"داعش".. بداية مخيفة ونهايات مُقلقة

التنظيم ينحسر حالياً بصورة كبيرة ومفاجئة وربما غير متوقعة

التنظيم ينحسر حالياً بصورة كبيرة ومفاجئة وربما غير متوقعة

Linkedin
Google plus
whatsapp
الجمعة، 20-10-2017 الساعة 10:58


توشك أسطورة تنظيم الدولة التي بدأت باجتياحه مناطق واسعة من سوريا والعراق عام 2014 على الانتهاء، لكن تساؤلات عن مصير التنظيم ومستقبله باتت تشغل كثيراً من الحكومات والشعوب أيضاً، خاصة أن ثمة احتمالات كثيرة بأن يتجه التنظيم نحو التمركز في نقاط جديدة حتى وإن بقي في مواقعه القديمة أو في أجزاء منها.

التنظيم المثير للجدل الذي شغل العالم لنحو ثلاث سنوات، ينحسر حالياً بصورة كبيرة ومفاجئة، وربما غير متوقعة؛ فقد خسر المساحات الشاسعة التي سيطر عليها خلال أيام في شمالي العراق منتصف 2014، وهو يوشك على خسارة مناطق مماثلة في سوريا، في ظل تشديد التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن وحلفاؤها من ضرباتهم عليه.

القوات العراقية نجحت تقريباً في استعادة ما سلبه التنظيم، وهي حالياً تتتبع ما تبقّى من عناصره في عدد من الجيوب في مدينة الموصل شمالاً والأنبار غرباً.

بينما تحقق قوات سوريا الديمقراطية ذات الغالبية الكردية المدعومة من واشنطن انتصارات متلاحقة عليه في سوريا، هذا بالإضافة لانتصارات أخرى يحققها الجيش السوري الحر المدعوم من تركيا، وقوات النظام السوري المدعومة من روسيا وإيران.

لكن، وعلى الرغم من هذا الوضع الذي يبدو وكأنه نهاية الأسطورة التي أرعبت العالم وغيّرت شكله وقلبت موازين الشرق الأوسط رأساً على عقب، فإن المحصلة التاريخية تؤكد أن التنظيمات المسلحة القوية والمنظمة تتفكك ولا تنتهي.

العراق

- انشطار

هذه التنظيمات، وعبر التاريخ، انشطرت وتشكّلت منها تنظيمات جديدة، لكنها لم تخرج نهائياً من لعبة الحرب المرهونة بالأساس بلعبتي السياسة والاحتلال الغربي، ولعل المثال الأبرز لهذا الأمر هو تنظيم "القاعدة"، الذي انحسر ولم يمت.

وبالرجوع قليلاً للوراء، نجد أن تنظيم الدولة نفسه ليس إلا ابناً لخلاف وقع بين زعيمه أبو بكر البغدادي، وبين زعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري، عندما رفض الأول دعوة الأخير لمبايعته؛ بالنظر إلى أن البغدادي إنما ورث فرع القاعدة في العراق ليس إلا، والذي تزعمه الأردني أبو مصعب الزرقاوي لسنوات، قبل مقتله في غارة أمريكية عام 2006. وقد برر البغدادي اعتذاره من مبايعة الظواهري آنذاك ببعد المسافة (المفترض أن الظواهري في أفغانستان)، ولأسباب شرعية أخرى لم يبدها.

البغدادي

ومن ثم، فليس مستبعداً أن يكون هناك جنين آخر قد تخلّق في رحم الوضع الراهن للتنظيم، وربما تكون ولادته مرتبطة بإعلان خسارة التنظيم معركته الكبرى في سوريا والعراق بشكل رسمي، وإن كان مكان ولادة وإقامة "الابن القادم" ليس معروفاً على وجه الدقة بالنظر لانتشار بذور التنظيم في أكثر من بلد.

ملابسات ظهور التنظيم وما ترتب على ذلك من تغيير مسارات المعارك التي اندلعت على خلفية الثورات العربية، تلقي بظلالها على مستقبل التنظيم، وتجعل احتمالات بقائه أكبر من نقيضتها، خاصة أن ثمة من يعتقد حتى اللحظة أن هذا التنظيم خُلق ليبقى لا ليُهزم أو ينتصر.

الرابح الأكبر من معركة التنظيم كان بشار الأسد الذي كان يجابه سقوطاً حراً في مطلع 2014، ليجد نفسه اليوم على أعتاب نصر مباشر بعدما منحه التنظيم قُبلة حياة، ووفر له ذريعة جعلت اعتماده على بنادق الآخرين أمراً مبرراً أمام البعض.

