جذور الانقسام الفلسطيني.. مقاومة "حماس" ومفاوضات "فتح"

اتفاقية "أوسلو" أظهرت علانية الخلاف بين الحركتين

اتفاقية "أوسلو" أظهرت علانية الخلاف بين الحركتين

Linkedin
Google plus
whatsapp
الجمعة، 13-10-2017 الساعة 22:33


تحاول السياسة أن تفرض نفسها لتُبطل قوانين الرياضيات، فالخطان الفلسطينيان المتوازيان "حماس" وفتح" اقتربا من اللقاء في نقطة الحل السياسي دون الإيديولوجية، وهو ما تُرجم في اتفاق المصالحة الأخير المُبرم في القاهرة.

التقارب بكل تأكيد يأتي في محاولة لرأب الصدع وتوحيد ثوب الوطن الفلسطيني الذي أبلاه الانقسام على مدار 10 أعوام متتالية، لكنه في المقابل أبعد ما يكون عن الاتفاق في المبادئ والرؤى السياسية.

فحركة "فتح" التي انطلقت بالكفاح المسلح بدأت السير نحو السلطة لتجد نفسها أمام خيار المفاوضات والتسوية مع إسرائيل، أما "حماس" فتعتمد أساس المقاومة بأنواعها كافة ضد الاحتلال.

- فتح.. من التحرير للسلطة

في ستينيات القرن الماضي، بدأت فتح بإرساء قواعدها في الجزائر وسوريا، وجهّزت جناحها العسكري الذي كان يحمل اسم "العاصفة"، وتوسعت إلى الضفة الغربية وغزة والشتات، وفي عام 1965 بدأت الحركة كفاحها المسلح ضد إسرائيل، واستمرت في نشاطها العسكري على الرغم من الطوق الذي كانت تفرضه عليها الدول المجاورة لإسرائيل.

وعلى مدار سنوات طويلة من التاريخ الوطني لحركة التحرير، اعتمدت مبادئ بُنيت على أن فلسطين جزء من الوطن العربي، والشعب الفلسطيني جزء من الأمة العربية، وكفاحه جزء من كفاحها، وأن معركة تحرير فلسطين واجب قومي تسهم فيه الأمة العربية بجميع إمكاناتها وطاقاتها المادية والمعنوية، وكانت تعتبر "الصهيونية" حركة عنصرية استعمارية عدوانية في الفكر والأهداف والتنظيم والأسلوب.

قبل عام 1987 كانت فتح شبه متفرّدة بالعمل العسكري والسياسي ضد إسرائيل، لكن بعد تاريخ طويل من العمل الكفاحي المسلّح وصلت فتح إلى توقيع اتفاقية "أوسلو" وقررت السير في خط المفاوضات، إذ أدخلت تعديلات على ميثاقها الوطني، وحذفت البنود المتعلقة بإزالة إسرائيل من الوجود.

كما أن الاتفاق عدّل في ميثاق الحركة، إذ أعلنت التزامها بالعمل السلمي لحل الصراع بين الجانبين ونبذ "الإرهاب"، وإلزام جميع عناصر منظمة التحرير بذلك، وجاء ذلك في الخطاب الذي أرسله عرفات إلى إسحق رابين رئيس حكومة الاحتلال قبل توقيع الاتفاقية التي أكد فيها "أن بنود الميثاق الفلسطيني التي تنكر حق إسرائيل في الوجود (..) ولم تعد سارية المفعول".

- حماس الإسلامية

لعل الناظر إلى تسمية حركة المقاومة الإسلامية (حماس) التي أُسست في ديسمبر سنة 1987، يمكنه أن يخلص إلى أن إيديولوجيتها التي وجدت من أجلها تتمثل بتحرير فلسطين على أساس المقاومة بنوعيها السلمية والمسلحة، وفق نهج إسلامي يرسي قواعد دولة محُرّرة.

حماس التي بدأت كمؤسسة خيرية ودينية منذ الستينيات ولغاية الثمانينيات، اعتمدت في تأسيسها 3 جوانب رئيسية؛ السياسي ممثلاً بمكتب يرأسه إسماعيل هنية حالياً، والعسكري ممثلاً بكتائب الشهيد عز الدين القسام، والديني الذي يمثله مجلس شورى الحركة.

وتتخذ الحركة من جملة "الإسلام هو الحل" شعاراً لها، وتعتبر صراعها مع الاحتلال الإسرائيلي "صراع وجود وليس صراع حدود"، كما أنها لا تعترف بوجود "إسرائيل" أو أي حق لليهود في فلسطين، بل تعمل على طردهم، وتنظر إليها على أنها جزء من مشروع "استعماري غربي صهيوني" يهدف إلى تهجير الفلسطينيين من ديارهم وتمزيق وحدة العالم العربي.

