خطوات بوتين.. إصلاح مستقبلي أم ترتيبات داخلية لخداع الشعب؟

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/M3kJKd

بوتين استلم الحكم منذ 20 عاماً

Linkedin
Google plus
whatsapp
الجمعة، 17-01-2020 الساعة 17:44

لا توصف روسيا بأنها تحمل ذات الوضع الديمقراطي الموجود في الدول الغربية والأمريكية، حيث يبقى موضوع الاستبداد والتسلط هو الرائج عن الديمقراطية الروسية، خصوصاً في ظل استمرار بوتين في الحكم لمدة 20 عاماً.

وإن كان شكل نظام الحكم في روسيا هو ديمقراطياً رئاسياً كغيره من الدول الكبرى، إلا أن سلطات مؤسسة الرئاسة التي يقودها الرئيس فلاديمير بوتين، منذ عام 2000، أوسع بشكل كبير، حيث تدار البلاد من "الكرملين".

ولا يخفى أن بوتين الذي أعاد بشكل ما شيئاً من الاعتبار السياسي لروسيا الاتحادية، وريثة الاتحاد السوفييتي المنهار عام 1991 بعيد الحرب الباردة، وفصول من الطغيان السياسي الواسع داخلياً أبقى سمعة الديمقراطية هشة في البلد صاحب القوة الثانية عسكرياً ونووياً بعد الولايات المتحدة على مستوى العالم.

وتحمل استقالة رئيس الحكومة الروسية، ديميتري ميدفيديف، يوم الأربعاء (15 يناير 2020)، لإفساح المجال أمام بوتين لإجراء تعديلات دستورية تتضمن توسيع صلاحيات البرلمان ومنحه سلطة اختيار رئيس الحكومة، العديد من التساؤلات عن نية بوتين حول هذه التحركات السياسية الداخلية.

التحرك لأجل المستقبل

لم يكن متوقعاً في الدوائر السياسية الروسية أي تغيير للحكومة الحالية، ولكن الرئيس الروسي، الذي بقي له أربع سنوات فقط في منصبه، بدأ بتخطيطه للمستقبل.

ميدفيديف الذي شغل منصب الرئاسة عام 2008 لمدة أربع سنوات بدفع من بوتين؛ لكون الدستور لا يسمح لبوتين أن يشغل منصب الرئيس لأكثر من دورتين رئاسيتين، يدفع للتخلي عن منصب رئيس الحكومة في ظل تراجع شعبيته بشكل واسع، بحسب وسائل الإعلام المحلية.

وقال ميدفيدف في خطاب استقالته المتلفز إلى جانب بوتين: "أبرز فلاديمير بوتين عدداً من التغييرات الجوهرية في الدستور، تغييرات مؤثرة ليس فقط في عدد مواد الدستور ولكن في ميزان القوى بالكامل، والتي تشمل السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية".

وتابع رئيس الحكومة المستقيلة قائلاً: "وفي هذا السياق من الواضح أننا كحكومة يجب أن نمنح رئيس دولتنا الفرصة لاتخاذ كل القرارات اللازمة لذلك، وفي هذه الظروف أعتقد أن من الصواب، وتماشياً مع الفقرة 117 من الدستور، أن تستقيل الحكومة"، على حد تعبيره.

ميدفيدف

وميدفيدف الذي يرأس حزب روسيا المتحدة أيضاً، لن يتم التخلي عنه بشكل كامل، حيث إنه لن يذهب بعيداً؛ فقد عُيّن نائباً لرئيس مجلس الأمن الروسي، ولكن صلاحياته تتبع للرئيس الذي يحيط نفسه بالرجال الثقات.

وهذا المجلس هيئة ملحقة بالكرملين، لكنها لا تتبع لإدارته، وفيه تعد القرارات العليا للدولة بكل أنواعها، ويجتمع الرئيس بالمجلس للتشاور في قضايا شديدة الحساسية من حين لآخر، ما يعني أنه أقوى جناح في الدولة من ناحية القرارات المتخذة.

وفي إطار ذلك قال ألكسندر بونوف، الباحث في مركز كارنيغي للدراسات الاستراتيجية في موسكو: "إن المنصب الجديد باراشوت ذهبي، هذا يعني أنه في صفوف الاحتياط (صندوق المدخرات)؛ لأن مجلس الأمن هو أقرب دائرة داخلية لبوتين، إذ يمثل حكومته المصغرة".