الرقة

موقف الولايات المتحدة من التنظيم أيضاً تحوم حوله الشبهات؛ ففي حين لا تتوقف واشنطن عن وصف التنظيم بأنه خطر مباشر عليها وعلى مصالحها وعلى حلفائها، نجد أن اتهامها بتأسيسه ودعمه وتقديم العون له، لا تتوقف داخلياً وخارجياً.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وخلال حملته الانتخابية، اتهم سلفه باراك أوباما ومنافسته الديمقراطية الخاسرة هيلاري كلينتون بالوقوف وراء تأسيس التنظيم، في حين لا تزال روسيا تتحدث عن إنقاذ واشنطن عدداً من قياداته ودعمها له عسكرياً وإن بطرق غير مباشرة.

اقرأ أيضاً:

واشنطن تايمز: "خلافة داعش" انتهت لكن فكرها يزداد انتشاراً

- مستقبل غائم

وبغض النظر عن حقيقة الموقف الأمريكي من التنظيم، فإن الواقع على الأرض يؤكد أنه (التنظيم) وفّر لها غطاءً قوياً لإعادة وجودها العسكري في المنطقة، فضلاً عن أنه كان بمنزلة "النرد" الذي لا يجد الساسة؛ عرباً وغربيين، أفضل منه لتحديد مواقعهم على طاولة السياسة، إلى حد يمكن معه القول إن ظهور هذا التنظيم كان بداية لتأسيس الشرق الأوسط الجديد، الذي طالما ظلّ مصطلحاً فضفاضاً منذ أطلقته وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة، كونداليزا رايس، في عام 2001.

وإن كان السؤال المُلحّ حالياً هو: ما شكل هذا الشرق الأوسط الجديد؟ فإن السؤال الأكثر إلحاحاً هو: ما دور تنظيم الدولة في هذا الشرق الأوسط؟ وما معركته القادمة؟ وأين ستكون هذه المعركة؟

هذه الأسئلة وإن لم تكن لها إجابات قاطعة حالياً، فإن التوقعات تتجه نحو أكثر من إجابة، وهي إجابات تترتب عليها سيناريوهات مختلفة ومتعددة، وكلها تصبّ في خانة أن التنظيم لن يتلاشى فجأة كما ظهر فجأة، على الأرجح، لكن ما القاعدة التي سيكمل التنظيم طريقه أو سينقسم على أساسها؟

داعش 1

الخبير في الحركات الإسلامية أحمد بان، قال لـ"الخليج أونلاين": إن "سنّة هذه التنظيمات عموماً أنها تنشطر ولا تنتهي؛ نظراً إلى استمرار أسباب ظهورها في العموم، غير أن الخلاف الفكري بين تياري البنعليين (نسبة للقيادي البحريني بالتنظيم تركي بنعلي)، والحازميين (نسبة إلى الشيخ السعودي أحمد بن عمر الحازمي)، فضلاً عن خلافات بين المهاجرين (العناصر الأجنبية) والأنصار (أبناء البلد)، قد تقسمه إلى شطرين أو أكثر حسب الأجندات والصراع على الغنائم بعدما زال حلم الحكم تقريباً".

ويضيف الخبير المصري: "حالة الاستضعاف والهروب للصحراء بعد التمكّن ستنعكس على بنية التنظيم، خاصةً أنه لا يمتلك أسساً فكرية متماسكة كتلك التي يمتلكها (القاعدة)، والتي ساعدت على استمراره حتى الآن".

وإن كان التنظيم سيسعى لتصعيد عمل "الولايات" خلال الفترة المقبلة كنوع من إثبات الوجود، فإن الظروف الموضوعية (الطبيعة الجغرافية، والوضع الأمني الهشّ، والدولة المهتزة، وطرق الإمداد)، لبقائه كقوة منظمة أو لظهور قوة منظمة جديدة من داخله، تبقى متوافرة في منطقة سوريا والعراق وما شابههما من الدول دون غيرها، برأي بان.

الأمر نفسه أشار إليه الكاتب التونسي هادي يحمد، بكتابه "كنت في الرقة"، بقوله: إن قادة التنظيم "اعتقدوا منذ انشقاقهم عن (القاعدة)، أنهم في منأى عن أي انشقاق مستقبلي؛ لكونهم حسموا معظم مواطن الخلاف التي يمكن أن تتباين حولها المواقف".

ومع ذلك، فقد خرجت من صلب هذه البنية البسيطة المحكمة بؤر للخلاف والجدل، وامتدت ظلال الاحتراب المنهجي، وتفاقم الشقاق العقدي، ليتحوّل عناصر وأنصار التنظيم من أنصار تنظيم عسكري محارِب إلى فرق كلامية تتراشق تهم التكفير والتبديع، كل حسب موقفه؛ ما أدى إلى انفصال مجموعة "الحازميين" عن التنظيم، يضيف يحمد في تصريح سابق لـ"الخليج أونلاين".

