دعوة السبسي للمساواة بالميراث تؤجّج صراع الهوية في تونس

اعتبر مختصون أن هذه الدّعوة "تشكّل عنفاً ضدّ النّساء"

اعتبر مختصون أن هذه الدّعوة "تشكّل عنفاً ضدّ النّساء"

Linkedin
Google plus
whatsapp
الاثنين، 14-08-2017 الساعة 20:51


أثارت دعوة الرئيس التونسي، الباجي قائد السبسي، إلى مراجعات قانونية من شأنها أن تسمح للمرأة بالحق في الميراث بمثل نصيب الرجل، بجانب الحق في الزواج من أجنبي على غير دينها، جدلاً واسعاً في صفوف النخب والأحزاب التونسية.

وكشفت بشرى بلحاج حميدة، رئيسة لجنة الحريّات الفردية والمساواة التي أقرها الرئيس التونسي بمناسبة ذكرى الاحتفال بعيد المرأة، أن اللجنة ستنطلق في العمل لإعداد تقرير علميّ مفصل وشامل، حول سبل ترجمة الإصلاحات المرتبطة بالحريات الفردية والمساواة بين الجنسين عملياً.

- سنحترم روح القرآن

وقالت بلحاج حميدة لـ"الخليج أونلاين": إن "مناقشة مقترح رئيس الجمهورية بخصوص المساواة في الميراث بين الجنسين لا يمكن أن تحدث قلاقل ومشاكل داخل المجتمع التونسي؛ لأنه سيعمل على احترام روح القرآن، كما أن اللجنة ستعمل على تقديم الحجج والبراهين للمضي قدماً في هذه الإصلاحات".

وأوضحت السياسية التونسية أن "أعمال اللجنة ستكون في استقلالية تامّة عن الرئاسة، كما أن أعضاءها لن يتحصّلوا على أي مقابل ماديّ طيلة فترة عملهم (6 أشهر)، والتي تتلخّص أساساً في إعداد تقرير حول الإصلاحات المرتبطة بالحريّات الفردية والمساواة، استناداً إلى مقتضيات الدستور الجديد والمعايير الدولية لحقوق الإنسان، والتوجهات المعاصرة في مجال الحريّات والمساواة".

وعن رأيها في الجدل الذي أثارته دعوة الرئيس التونسي، دافعت بلحاج حميدة بالقول: إن "المناخ الديمقراطي في تونس يسمح للجميع بالتعبير عن رأيه بكنف احترام القانون"، مستبعدة أن تكون لهذه الدعوة أي آثار سلبية على نمط عيش المجتمع وسلمه الأهلي.

وليست هذه المرة الأولى التي يطرح فيها موضوع المساواة في الميراث على طاولة النقاش في تونس؛ ففي شهر مايو 2016 أعلن النائب بالبرلمان مهدي بن غربية أن 27 نائباً، من مختلف الكتل النيابية، وقعوا على مبادرته المتعلقة بمشروع قانون أساسي لتحديد المنابات (نصيب الوارثين) في الميراث، معتبراً أن هذا المشروع "لا يتعارض مع الشرع، ولا يحل حراماً ولا يحرم حلالاً" بحسب تعبيره.

- النهضة لم تحسم قرارها بعد

القيادي بحركة النهضة عبد الحميد الجلاصي، قال: إن "الحركة لم تتخذ قراراها النهائي بخصوص مقترح السبسي، فمؤسساتها لم تجتمع بعد لدراسة مضمون الخطاب الرئاسي، ولا جملة الرسائل التي وُجهت خلال الاحتفالات الرسمية بالعيد الوطني للمرأة"، مشيراً إلى أنه "شخصيّاً" لا إشكال لديه من الناحية "الفكرية" في دراسة أي مسألة بشروطها وفِي إطارها وفِي سياقها المناسب، "لكن ولكون المسألة سياسية فإنها تضعنا أمام عدد من الأسئلة".

وتساءل الجلاصي، في حديثه لـ"الخليج أونلاين"، عن "ما هي أولويات التونسيين الآن؟ وأشدد على لفظ الآن؛ هل هي في القضايا التنموية والتشغيل ومقاومة الفساد، وتهيئة البلاد سياسياً ولوجستياً لأكبر انتخابات في تاريخها، أم هي في قضايا ذات طابع ثقافي؟".

وأوضح أن "القضايا الفكرية لها سياقها وطرق معالجتها، ولكن السياسيين وخاصة رجال الدولة هم الذين يرتبون الأولويات؛ لكي لا تتراكم القضايا المتفجرة، فالتونسيون يمكن أن ينقسموا بسبب العامل الاجتماعي التنموي بين المحظوظين والأقل حظاً، وبسبب نمط الحوكمة ومقاومة الفساد بين القديم والجديد، وبسبب اختلاف الاستراتيجيات الانتخابية، لكن هل من المصلحة الآن أن نثير قضايا حساسة في العلاقة بالدِّين؟ وهل هناك إلحاحية وفراغ؟".

