حدود غزة.. مسرح مُشتعل لعروض الوسائل القتالية البدائية في مواجهة الاحتلال

وحدة "السهام النارية" دخلت الخدمة الجمعة الماضية..

Linkedin
Google plus
whatsapp
السبت، 27-10-2018 الساعة 00:16

"كلما اشتدت حلقات الحصار، وتصاعدت حدة الهجوم الإسرائيلي، قَوِيَ عود المقاومة، وتنوعت أساليبها، وتطورت أشكالها على الأرض"، هذه هي القاعدة الرئيسة التي يسير عليها الشباب الفلسطيني الثائر منذ الـ30 من شهر مارس الماضي، وباتت تتحكم بقوة في قواعد اشتباكه ومقاومته على حدود قطاع غزة.

جميع المراهنات التي خرجت قبل أشهر، وتوقعت انطفاء شُعلة المواجهات الساخنة التي تدور في النقاط الخمس على حدود غزة، وخفوق بريق "مسيرات العودة الكبرى" بعد أيام من انطلاقها، سقطت أمام التطور الدراماتيكي الحاصل على الحدود والذي فاق التوقعات والتنبؤات، ونجح في نقل زر التحكم إلى يد أهل غزة لأول مرة.

وحدات "الكوشوك" و"البالونات والأطباق الحارقة" و"الإرباك الليلي"، كلها وسائل قتالية ابتدعها شباب غزة لمواجهة جيش الاحتلال، والتعبير عن غضبهم من استمرار الحصار، ومحاولة فكه بوسائل مقاومتهم البدائية المستوحاة من وسائل قتال قديمة جدًا، لكنها حققت نتائج ملموسة أجبرت "إسرائيل" على طَرق كل الأبواب لإيقاف "غضب غزة" بأي ثمن كان قبل فوات الأوان.

الحدود الشرقية لمدينة رفح جنوبي قطاع غزة، شهدت يوم الجمعة الماضي، ولأول مرة، أسلوباً جديداً من المقاومة يضاف إلى أساليبها السابقة التي أبدع فيها الفلسطينيون، وذلك بإعلان انضمام وحدة جديدة سميت وحدة "السهام النارية"، لتزيد من حالة التوتر التي يعيشها جيش الاحتلال على الحدود، وتفتح باب الخيارات الصعبة للتعامل مع المقاومة في غزة.

 القوة الضاربة

الوحدة تعتمد على قوس خشبية مُنحنية، وسهم حاد توضع على رأسه قطعة من القماش مبللة بمواد سريعة الاشتعال، وتُطلَق مباشرة تجاه جنود الاحتلال الموجودين قرب الحدود، أو المناطق الزراعية، لتصيب الهدف بشكل مباشر وسريع، ما يُحدث إصابات بالغة في صفوف الجيش الإسرائيلي، ويحرق مناطق واسعة بسرعة فائقة.

قاسم زعرب، أحد قادة وحدة "السهام النارية"، في مدينة رفح جنوبي قطاع غزة، كشف في تصريحات لـ"الخليج أونلاين"، عن تفاصيل عمل هذه الوحدة وتأثيرها على أرض الميدان، وكذلك التطورات التي ستضاف إليها خلال المرحلة المقبلة لتصبح "القوة الضاربة".

وأكد "زعرب" أن هذه الوحدة بدأ العمل بها، أول مرة، يوم الجمعة الماضي، الذي أُطلق عليه اسم "جمعة انتفاضة القدس"، موضحاً أن الوحدة تنشط حالياً في مدينة رفح فقط، وستعمل خلال شهر في مناطق أخرى بوسط وشمالي القطاع، وأن عدد عناصرها عشرة، وجميعهم يتمتعون بقدرة كبيرة على التركيز والصبر والقنص بدقة متناهية.

وتابع: "بإمكان هذا السهم أن يُصيب هدفه بدقة كبيرة وبسرعة عالية، ولا يمكن أن يرصده جيش الاحتلال؛ نظراً إلى سرعته وصغر حجمه؛ لذلك سيكون له مفعول قوي خلال الأيام المقبلة، بعد إدخال بعض التعديلات والتطوير على طريقه عمله، التي ستصيب الاحتلال بالصدمة والعجز"، على حد قوله.

وعن تفاصيل تلك التعديلات، كشف "زعرب" لـ"الخليج أونلاين"، أن تطوير الوحدة سيشمل أولاً "السهم"؛ بوضع قِطع قماش أكثر اشتعالاً وأكبر حجماً على رأسه؛ وذلك لحرق أكبر قدر من الأماكن والمواقع العسكرية الإسرائيلية، إضافة إلى تركيب قنابل صوتية وضوئية على السهام وإطلاقها تجاه الجنود والمستوطنات المحاذية للقطاع، بهدف إدخال الرعب والقلق في نفوسهم، وهناك تطوير ثانٍ سيدخل على القاعدة والقوس، لجعلهما أكثر متانة وتحمُّلاً للضغط.

وتابع: "سيتم كذلك ضم العشرات من الشبان إلى الوحدة خلال الأسابيع المقبلة، ضمن شروط ومواصفات معينة، وتدريبهم على كيفية التعامل مع القوس والأسهم وإصابة الأهداف، في حين سيكون هناك مخطط لإطلاق العشرات من الأسهم المشتعلة دفعة واحدة على جنود الاحتلال بمناطق التماس والمواجهات على حدود غزة، وذلك سيكون المفاجأة الكبرى".