الحركة الإسلامية التي أسسها وترأسها الشيخ المُقعد أحمد ياسين (اغتالته إسرائيل سنة 2004)، تعتقد بأن الجهاد بأنواعه وأشكاله المختلفة هو السبيل لتحرير التراب الفلسطيني، وتعتبر أن "مفاوضات السلام مع الإسرائيليين مضيعة للوقت ووسيلة للتفريط في الحقوق".

لكنها لا تمانع في القبول "مؤقتاً وعلى سبيل الهدنة (مع إسرائيل)" بدولة فلسطينية على حدود الرابع من حزيران 1967، وهو ما أقرّته في ميثاقها الذي عدّلته في مايو الماضي، لكن دون الاعتراف لليهود الوافدين بأي حق لهم في فلسطين التاريخية، التي تمتد من رفح جنوباً إلى رأس الناقورة شمالاً.

اقرأ أيضاً:

أسرار المصالحة الفلسطينية.. هل بدأت تسوية القضية بـ"صفقة القرن"؟

- جذور الصراع

على الرغم من أن حركة فتح تكبر حماس بـ24 عاماً من ناحية التأسيس، فإن الخلاف بدأ بين الحركتين في مرحلة مبكِّرة من ولادة الأولى، فكانت اتفاقية أوسلو 1993، مربط الفرس في تاريخ اختلاف الرؤى بين الحركتين اللتيْن تؤمنان بتحرير فلسطين لكنهما تختلفان في الفكر والنهج.

اتفاقية "أوسلو"، أو ما عُرف باتفاق إعلان المبادئ، نص في أحد بنوده على "نبذ منظمة التحرير الفلسطينية (طرف الاتفاق وتمثلها فتح) المقاومة المُسلّحة وتمنع أي مقاومة ضد إسرائيل، وأن تنتهج مبدأ المفاوضات ومسار التسوية السلمية"، لكن هذا يتعارض تماماً مع حماس ومبادئها.

وتزخر نصوص "أوسلو" بـ"أهمية العيش الآمن والتعايش السلمي بين الطرفين (إسرائيل والسلطة الفلسطينية)"، وقد نصّت على أنه "آن الأوان لوضع حدٍّ لعقود من المواجهات والصراعات والاعتراف المتبادل بالحقوق السياسية والشرعية، لتحقيق كرامة وأمن متبادلين".

هذه النصوص لم ترُق لحماس التي تعتقد بخطأ المسيرة السلمية التي سار فيها العرب بعد مؤتمر مدريد عام 1991، وتعتبر "أوسلو"، ومن قبله خطابات الاعتراف المتبادل ثم تغيير ميثاق المنظمة وحذف الجمل والعبارات الداعية إلى القضاء على الاحتلال، "تفريطاً واعترافاً لإسرائيل بحقها في الوجود داخل فلسطين، لذا وجبت مقاومته".

بموجب "أوسلو" طرأ على ميثاق السلطة الفلسطينية التي كانت تمثلها فتح، تغيرات تحدّثت عن نبذها "الإرهاب وغيره من أعمال العنف"، بل قالت إنها "ستفرض سلطتها على جميع الجهات والأفراد المنتمين للمنظمة، بهدف ضمان التزامهم ومع الخروقات ومعاقبة المنتهكين".

وكون "حماس" فصيلاً فلسطينياً خارج منظمة التحرير الفلسطيني، فإنه بصورة ما وجدت أصبع السلطة موجهاً إليها فيما يتعلق بالتغيرات في ميثاق المنظمة الذي استبعد ألفاظ "المقاومة، وتحرير فلسطين، ومحاربة إسرائيل"، بل إنه اعتبر البنود التي تنفي "حق إسرائيل في الوجود لم تعد سارية المفعول".

وفي المرحلة التي بدأت فيها فتح (السلطة) طريق التسوية مع إسرائيل، كانت حماس تطبّق معتقداتها بأن الجهاد بكل أشكاله وأنواعه هو السبيل لتحرير التراب الفلسطيني، لكن هذا يتنافى مع اتفاقية "أوسلو" والتزامات السلطة تجاه إسرائيل، فبدأ الخلاف يخرج من دائرة الإيديولوجية إلى الواقع.

وترى حماس أن ما يسمى بالحلول السلمية والمؤتمرات الدولية لحل القضية الفلسطينية تتعارض مع عقيدتها، فـ"التفريط في أي جزء من فلسطين تفريط في جزء من الدين، كما أن وطنية الحركة جزء من دينها، على ذلك تربى أفرادها، ولرفع راية الله فوق وطنهم يجاهدون"، كما جاء في ميثاقها.