ورغم الضربات الأمنية والعسكرية التي طالت الحازميين، فإن انفصالهم يثير إشكالية جديدة حول قدرة التنظيم، حال انتهائه، على إنتاج تنظيم أكثر تطرّفاً وغلواً يعصف بالمنطقة أكثر في المستقبل، برأي يحمد، الذي كان واحداً من الحازميين.

- انتشار

صحيفة "واشنطن تايمز" الأمريكية قالت، في أكتوبر الماضي، إن معتقدات تنظيم الدولة "المتطرفة" قد انتقلت إلى بلاد جديدة في جنوب غربي آسيا وشمالي أفريقيا، وانتشرت كذلك في مناطق غير متوقعة بالمحيط الهادئ، رغم خسارته في الموصل والرقة.

وأشارت الصحيفة إلى أن تنظيم الدولة، وفي ظل هزيمته بمعاقله الرئيسة، سيسعى إلى تطبيق "اللامركزية"، وتوسيع عملياته في بؤر معيّنة؛ مثل ليبيا وأفغانستان والفلبين، كمحاولة لتعويض خسائره في العراق وسوريا.

ونقلت الصحيفة عن المتحدث باسم التحالف الدولي، الكولونيل راين ديلون، أن تدفّق المقاتلين إلى المناطق التي كان يسيطر عليها في العراق وسوريا قد توقّف. لكن ديلون حذّر في الوقت نفسه من أنه حتى مع انتهاء "الخلافة" مكانياً، فإن الأيديولوجيا المتعصبة التي حفّزت صعود تنظيم الدولة في منطقة الشرق الأوسط، لا تزال موجودة.

تنظيم الدولة سيُهزم عسكرياً، ولكننا نعلم أنه لا تزال هناك أيديولوجيا واستمرار في نشاط المتمردين، كما أنها ستنتقل إلى أماكن أخرى، هذا ما أكده الكولونيل الأمريكي من بغداد الشهر الجاري (نوفمبر).

رئيس لجنة الأمن الداخلي في الكونغرس، مايكل مكول، أيضاً، قال إن تقلّص أراضي التنظيم لا يعني أنه لم يعد خطراً؛ "فهو ما يزال يشكّل تهديداً يُخشى منه، سواء في الداخل أو الخارج".

اقرأ أيضاً:

"إكسترا تطرّف".. هل تشكل "الحازمية" تنظيم ما بعد "داعش"؟

- ظهور جديد

ورغم الهزيمة الكبيرة التي ألحقتها القوات التابعة لحكومة الوفاق الليبية بالتنظيم أواخر عام 2015، فإن دلائل تشير إلى أنه قد تمكّن من إيجاد موطئ قدم جديد في الصحراء الليبية، وقد نشر التنظيم صوراً لمقاتليه وهم يتنقّلون عبر الصحارى الشاسعة في مدينة سرت الساحلية منتصف سبتمبر الماضي.

ليبيا

وبحسب الجنرال جوزيف دانفورد، رئيس هيئة الأركان المشتركة، فإن الولايات المتحدة "تحارب التنظيم في ليبيا والصومال وسوريا واليمن وأفغانستان".

ومؤخراً، حذّرت إلين دوك، القائمة بأعمال وزير الأمن الداخلي الأمريكي، من أن "متعصبي التنظيم"، ومجموعات "إرهابية" أخرى، يخططون لهجوم واسع آخر، على غرار هجمات 11 سبتمبر، وفقاً لما نقلته صحيفة "الديلي ميل" البريطانية.

المسؤولة الأمريكية أشارت أيضاً إلى أن "التنظيم لن يتوقف في غضون ذلك عن العمليات الصغيرة؛ لأنه بحاجة إلى الحفاظ على صورته بأنه لا يزال قوياً؛ لضمان تدفق أعضاء جدد".

الجنرال الأمريكي المتقاعد مارك هيرتلينغ، أيضاً يرى أن التنظيم "قد يتخذ من الجبال في كركوك ملجأ له، بعد الهزائم التي تكبدها في الموصل ومناطق أخرى شمالي العراق".

هيرتلينغ، الذي يعمل محللاً في شبكة "سي إن إن" الأمريكية، طرح سؤالاً هو: ماذا بعد؟ وقال: "كما قلنا في العديد من المرات سابقاً: ماذا بعد؟ الآن، هناك مسائل عالقة بين الحكومة العراقية والحكومة الإقليمية بكردستان، وهذا بالتأكيد لا يساعد في الحفاظ على المنجزات التي حُققت ضد التنظيم".

وأضاف هيرتلينغ، الجمعة 20 أكتوبر 2017: "بالمناطق الشمالية للعراق، في كركوك وغيرها، هناك ما بين 20 إلى 30 جماعة إرهابية، هي أشبه بعصابات وبعضها مُعارض للحكومة العراقية، وهذه الجماعات قد تشكل تهديداً وتدفع لزعزعة الاستقرار، وهو الأمر الذي يجب على الحكومة العراقية التطرق إليه".

مكة المكرمة