وذكر زعرب أن وحدة "السهام النارية" جزء من أساليب المقاومة البدائية التي ابتدعها وطوَّرها شباب غزة منذ الـ30 من مارس الماضي (تاريخ انطلاق مسيرات العودة)، ومستوحاة من المعارك ووسائل القتال التي استُخدمت منذ آلاف السنين، والهدف هو مواجهة ومقارعة الاحتلال وجيشه.

ودخلت وحدة "السهام النارية" الخدمة رسمياً في مسيرات العودة وكسر الحصار على حدود غزة، لتضاف إلى عدة وحدات ظهرت منذ بداية مسيرات العودة؛ وأهمها وحدة "الإرباك الليلي" و"وحدة الكوشوك"، ووحدة "الطائرات والبالونات الحارقة"، ووحدة "قصّ السلك"، ووحدة "المساندة"، وغيرها من الوحدات والأساليب المبتكرة التي تخدم الهدف نفسه.

وحدة أقلقت جيش "إسرائيل"

"تطوُّر وسائل المقاومة على حدود قطاع غزة، وإدخال وحدات جديدة تضاف إلى سابقاتها المؤثرة والقوية، يؤكدان أن شبان غزة باتوا يسيطرون بكل قوة على الوضع الميداني، وأن مفتاح التحكم في القرارات السياسية وحتى العسكرية أصبح في يدهم، وهذا يحدث لأول مرة"، يقول المختص والخبير في الشأن الإسرائيلي محمد مصلح، لـ"الخليج أونلاين".

ويضيف مصلح: "إدخال وحدة جديدة إلى مسيرات العودة الكبرى، وهي وحدة السهام النارية، سيسهم بشكل كبير في تطور أساليب المقاومة ومواجهة قوات الاحتلال، وهذا الأمر سيكون له تأثير عكسي وسلبي على الجيش الإسرائيلي، الذي يتخبط في قراراته بالتعامل مع مسيرات العودة".

ويشير الخبير في الشأن الإسرائيلي إلى أن "إسرائيل" تدق الآن كل الأبواب العربية والدولية؛ لإقناع المقاومة وحركة "حماس" في قطاع غزة بإيقاف مسيرات العودة الكبرى، وهذا دليل واضح على مدى تأثير تلك المسيرات والمواجهات التي أشعلت الحدود منذ أكثر من ستة أشهر، وكشفت حجم الانقسام والتخبط داخل الأوساط السياسية الإسرائيلية.

وبسؤال "الخليج أونلاين" عن إمكانية انتقال المواجهة من حدود غزة، بأساليبها المتنوعة والبدائية، إلى الضفة والقدس، قال مصلح: "الأمر وارد وليس مستحيلاً حدوثه، رغم تحكُّم جيش الاحتلال بقوة في كل مفاصل الضفة والقدس، ولكن دائماً ما يبقى التنسيق الأمني هو الحجر الذي يُعجز المقاومة ويكتِّفها عن ممارسة دورها".

ويدور حديثٌ الآن عن قلق إسرائيلي كبير من انتقال وسائل المقاومة التي تُستخدم في غزة ضمن فعاليات "مسيرات العودة الكبرى" إلى الضفة والقدس، بعد كشف النقاب عن سقوط بالونات حارقة وسط "تل أبيب"، أُطلقت من الضفة والقدس، لأول مرة.

وقالت صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية، إنه عُثر على بالونات محمّلة بمواد مشتعلة في منطقة "شفيلا" الساحلية (وسط فلسطين المحتلة عام 48)، وبالونات مشتعلة أخرى في مستوطنة "موديعين" قرب رام الله (شمالي القدس المحتلة)، و"نوف أيالون" قرب مدينة الرملة (وسط)، فضلاً عن كيبوتس "هيفيتز حاييم" قرب مستوطنة "كفار سابا" (وسط)، و"جفعات برينر" (جنوب).

وبيّنت الصحيفة أن تقديرات الأجهزة الأمنية الإسرائيلية تشير إلى أن كل البالونات التي وصلت إلى منطقة الوسط والمركز لم تنطلق من قطاع غزة، ونقلت عن مصدر أمني إسرائيلي قوله: إن "الاعتقاد هو أن البالونات أُطلقت من وسط البلاد (فلسطين المحتلة)، وأن هناك من ينسخ تجربة قطاع غزة تضامناً مع أهاليه".

وكشفت أن أجهزة الأمن الإسرائيلية تتعاون حالياً وتركز على العمل الاستخباراتي السري، لتحديد الأشخاص المشتبه بهم في إطلاق البالونات الحارقة، ومعرفة من أين تأتي هذه البالونات، التي تشكل خطراً كبيراً على "قلب إسرائيل".

وتتواصل التظاهرات على الحدود الشرقية لقطاع غزة، التي شهدت تصعيداً كبيراً خلال الأيام الماضية، تمثَّل باستمرار التظاهرات ليلاً ونهاراً، وتمكنت الوحدات المختلفة من إحداث حالة من البلبلة والقلق في صفوف الجيش الإسرائيلي، الذي عجز حتى اللحظة عن مواجهة هذه الوحدات المختلفة.

واستشهد في هذه المسيرات، التي تهدف إلى رفع الحصار عن غزة وعودة اللاجئين لأراضيهم، أكثر من 200 فلسطيني، وأصيب الآلاف، وفق وزارة الصحة الفلسطينية.

مكة المكرمة