسار قوة الردع الإيرانية، التي أطلقت تهديدات بسقف عالٍ جداً، قبل أن يخرج وزير الخارجية الإيراني معلناً أنه تم الثأر لمقتل سليماني، بعد القصف الصاروخي الذي أكدت واشنطن عدم تأثيره أو تسببه بإصابات.

قتلى الحشود

وحظي سليماني ومن قتلوا معه في الغارة الأمريكية بمراسم تشييع كبيرة في مدن العراق، وتكرر الأمر ذاته في إيران؛ إذ مر جثمانه في عديد المدن منها العاصمة طهران، قبل وصوله إلى المحطة الختامية، وهنا يدور الحديث حول "كرمان" جنوب شرقي البلاد.

وقتل أكثر من 50 شخصاً وأصيب ما يزيد  على 200 بعضهم في حالات حرجة، وذلك في التدافع الذي حصل الثلاثاء (7 يناير)، خلال مسيرة تشييع الجنرال الإيراني، التي عرفت هتافات تدعو لـ"الثأر" و"الانتقام" و"الموت لأمريكا".

تشييع سليماني

وتوقعت وسائل إعلام إيرانية بأن يرتفع عدد القتلى مع مرور الوقت خاصة في ظل إصابة بعض المشيعين بإصابات بالغة، وهو أجبر السلطات على تأجيل دفن سليماني بمسقط رأسه ساعات، في محاولة للسيطرة على تلك الحشود، والخروج بأقل الأضرار الممكنة.

إسقاط الطائرة الأوكرانية

وفي صبيحة اليوم الذي قصفت فيه إيران قواعد أمريكية بالعراق، سقطت طائرة أوكرانية، أقلعت من مطار "الخميني" بطهران إلى مطار بوريسبيل في العاصمة كييف، ثم اختفت عن شاشات الرادار بعد دقيقتين عندما بلغت ارتفاع ثمانية آلاف قدم، بحسب منظمة الطيران المدني الإيرانية.

وأسفر تحطُّم الطائرة، وهي من طراز "بوينغ 737"، عن مصرع جميع ركابها (176 شخصاً)؛ هم 82 إيرانياً، و63 كندياً، و11 أوكرانياً، و10 سويديين، وسبعة أفغان، وثلاثة ألمان، بالإضافة إلى طاقمها.

وتزامن سقوط الطائرة مع الرد الإيراني على مقتل سليماني، ما أثار شكوكاً لدى الأسرة الدولية حول إمكانية إسقاطها بصاروخ، قبل أن تتعزز تلك الفرضية بعد ساعات، عقب نشر مقاطع فيديو تظهر إصابة الطائرة المنكوبة بصاروخ وانفجارها.

وأكد الرئيس الأمريكي ترامب أن هناك "شيئاً فظيعاً" حدث للطائرة الأوكرانية، لتتصاعد الضغوط الدولية، خاصة تلك التي مارسها رئيس الوزراء الكندي جاستين ترودو، والرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي، الذي أعلن حصوله على "معلومات مهمة" بشأن الطائرة المنكوبة من المسؤولين الأمريكيين.

ورغم ذلك، استبعدت إيران، على لسان كبار مسؤوليها، سقوط الطائرة بصاروخ، وأصرت على روايتها بأن مشكلة تقنية فنية هي السبب، قبل أن تقر وتعترف القوات المسلحة الإيرانية بأن الطائرة أُسقطت بعد إصابتها بصاروخ عن طريق الخطأ؛ "نتيجة اقترابها من أحد المراكز الحساسة لحرس الثورة، بخطأ إنساني".

وبعد الاعتراف، طالب الرئيس الأوكراني ورئيس الحكومة الكندي بفتح تحقيق دولي شامل وشفاف ومستقل من أجل محاسبة المتسببين، فضلاً عن دفع التعويضات المالية لأهالي الضحايا.

وبناء على المستجدات الأخيرة، يرى مدير مركز دراسات الخليج في جامعة قطر محجوب الزويري، في حديثه لـ"الخليج أونلاين"، أن الحادث سيتسبب بإحراج كبير للرئيس الإيراني حسن روحاني ووزير خارجيته محمد جواد ظريف، بعد المعلومات الخاطئة التي كانوا يزوِّدون بها العالم حول أسباب سقوط الطائرة، فضلاً عن مسؤولية أخلاقية لطهران تتمثل بدفع التعويضات لأهالي الضحايا.

تظاهرات داخلية

وبعد إقرار الحرس الثوري الإيراني بمسؤوليته عن إسقاط الطائرة الأوكرانية، خرجت، مساء السبت (11 يناير)، تظاهرات طلابية أمام جامعة "أمير كبير" في طهران، وعدد آخر من المدن، وقدَّرتها وسائل إعلام إيرانية بنحو 700 شخص إلى ألف شخص.

وطالب المحتجون المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية، علي خامنئي، بالاستقالة والرحيل، وهتفوا: "النظام يرتكب الجرائم وخامنئي يبرر"، و"الموت للولي الفقيه"، و"قاتل وحكمه باطل".

ومزق المحتجون صوراً لخامنئي وسليماني، ما ينذر بأزمة جديدة للنظام الإيراني، الذي قمع احتجاجات اندلعت منتصف نوفمبر الماضي؛ اعتراضاً على قرار السلطات سعر البنزين بشكل مفاجئ بنسبة تصل إلى 200%.

ووصل عدد قتلى الاحتجاجات الماضية إلى نحو 1500 شخص، بحسب ما نقلته وكالة "رويترز "، عن مسؤولين بوزارة الداخلية الإيرانية، فيما ذكرت مفوضية حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، أنّ سبعة آلاف شخص على الأقل اعتقلوا في إيران منذ اندلاع الاحتجاجات.

وإضافة إلى الاحتجاجات الشعبية الداخلية، يواجه حلفاء النظام الإيراني في العراق ولبنان احتجاجات مماثلة، ما زاد من حجم الضغوط على طهران.

عقوبات أمريكية جديدة

فضّل ترامب إقرار حزمة جديدة من العقوبات الاقتصادية ضد طهران، بدلاً من رده عسكرياً على القصف الصاروخي الذي نفذه الحرس الثوري الإيراني، مؤكداً أن بلاده سوف تواصل سياسة "الضغط القصوى"، التي بدأها بعد الانسحاب من الاتفاق النووي.

وأعلن وزيرا الخارجية والخزانة الأمريكيان؛ مايك بومبيو وستيفن منوشين، في مؤتمر صحفي الجمعة (10 يناير)، فرض عقوبات على 8 مسؤولين إيرانيين رفيعي المستوى متهمين بزعزعة استقرار المنطقة، من بينهم قائد قوات الباسيج، ومسؤولون آخرون مرتبطون بالهجمات الأخيرة. كما شملت العقوبات 17 شركة إيرانية تختص بصناعة الحديد.

وتتهم الأسرة الدولية إيران بالوقوف خلف جميع التوترات التي شهدها الخليج العربي في الأشهر الماضية على غرار استهداف ناقلات نفط وإسقاط طائرات مسيرة، وقصف منشآت أرامكو النفطية السعودية، وغيرها من الأحداث.

وفي هذا الإطار، يقول الكاتب والمحلل السياسي عمر عياصرة لـ"الخليج أونلاين": إن جوهر الصراع الرئيسي بين الجانبين هو انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي (مايو 2018)، ثم الحصار الذي "يخنق إيران خنقاً استراتيجياً"، وهو ما ترفضه طهران جملة وتفصيلاً.

مكة المكرمة