حكايات الاعتقال والعذاب في "سجون الأسد" تروى بغصّة أصحابها

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/GYx7Vq

رسام سوري وثق تجربته في سجون نظام الأسد (أرشيفية)

Linkedin
Google plus
whatsapp
الأحد، 07-04-2019 الساعة 09:30

ما زالت قضية المعتقلين في "سجون الأسد" ومعرفة مصيرهم تشكل الشغل الشاغل للسواد الأعظم من الأسر السورية، التي ما انفكت تُمني النفس التي تعيش على أمل في لقاء ابن أو أخ أو زوج أو قريب بعد عدة سنوات من التفريق القسري، الذي فرضته قوات النظام على شعب تجرأ ذات يوم وطالب بحقوقه في حياة حرة كريمة.

وتشير مصادر حقوقية ومنظمات إنسانية إلى أن نحو 500 ألف مواطن سوري، ومئات اللاجئين الفلسطينيين في سوريا، مغيبون لسبب أو لآخر في معتقلات نظام الأسد السرّية والمعلنة، منذ بداية الثورة السورية التي انطلقت في مارس من العام 2011.

في حين يرى ناشطون محليون أن العدد الفعلي للمعتقلين والمغيبين قسراً يربو على 800 ألف شخص، ويصل إلى المليون، بينهم أكثر من 50 ألف امرأة، لكل واحد منهم ومنهن حكاية وجع، وإن اختلفت في حيثياتها لكنها لا تختلف بحجم الألم الذي خلفته لهم، ولكل من يقف خلفهم من أهل وأقارب وأحبّة.

وعلى الرغم من مضي أكثر من ثماني سنوات على غياب الآلاف من المعتقلين، وعدم معرفة مصيرهم، فإن آمالاً ما زالت تحدو الكثير من ذويهم بأنهم أحياء يرزقون؛ قابعون في مكان ما من معتقلات الأسد العديدة.

وتقول أم محمد (50 عاماً)، وهي ربة منزل وأم لمعتقل شاب: "أخبروني أن ابني محمد (22 عاماً) الذي تم اعتقاله في دمشق بالعام 2012 توفي منذ زمن بعيد، لكني لا أصدق أنه ميت، ولا زلت أعيش على أمل كبير بخروجه".

وأضافت في حديث لـ"الخليج أونلاين" أن ابنها كان في سجن "صيدنايا الشهير" أو ما يعرف بـ"المسلخ البشري"، وأنها زارته أكثر من مرة خلال العام 2014، لكن منذ بداية العام 2015 انقطعت أخباره.

وأردفت أن إدارة السجن المذكور أخبرتها في آخر زيارة قامت بها للسجن أنه لا داعي لزيارة ابنها بعد الآن، دون أن يوضحوا الأسباب، مشيرة إلى أنها حاولت زيارة السجن أكثر من مرة بعد ذلك، لكنّ مسؤولي السجن طردوها وأخبروها أن ابنها نقل إلى مكان آخر لا يعرفونه.

وأكدت أنها دفعت مبالغ كبيرة لمحامين وسماسرة حتى تعرف مصيره أو أي معلومة جديدة عنه؛ لكن الكل كان يُسوّف ويختلق المبررات بعد أن يحصل على الأموال، دون أن تحصل على أية معلومات مؤكدة حوله.

الانتحار للتخلص من العذاب

من جهته قال ياسين. ع (43 عاماً)، وهو معتقل سابق: "كنت أتمنى الموت في كل لحظة، وحاولت الانتحار عدة مرات؛ للتخلص من الاعتقال والعذاب اليومي لكني لم أفلح".

وأضاف في حديث لـ"الخليج أونلاين": "حاولت شنق نفسي بخيوط البطانيات، وشجّ رأسي بضربه بالجدار، لكن كان زملائي ينقذونني في الوقت المناسب".

ويشير إلى أنه لم ينخرط في أي نشاط ثوري طوال عمره، ليتبين أن تهمته كانت تشابهاً في الأسماء، وهي التهمة التي دفع ثمنها ثلاث سنوات من عمره، وفقد بسببها عمله ومصادر رزقه وأرضه التي باعها ذووه من أجل دفع المال للسماسرة لإطلاق سراحه.

أما "أبو نضال. س"، وهو موظف وزوج ممرضة معتقلة لأكثر من سنتين فقال: "لم أترك باباً ممكناً إلا وطرقته في سبيل معرفة مصير زوجتي"، وأردف في حديث لـ"الخليج أونلاين": "دفعت أموالاً طائلة وتعرضت لمضايقات كثيرة، وتهديد بالاعتقال، لكني أفلحت عن طريق محامية مقربة من النظام في إطلاق سراح زوجتي".

وتقول الممرضة أم نضال إنها لم ترتكب أي مخالفات أو تمارس أي نشاطات ثورية تحاسب عليها.

