"ثورة صندوق".. لماذا لفظ التونسيون الأحزاب التقليدية؟

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/gq9dzQ

مرشح مستقل وآخر بالسجن تأهلا للجولة الانتخابية الحاسمة

Linkedin
Google plus
whatsapp
الخميس، 26-09-2019 الساعة 22:04

مثلت نتائج الدور الأول من الانتخابات الرئاسية التونسية صدمة للأوساط السياسية باختلاف توجهاتها الفكرية، ومفاجأة غير سارة للأحزاب بشقيها الحاكم والمعارض؛ بعد أن خيبت انتظاراتهم، وانتهت بفوز مرشحين من خارج توقعات الصندوق السياسي، أحدهما أستاذ جامعي غير مسنود من أي حزب، والثاني رجل أعمال حديث العهد بالسياسة، ومسجون بتهم الفساد وتبييض الأموال. 

أظهرت هذه النتائج رغبة الناخبين التونسيين في القطيعة مع المنظومة السياسية والإعلامية السائدة، حيث لم ينجح عبد الفتاح مورو، مرشح حركة النهضة ذات الثقل السياسي والشريكة الأولى في الحكم، في الحصول على أصوات تؤهله للجولة الثانية، في مفاجأة لم تكن متوقعة، خاصة أنه كان من أبرز المرشحين للفوز، وحصل فقط على نسبة 12.9% من الأصوات، ما وضعه في المرتبة الثالثة.

وحلّ رئيس الحكومة الحالي يوسف الشاهد عن حزب "تحيا تونس"، في المرتبة الخامسة بنسبة أصوات لم تتجاوز 7.4%، وبرر الشاهد "السقطة" الانتخابية بما وصفه بتشتت الصف الديمقراطي.

وأقر النائب عن حركة النهضة سليم بسباس، في تصريحه لـ"الخليج أونلاين"، بأن منظومة الحكم لم تستوعب متطلبات الشعب، وأن المكتسبات التي تحققت منذ عام 2011، مهما كانت مهمة، فهي لم تكن في مستوى تطلعاته، باعتبار الانتظارات الكبيرة من الثورة ومن التغيير، وقال إن جزءاً من الفشل يمكن تفسيره بتشتت الأصوات بين المترشحين من العائلة الفكرية الواحدة.

لا للمنظومة السياسية والإعلامية

ويجمع المحللون السياسيون والمراقبون للشأن التونسي على أن ما شهدته تونس في رابع محطة انتخابية منذ ثورة يناير 2011، يعد بمنزلة التصويت الاحتجاجي والعقابي على الواقع الاقتصادي المتردّي والوضع الاجتماعي المتأزم، إلى جانب المشهد السياسي المتشظي، وهو ما أنتج تراجع النخبة السياسية التقليدية، حُكماً ومعارضةً، رغم القدرات التنظيمية والأذرع الإعلامية التي تسندها.

هذا ما أكده بلال الحمروني (32 عاماً)، في تصريحه لـ"الخليج أونلاين"، الذي شدد فيه على أن أغلب المرشحين الذين تسابقوا على حكم البلاد هم في الحقيقة لم يخرجوا منه منذ انتخابات 2011 وانتخابات 2014، وتجاهلوا الإنصات إلى مشاغلهم الحقيقية، وانشغلوا في معالجة الانقسامات السياسية والصراعات الحزبية، وكيل الاتهامات فيما بينهم، في الوقت الذي ارتفعت فيه نسب البطالة، وارتفعت الأسعار، وأثقلت الضرائب كاهل الشعب، حتى إن الطبقة المتوسطة تآكلت واختفت تماماً.

انتخابات تونس

من جانبه قال حمزة حرشاني (28 عاماً)، إنه قرر منذ البداية مقاطعة الانتخابات، لكنه عدل عن ذلك حين رأى وجوهاً جديدة من خارج منظومة الحكم ترشحت، فقرر حينها التصويت لأي شخص لا يمثل حزباً سياسياً، ولم "يتورط" سابقاً في دعم الحكومة، أو الحضور في قنوات تلفزية تتعمد تمييع قضايا الشعب والشباب (عقاباً لكل من مروا على الحكم منذ الثورة ولم يغيروا من الواقع شيئاً). 

واعتبر الحرشاني في حديثه لـ"الخليج أونلاين أن "السيستام" (منظومة الحكم) يدعي محاربة الفساد، وهو متورط في التستر على الفاسدين، وفي تصفية حساباته السياسية مع معارضيه عبر حرب انتقائية ضد ما يروج له على أنه فساد. 