بدأ تطبيق حماس الفعلي لنهجها باستخدام السلاح ضد إسرائيل في انتفاضة 1987، ولكن بالاعتماد على السلاح الخفيف والسكين وعبوات "المولوتوف الحارقة"، لكن الوضع تغيّر كلياً في انتفاضة الأقصى سنة 2000، إذ بدأت حماس بإطلاق الصواريخ، وتطوير سلاحها، وتنفيذ العمليات داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة.

ومن باب التزام السلطة (فتح) ببنود "أوسلو" كطرف ثانٍ فيه، بدأت تلاحق عناصر حماس التي ازدادت بعد اشتعال فتيل انتفاضة الأقصى (الثانية)، حتى إن رئيس السلطة محمود عباس جاهَرَ رسمياً باتباعه سياسة "التنسيق الأمني"، وقال إنه "مقدّس".

اقرأ أيضاً:

"طريق الحرير".. هل يكمل مشواره نحو غزة وينعش اقتصادها المتدهور؟

- من المعارضة للحكم

استمرت حماس في مقاومتها لإسرائيل (وما زالت) بعد انتفاضة 2000، التي شهدت تغيراً بعد 4 أعوام تقريباً تخللها وفاة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات سنة 2003، فخلفه أبو مازن، واغتالت إسرائيل مؤسس حماس أحمد ياسين في 2004، فجاء عبد العزيز الرنتيسي لزعامة الحركة.

الرنتيسي الذي كان يؤمن بأداة "العمليات الجهادية ضد الاحتلال الإسرائيلي داخل الخط الأخضر"، أحرج بذلك سلطة الرئيس أبو مازن أمام "إسرائيل"، التي شددت من قبضتها الأمنية تحت إطار "التنسيق الأمني"، لمنع أي نشاط مسلّح، سواء في الضفة الغربية المحتلة أو قطاع غزة.

مطلع العام 2006، وتحديداً في 25 يناير، دخلت حماس العمل السياسي الفلسطيني من أوسع أبوابه، بعد مشاركتها في الانتخابات البرلمانية الفلسطينية للمرة الأولى في تاريخها، تحت تسمية "حزب التغيير والإصلاح"، وفازت بأغلبية 76 مقعداً من أصل 132 في المجلس التشريعي الفلسطيني، مقابل 43 مقعداً لحركة فتح الممثلة لمنظمة التحرير الفلسطينية.

هذه كانت نقطة توسع الخلاف بين الحركتين، إذ تحوّلت حماس من المعارضة إلى السلطة، لكنها قوبلت برفض من فتح، وعدم مشاركة عناصر الأجهزة التابعة للسلطة في أداء مهامها بغزة، وهو ما دفع وزير الداخلية في حكومة حماس آنذاك سعيد صيام إلى تشكيل ما عُرفت بـ"القوة التنفيذية".

هذا الأمر زاد مشهد الخلاف تعقيداً، لا سيما بعد إصدار عباس 3 مراسيم، أقال بموجبها رئيس الوزراء إسماعيل هنية وحكومته، وأعلن حالة الطوارئ في أراضي السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، وأمر بتشكيل حكومة تنفذ حالة الطوارئ.

رفضت حماس الامتثال لمراسيم عباس باعتبارها "حكومة شرعية منتخبة عبر صناديق الاقتراع"، وبدأ الاقتتال الداخلي الذي انتهى بسيطرة الحركة على مقار السلطة والدوائر الحكومية والمعابر في القطاع، فاستمرت بحكومتها التي أدارت فيها غزة منذ سنة 2007، في حين أدارت حكومة سلام فياض آنذاك الوضع في الضفة، فأصبحت فلسطين بحكومتين.

- رأب الصدع

على مدار سنوات الانقسام العشر، حاولت أطراف عربية ودولية رأب الصدع بين الحركتين اللتيْن ترزحان تحت الاحتلال الإسرائيلي، فكانت العديد من المحطات التي فاقت عشر محاولات، لكنها باءت بالفشل، ولم تنجح واحدة منها في حل الخلاف الفلسطيني وتحقيق المصالحة.

الاقتتال الداخلي لم يرُق لنحو 5 آلاف أسير داخل السجون الإسرائيلية، فقرر قادة 5 فصائل فلسطينية (من بينها فتح وحماس) توقيع وثيقة توافق وطني، في مايو 2006، أطلق عليها "وثيقة الأسرى"، بقصد توحيد الفصائل وتشكيل حكومة وحدة، فلاقت تأييداً من عباس غير أنه طالب بأن توافق حماس صراحة على ذلك، لكن الأخيرة رفضتها لأنها ترى فيها اعترافاً صريحاً بإسرائيل وتخلّياً عن المقاومة المسلحة.