وأضاف: "لقد وصل السيد بوتين إلى نفس النقطة التي وصل إليها بعد فترة ولايته الثانية عندما كان ديمتري ميدفيديف ينوب عنه، لكن هذه المرة لن يأخذ الرئيس مقعداً زائفاً في منصب رئيس الوزراء كما حدث سابقاً، ويبدو الآن أن فترة ولاية بوتين الرابعة كرئيس ستكون الأخيرة".

وفي إتمام للمشروع السياسي الجديد الذي يعمل عليه بوتين وافق مشرعو الكرملين، يوم الخميس (16 يناير 2020)، على تولية ميخائيل ميشوستين رئيساً لوزراء روسيا.

وقبل يوم من تعيينه لم يكن لرئيس الوزراء الجديد صفحة تعرف عنه على "ويكيبيديا"، ثم أصبح فجأة رئيساً للحكومة، فهو غير معروف في الحياة العامة في روسيا بشكل عام، وكان يعبر في السابق عن عدم وجود أي طموحات له في الحياة السياسية.

وكان ميشوستين يرأس الخدمات الضريبية الفيدرالية في روسيا، واكتسب سمعة بأنه تكنوقراطي بارع تمكن من إعادة تشكيل النظام المالي في البلاد بصورة ناجحة، وهو ما دفع بوتين لاختياره بعد تراجع كبير في شعبية ميدفيديف وحزبه الذي خسر في آخر انتخابات للمجالس المحلية في البلاد.

ميشوستين

إصلاحات "البقاء"

ويبدو أن بوتين يعمل على اقتراحات (يبدو أنها توجيهات) تضمن له حكم الظل إن خرج من الحكم، أو الاستمرار فيه لكن عبر صلاحيات واسعة للبرلمان بعد تعديل الدستور، وهو ما يعني اختيار رئيس الوزراء والموافقة على الحكومة. لكن هذا لم يحدث؛ فقد اختار بوتين خليفة ميدفيديف وصدق البرلمان عليه.

وقال بوتين في كلمته السنوية للجمعية الاتحادية الروسية (15 يناير 2020): "أطرح منح الدوما السلطة للمصادقة على ترشيح رئيس الوزراء، وبعد ذلك يقوم رئيس الوزراء باختيار جميع نوابه والوزراء الاتحاديين".

وأضاف الرئيس الروسي قائلاً: "وبهذه الحالة يكون الرئيس مجبراً على تعيينهم، ولا يملك الحق برفض المرشحين الذين صدّق عليهم البرلمان"، وفق وصفه.

وبحسب دستور 1993، يحتاج الرئيس إلى الحصول على موافقة مجلس الدوما لتعيين رئيس الحكومة، ويتم اختيار نواب رئيس الوزراء وبقية أعضاء الحكومة الاتحادية من قبل الرئيس.

كما اقترح بوتين أن يُسمح فقط للأشخاص الذين أقاموا في روسيا بشكل مستمر لأكثر من 25 عاماً، والذين لا يحملون جواز سفر أجنبياً أو تصريح إقامة دائمة، بالترشح للرئاسة، في حين ينص الدستور الحالي على أن الجنسية الثانية لا تمثل بأي حال قيداً على حقوق المواطن الروسي.

وما يقترحه بوتين هو تصويت علني على تغيير الدستور، وهو أول تصويت من هذا القبيل منذ 1993، حيث إن أحد الاقتراحات البارزة هو جعل مجلس الدولة وكالة حكومية رسمية منصوصاً عليها في الدستور.

ويعتبر مجلس الدولة حالياً بمنزلة هيئة استشارية تضم 85 عضواً من محافظين محليين ومسؤولين آخرين، ومن ضمنهم قادة الأحزاب السياسية.

وحول ذلك قال الباحث بونوف: "بما أن بوتين بدأ النقاش حول مجلس الدولة فهذا يعني أنه ربما يحاول إنشاء هيئة أخرى تتركز فيها السلطة، وبذلك يمكنه أن يتخطى منصب الرئيس".

ويرجح خبراء في السياسة الروسية أن لدى بوتين تصورات عدة حول مستقبل المجلس لا يتحدث عنها؛ أحد هذه التصورات أو النظريات هو أنه قد يتولى رئاسة مجلس الدولة.

بوتين

كرم غير معهود

ولا يترك بوتين جهداً لحماية إرث عقدين من العمل السياسي في رأس الدولة، خصوصاً في ظل تردي الأوضاع الاقتصادية في الطبقة المتوسطة والفقيرة في البلاد، وازدياد الشكوى من رئيس وزرائه السابق ميدفيديف خلال الفترة الأخيرة مع احتجاجات 2018.