وأضافت لـ"الخليج أونلاين" أنها من الممرضات المحسوبات على النظام، لكن لكونها تعمل في التمريض؛ فقد وجهت إليها تهمة معالجة "الإرهابيين" في منطقتها، وذلك بناء على تقارير "كيدية".

المعتقلون دجاجة تبيض ذهباً

الناشط الحقوقي "أبو قصي الشامي" أكد أن ملف المعتقلين رغم أنه من الملفات الشائكة، ويلقى اهتمامات كبيرة ومتابعات من منظمات حقوق الإنسان؛ فإنه بالنسبة للنظام وضبّاطه والسماسرة المقربين من النظام هو "الدجاجة التي تبيض ذهباً".

ولفت الشامي "الخليج أونلاين" إلى أن "العصابات الأسدية المنتفعة من وجود المعتقلين والمعتقلات في سجون النظام وصلت إلى حدود الثراء الفاحش، في حين وصل أهالي وذوو المعتقلين كما عامة الشعب السوري إلى أقصى حدود الفقر؛ وذلك بعد أن اضطروا إلى بيع أرزاقهم بأسعار بخسة؛ من أجل البحث عن أولادهم في السجون ودفع مبالغ كبيرة لقاء معلومات كاذبة تُسكّن آلامهم".

وبهذا الخصوص أكد سليم الواكد (67 عاماً)، وهو محام قديم وأب لمعتقل منذ العام 2013، أن الآمال بوجود أحياء بين معتقلي السنوات الأولى للثورة بدأت تتلاشى في ظل وصول قوائم اسمية، وصلت تباعاً منذ العام الماضي إلى دوائر النفوس، في العديد من المدن والقرى السورية، وتفيد بمقتل عدة معتقلين بسبب الأمراض.

وأكد الواكد لـ"الخليج أونلاين" أن الكثير من المعتقلين ماتوا تحت التعذيب أو تمّت تصفيتهم ميدانياً دون منحهم الحق في الدفاع عن أنفسهم بتوكيل محامين عنهم، وهو ما أفادت به شهادات بعض المعتقلين الذين تم الإفراج عنهم خلال لقائه بهم.

وأشار إلى أن ما يعزز الاعتقاد بموت الكثير من السجناء تصريحات رؤساء الأجهزة الأمنية التابعين للنظام، والتي جاء آخرها على لسان اللواء "محمد محلا" رئيس شعبة المخابرات العسكرية لدى نظام الأسد.

ولفت الواكد إلى أن لقاء لوجهاء درعا مع رئيس شعبة المخابرات العسكرية، عقد في مدينة طفس في ريف درعا الغربي، يوم الأحد في الرابع والعشرين من فبراير الماضي، أفضى إلى تأكيد معلومات جديدة حول مصير بعض المعتقلين.

وقال إن رئيس شعبة المخابرات العسكرية شكك في أن يكون هناك أحياء بين معتقلي العام 2013، وما قبله.

وأضاف الواكد لـ"الخليج أونلاين" أن اللقاء الذي نظمه الجانب الروسي، بناء على إلحاح ومطالبات الأهالي، وخصص لمعرفة مصير المعتقلين في سجون النظام، لم يأت بغير الوعود والتسويف والمماطلات، وهو ما اعتاد عليه الشعب السوري من قوات النظام في تخدير جراحه مؤقتاً.

وأوضح أن رد المسؤول الأبرز في نظام الأسد عن مصير المعتقلين كان "صادماً ومخيباً للآمال" وفق شهادات الحضور.

من جانبه أشار الناشط ضياء الحوراني ومصادر متقاطعة مطلعة في هذا الإطار إلى أن رئيس شعبة المخابرات العسكرية في النظام، أكد خلال اللقاء مع وجهاء درعا أن قيادة النظام والجهات المعنية تنظر في أوضاع المعتقلين، وسيتم الإفراج عن عدد منهم قريباً.

ولفت إلى أن ما وعد به "محلا" تم في اليوم الثاني حيث أطلق سراح بعض المعتقلين، مشيراً إلى أن هذا الإجراء جاء لذر الرماد في العيون.

وأوضح أن من أطلق سراحهم بناء على وعود "محلا" للأهالي كانوا عبارة عن 28 مقاتلاً من الجيش الحر، تمت تسوية أوضاعهم سابقاً، وهم من المنتسبين مؤخراً إلى صفوف الفرقة الرابعة، بقيادة ماهر الأسد شقيق رأس النظام السوري.

وأشار إلى أن تصرف رئيس شعبة المخابرات العسكرية هذا زاد من استنكار ونقمة الأهالي على النظام ورموزه؛ لاستخفافهم بعقول ذوي المعتقلين وبمصير أبنائهم، القابعين في السجون منذ سنوات طويلة.

ويشار إلى أن آلاف الأسر السورية المنكوبة بأحبتها ما زالت تنتظر الكشف عن مصير مئات المعتقلين والمعتقلات في سجون الأسد، وهي تنتظر من المجتمع الدولي والأمم المتحدة تحركات جادة في هذا الإطار.

مكة المكرمة