أما يونس الفارحي (42 عاماً)، فيؤكد لـ"الخليج أونلاين" أنه لن يثق مجدداً في الأحزاب التونسية وممثليهم؛ لأنهم لم يستغلوا الفرص التي أتاحها لهم الشعب خلال الانتخابات الماضية، وتسببوا في تراجع كل المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية، ولم يفوا بوعودهم في تحسين مستوى العيش والقضاء على البطالة، وتحقيق العدالة الاجتماعية بين مختلف الجهات، كما أنهم استثمروا جميعهم في ملف الاغتيالات السياسية، ولم يكشفوا بعد الحقيقة للشعب.

وشدد على أنه لن يصوت لصالح القوائم الحزبية خلال الانتخابات التشريعية المقبلة، بل سيمنح صوته لقائمة مستقلة يستجيب برنامجها لانتظاراته. 

ثورة صندوق

هذا التحول في مزاج الشارع التونسي تجاه المشهد السياسي الراهن بدا جلياً من خلال نسب التصويت للمرشحين المستقلين ومنافسيهم من الأحزاب، التي وصفها المختص في علم الاجتماع السياسي، سامي نصر، بـ"ثورة الصندوق"، وهي من أرقى الثورات التي تقوم بها الشعوب، بعد أن لفظ الأحزاب التقليدية. 

ولفت نصر في تصريحه لـ"الخليج أونلاين"، إلى أن هذه الانتخابات تصح تسميتها بـ"الانتخابات الانتقامية"، التي مارسها التونسيون كنوعٍ من العقاب لكافة الطبقة السياسية بسلطتها ومعارضتها؛ لأنها لم تكن في مستوى انتظاراته، وخيبت آماله بعد أن تنكرت جميعها لوعودها الانتخابية، وتركته في الهامش. 

وأوضح أن الشعب قاد انتخابات انتقامية في العام 2011، إثر اندلاع الثورة، وعاقب النظام السابق ورموزه، لينتخب كل من ناضل ضده، وأفرزت نتائج الانتخابات آنذاك صعود كل معارضي نظام بن علي السابق؛ على غرار حركة النهضة، والمؤتمر من أجل الجمهورية، والتكتل، وبعض أحزاب اليسار.

رئاسيات تونس

المختص في علم الاجتماع السياسي تابع قائلاً: "الشعب تجاوز في عام 2014 فعل الانتقام ليمارس انتخابات عقلانية، تميزت بحملات شيطنة قادها كل من حركة النهضة الإسلامية ونداء تونس العلماني، فانتخب التونسيون النهضة لأنها شيطنت النداء، والعكس بالعكس بالنسبة لقواعد النداء، غير أن التوافق الذي حصل بينهما لاحقاً على مستوى القيادة أثار استياء قواعدهما، ليعود الشعب في 2019 إلى الانتقام". 

تغيرات جذرية

وبهذا دخل المشهد السياسي التونسي طور تغيرات جذرية، يتجه فيها إلى إعادة تأسيس نفسه على قواعد جديدة قد تكون مختلفة كليّاً عن السابق، ويكون فيها الشعب اللاعب الرئيسي الذي سيحدد التوجهات الجديدة للأحزاب التي مُنيت بخسارة قاسية لم تكن متوقعة. 

ويرجع المحلل السياسي محمد بوعود هذه النتائج التي وُصفت بالصفعة القوية للأحزاب الكبرى في البلاد إلى سنوات الفشل المتتالية، التي جرّب خلالها التونسيون تعاطي الأحزاب من مختلف العائلات الفكرية مع قضاياه، غير أنها فشلت في الاستجابة لتطلعاته. 

وأضاف بوعود في تصريحه لـ"الخليج أونلاين"، أن من الأسباب التي جعلت الشعب يعاقب الطبقة السياسية حكماً ومعارضة؛ القصف الإعلامي المركز الذي خلق نوعاً من الملل والقرف لدى المواطن من كل الأحزاب ومن كل ممثلي السلطة، حتى بات لديه شبه قناعة بأن هؤلاء فقط يقولون ما لا يفعلون، فضلاً عن الكم الهائل لملفات الفساد، التي لم يعد من الممكن إخفاؤها عن الشعب.

وتلتقي كل القراءات لنتائج الانتخابات وأسبابها في أن غالبية الناخبين يبحثون عن إرساء منظومة جديدة بالكامل، غير موجودة لا في النظام القديم ولا في الحكم ولا في المعارضة. 

مكة المكرمة