لم تنجح المحاولة الأولى، فكانت الثانية التي لم تنجح أيضاً في السعودية، إذ تم التوقيع على اتفاقية وحدة وطنية جديدة بمكة المكرمة في 8 فبراير 2007، وبعد ثمانية أيام من المحادثات وافقت الأطراف الفلسطينية على وقف الاشتباكات في غزة وتشكيل حكومة وحدة وطنية.

لكن ذلك لم يتحقق، وهو ما جدد الجهود في 23 مارس 2008، ولكن هذه المرة في العاصمة اليمنية صنعاء، إذ وقعت الحركتان اتفاقاً للمصالحة، ينص على عودة الوضع إلى ما قبل 2007 (سيطرة حماس على غزة)، وهذا لم يتحقق أيضاً، فاستمر الخلاف واستمرت معه المحاولات.

وتجددت الوساطات العربية بإنهاء الانقسام بعد الحرب الإسرائيلية على غزة سنة 2008، بجولة جديدة من المحادثات في القاهرة سنة 2009، غير أنها توقفت بسبب "ظروف غير ملائمة"، لكنها عادت في فبراير 2010، حيث أُجريت محادثات على عدة جولات لكنها فشلت.

اقرأ أيضاً:

الفلسطينيون يترقبون.. ماذا بعد توقيع اتفاق المصالحة؟

- اتفاق القاهرة

وفي 27 أبريل 2011 أعلن ممثلو الفصيلين اتفاقاً بوساطة من مصر لتشكيل حكومة مؤقتة مشتركة مع إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية، وبعدها بشهر أقيم حفل رسمي لتوقيع الاتفاق بين عباس ورئيس المكتب السياسي لحماس آنذاك، خالد مشعل، ونص على تشكيل حكومة انتقالية للتكنوقراط للتحضير للانتخابات التشريعية والرئاسية للسلطة الوطنية الفلسطينية في سنة واحدة، لكن العمل بالاتفاق تعلّق في يونيو 2011 بسبب الخلافات حول هوية رئيس الوزراء.

وفي مايو 2012 وقعت حماس وفتح اتفاقاً آخر في القاهرة، يقضي بتنفيذ الانتخابات وتسجيل الناخبين وتشكيل حكومة مؤقتة، وذلك استناداً لإعلان الدوحة الذي جرى التوصل إليه بين الطرفين الفلسطينيين في فبراير من نفس العام، ونصّ على تفعيل منظمة التحرير وإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية.

وفي 23 أبريل 2014 وقعت فتح وحماس اتفاقاً جديداً للمصالحة، عُرف بـ"اتفاق الشاطئ"، ينص على تشكيل حكومة وحدة في غضون خمسة أسابيع، تليها الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في غضون 6 أشهر، وفي 2 يونيو 2014 أدّت حكومة الوحدة التكنوقراطية الجديدة اليمين برئاسة رامي الحمد الله.

استمر الحال على ما هو عليه؛ ومنذ ذلك التاريخ لم يتحقق أي شيء على الواقع، فبقي قطاع غزة بمعزل عن مسؤولية حكومة الحمد الله التي تذرعت بعدم تمكين حماس لها من أداء مهامها فيما أُطلق عليه "حكومة الظل"، ورداً على ذلك شكّلت حماس "لجنة إدارية"، قالت إنها ستقوم بإدارة غزة في ظل تخلّي حكومة الوفاق عن مسؤوليتها تجاه القطاع المحاصر منذ 10 سنوات.

المرة الأخيرة التي يبدو أنها الأمل وحجر الأساس في جهود المصالحة، كما يقول الفلسطينيون، كانت نهاية سبتمبر 2017، إذ دُعيت الأطراف إلى مصر مجدداً واتفقت على إنهاء الانقسام على أساس اتفاق القاهرة 2011، قبل أن تعلن حماس حل اللجنة الإدارية التي فرض عباس بموجب تشكيلها سلسلة عقوبات على غزة منتصف العام الجاري.

إعلان حماس حل اللجنة قوبل بترحيب مصري وفتحاوي، وعلى إثره أرسل أبو مازن حكومة الحمد الله إلى غزة للمباشرة في تسلم مهامها، قبل العودة إلى القاهرة لإجراء محادثات نهائية، انتهت بتوقيع اتفاق بين الحركتين، وهو ما اعتبرته مصر نهاية الخلاف الفلسطيني الفلسطيني.

مكة المكرمة