اقرأ أيضاً :

صحيفة: بلير تلقى ملايين الدولارات من الإمارات أثناء بعثته للمنطقة

-مناضلات وكفاءات "بلا محجّبات"

وتابع الجلاصي مجيباً "ليس هناك فراغ، لدينا دستورنا الذي ضمن الحقوق والحريات والمساواة بين التونسيين. ومن زاوية "البيداغوجيا" وترتيب الأولويات لم يكن هذا الوقت الأنسب لإثارة هذا الموضوع، خاصةً أنه ترافق مع تكريم مناضلات وكفاءات تونسيات لم تكن من ضمنهن محجبة واحدة، في مجتمع نصف نسائه يلبسن الحجاب، وفِي وقت فقد الحجاب شحنته الأيديولوجية والسياسية والحزبية التي كانت له في ثمانينات القرن الماضي".

وتابع بالقول: "كنا نفضل لو ذهب الخطاب في حلّ قضايا هشاشة التشغيل والتمكين الإداري والسياسي للمرأة، بدل استعادة شبح الصراع الهوياتي الذي خلنا أن الدستور حسمه، خاصة أن القضايا الحساسة تتطلب إدارة متنوعة ونحن لم نر ذلك".

وحول كيفية تعامل حركته مع هذا المقترح إذا ما أصبح قانوناً سيتم مناقشته مستقبلاً أمام مجلس النواب، أكد القيادي بحركة النهضة ذات المرجعية الإسلامية أن حركته "ستتفاعل مع الموضوع إذا ما طرح كحركة ذات مرجعية إسلامية تجديدية، وضمن سقف دستور الجمهورية الثانية، الذي حدد في فصليه الأول والثاني وفِي توطئته هوية المجتمع وثوابت الدولة، كما أن للتونسيين تراثهم الإصلاحي الكبير، ونحن كحركة النهضة جزء منه، ولكل المجتمعات خصوصياتها وضمن هذه المعادلة سنتعامل".

وعبّر الجلاصي عن أمله في أن "يقع التدارك بمعالجة الاختلال في تشكيلة اللجنة من حيث الاختصاصات والفضاء الفكري؛ لتمثل بذلك "تونس المتنوعة" لا أحد أوجهها فقط، وألا نخشى أن يقع كثير من الأخذ والرد قبل وصول القانون إلى ساحة البرلمان، مثلما حصل مع قانون المصالحة الاقتصادية والاجتماعية الذي شغل الشارع والمؤسسات سنتين كاملتين، خاصة أن المبادرة الحالية أكثر حساسية من قانون المصالحة المالية".

- جهل بمنظومة الإرث

بدوره أكد الأستاذ سامي براهم، الباحث في الفكر الإسلامي، أن "الدّعوة إلى المساواة في الإرث تنمّ عن جهل بمنظومة الإرث القائمة على المساواة بين الذّكور والإناث المشمولين بالإرث: (للذّكر مثل حظّ الأنثيين)"، مشيراً إلى أنها وضعيّة جزئيّة وليست قاعدة عامّة تشمل كلّ الذّكور والإناث.

وأضاف لـ"الخليج أونلاين": إن "هذه الدّعوة تشكّل عنفاً ضدّ النّساء؛ لأنّها تفرض التسوية في الحالات المتعدّدة التي يفوق فيها نصيبُ الإناث نصيبَ الذّكور، أو ترث فيها الإناث ولا يرث الذّكور، فضلاً عمّا تقتضيه من تسوية ملزمة في الإنفاق بحسب الحجج المقدّمة في دعوى المساواة (المساواة في الإرث انسجاماً مع تطوّر مساهمة المرأة في الإنفاق داخل الأسرة)".

وختم الباحث التونسي حديثه بالقول: إنه "لا يمكن تعديل حالة جزئيّة في منظومة متكاملة ومترابطة بشكل عضوي دون تعديل بقيّة المنظومة؛ لأن الأصل تغيير منظومة كاملة بمنظومة أخرى بديلة عنها، وهذا يتطلّب من "دعاة المساواة" اجتهاداً أكثر وذكاءً معرفيّاً بعيداً عن الدّعاية و"الديماغوجيا"، والتّبسيط والاصطفاف الوهمي، والتوظيف السياسوي لقضيّة ترتبط بالأدوار الاجتماعيّة ومقدّرات الأسرة ومواردها".

يشار إلى أن صفحة "الفيسبوك" الرسمية لديوان الإفتاء في تونس نشرت، ظهر الاثنين الماضي، بياناً بارك الاقتراحات التي أعلن عنها الرئيس التونسي، معتبراً أنها جاءت "تدعيماً لمكانة المرأة وضماناً وتفعيلاً لمبدأ المساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات التي نادى بها ديننا الحنيف في قوله تعالى: (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف)، فضلاً عن المواثيق الدولية التي صادقت عليها الدولة التونسية، والتي تعمل على إزالة الفوارق في الحقوق بين الجنسين".

الاكثر قراءة

مكة المكرمة