ولأجل فترة قادمة يلفها الغموض لا يبدو أنه من الصدفة أن يقوم بوتين باقتطاع ميزانية ضخمة وفي كرم غير معهود تجاه الطبقات الاجتماعية سيئة الحال في البلاد.

وقرر بوتين إعطاء دعم اجتماعي ومالي للعوائل ذات الدخل المحدود وللأطفال حتى عام 2026، وهو تاريخ يتجاوز فترة رئاسته، وعلق رئيس غرفة الحسابات الروسية، أليكسي كودرين، على تلك القرارات بأنها "الأعلى تكلفة" في تاريخ البلاد، ويبدو أنها جاءت لرفع شعبية بوتين وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من شعبية الحزب.

بوتين كشف في خطابه عن تمديد الدعم المالي للأسر حتى العام 2026، مع رصد زيادات ملحوظة في المدفوعات المالية لهم، وتعميمها لتشمل الأطفال حتى سن السابعة، بعد أن كانت مقتصرة على الأطفال بعمر أقل من 3 سنوات، بالإضافة إلى تحسينات في مرافق رعاية الأطفال وتلاميذ المدارس، مع منحهم وجبات ساخنة مجانية حتى الصف الرابع، ورفع قيمة منحة الأمومة التي كانت ترصد للأسر عند ولادة الطفل الثاني من 7300 دولار إلى 10500 دولار، وتعميمها على حالات ولادة الطفل الأول.

وقال "كودرين": إن تنفيذ "كل المقترحات التي طرحها بوتين يتطلب نفقات هائلة"، مبيناً أن "التدابير التي أعلن عنها باهظة الثمن، وسوف تتطلب ما يتراوح بين 6.5 و8 مليارات دولار في السنة"، مؤكداً أن هذا الأمر سيتطلب "العثور على موارد إضافية تتراوح بين 0.4 و0.5% من الناتج المحلي الإجمالي".

الكرملين

ما شكل النظام السياسي في روسيا؟

الدولة الروسية هي فيدرالية علمانية ديمقراطية تتمتع بنظام حكم جمهوري، وتنقسم السلطات فيها إلى تنفيذية وقضائية وتشريعية، وفق الدستور الروسي الذي اعتمد في تصويت شعبي في 12 ديسمبر 1993.

والرئيس هو القائد الأعلى للجيش والقوات المسلحة، ويقرر العقيدة العسكرية للدولة، أما صلاحياته فتتمثل في تشكيل مؤسسات السلطة الفيدرالية، ويحق له حل مجلس الدوما والحكومة كذلك. يحدد توجهات السياسة الداخلية والخارجية، ويقرر الاستفتاء، ويقدم مشاريع قوانين لمجلس الدوما، كما يقرر العفو أيضاً.

يرشح رئيس الحكومة ونواب ووزراء السيادة للحصول على ثقة الدوما، ويرشح حكام الأقاليم والجمهوريات والمقاطعات للحصول على ثقة البرلمانات المحلية؛ ومدة حكم الرئيس كانت أربع سنوات قبل أن يعدل الدستور لتصبح ست سنوات، وذلك ابتداء من عام 2012.

يعد رئيس الوزراء ثاني شخصية في البلاد يرشحه الرئيس لنيل الثقة في البرلمان، يليه رئيس المجلس الاتحادي، فرئيس مجلس الدوما.

تنقسم السلطة التشريعية في روسيا إلى مجلسين؛ "مجلس الدوما"، وهو مجلس النواب ويجري انتخابه عبر القوائم الحزبية والدوائر الأحادية، أما المجلس الثاني فهو المجلس الاتحادي أو مجلس الشيوخ، يمثل هذا المجلس المقاطعات والأقاليم والجمهوريات، ويعينون من قبل حكومة الأقاليم، ويعطي هذا المجلس الصلاحيات للرئيس باستخدام القوات المسلحة خارج الأراضي الروسية.

وينص دستور روسيا الاتحادية على التعددية السياسية والحزبية، وانطلاقاً من ذلك تقوم الدولة بضمان المساواة بين الأحزاب السياسية أمام القانون، بغض النظر عن المبادئ والأهداف والواجبات الواردة في برامجها ومستنداتها التأسيسية، كما تحمي الدولة الحقوق والمصالح المشروعة للأحزاب السياسية.

ويضمن النظام الانتخابي للمواطنين حرية الاختيار أثناء عملية الانتخابات والاستفتاءات عبر مبادئ الديمقراطية العامة، وإن كانت السلطات الروسية متهمة بملاحقة المعارضين والزج بهم في السجون، بالإضافة للمراقبة والقمع والتضييق على وسائل الإعلام والصحفيين.

مكة المكرمة