ذوو المعتقلين السوريين.. رحلة بحث شاقة عنوانها الوساطة والابتزاز

يعرف السمسارة ما يجري في المعتقلات لمحاولة استمرار عمليات الابتزاز

يعرف السمسارة ما يجري في المعتقلات لمحاولة استمرار عمليات الابتزاز

Linkedin
Google plus
whatsapp
الجمعة، 05-08-2016 الساعة 14:30


على وقع معاناة بعض الأسر الفقيرة اليومية، يعيش ويثري وسطاء وسماسرة النظام، وذلك رغم الظروف الاقتصادية الطاحنة، التي يضطر معها ذوو المعتقلين -في غالب الأحيان- إلى بيع قوت يومهم؛ بحثاً عن بصيص أمل يوصلهم إلى معرفة مصير أبنائهم في معتقلات بشار الأسد.

وتحولت هذه المعتقلات إلى مصادر للثراء الفاحش لفئة محددة من زبانية النظام وشبيحته.

رحلة البحث حسبما ذكرته مصادر التقى بها "الخليج أونلاين"، تبدأ منذ اللحظات الأولى لاعتقال الشخص، وذلك من خلال التواصل مع المقربين والمعارف للتوصل إلى "مفاتيح" ضباط الحواجز والمقربين منهم، لمعرفة أين ذهب المعتقل، وبأي جرم توقف أو اعتقل، وما هي التهمة التي عادة ما يتم تضخيمها بشكل مخيف.

ويهدف ذلك إلى الابتزاز المالي، لتتواصل عمليات البحث والانتظار، وكأنك في رحلة بحث عن إبرة في كومة قش.

تقول أم أسعد، وهي سيدة في العقد الخامس: "كنت أضطر أن أذهب من ريف درعا إلى دمشق كل أسبوع مرة؛ في رحلة بحث مضنية عن زوجي وابني المعتقلين منذ أكثر من أربع سنوات بتهمة المشاركة في المظاهرات والتحريض على التظاهر"، لافتةً إلى أن هذا الجرم وفق ما أخبرها المحامون، "لا يستوجب عقوبة كبيرة، إلا إذا كان مترافقاً مع أعمال شغب واعتداء على قوات الجيش والأمن".

وأضافت لـ"الخليج أونلاين": إنه بعد "اتصالات عن طريق بعض المعارف مع وسطاء مقربين من أجهزة النظام الأمنية، ودفع مبالغ مالية كبيرة، وسؤال بعض المعتقلين الخارجين من معتقلات النظام، وجدت ابني في سجن صيدنايا، لكني لم أستطع زيارته إلا مؤخراً، بالرغم من المبالغ التي دفعتها للوسيط"، لافتةً إلى أنها دفعت ما يقارب الـ3 آلاف دولار حتى تحقق حلمها أخيراً بمعرفة مصير ابنها، وأنه ما زال حياً.

وأشارت إلى أن "زوجها البالغ من العمر 57 عاماً لقي حتفه في السجن نتيجة إصابته بأزمة قلبية، وذلك بعد مرور شهر على اعتقاله، وفق ما أخبرها به الوسيط، الذي تقاضى من أجل ذلك ما يقارب الألف دولار.

وذكرت أنها حتى اليوم لم تحصل على أوراق زوجها الثبوتية، التي عادة ما تسلم لذوي المعتقلين المتوفين، وذلك رغم مرور كل هذا الوقت على واقعة الوفاة.

الناشط الحقوقي أبو قيس الحوراني أكد "أن أهالي المعتقلين يتعرضون في رحلة البحث عن أبنائهم لكل أشكال الكذب، والتسويف، والخداع، من قبل الوسطاء، ولا سيما من بعض المحامين المرتبطين بأجهزة أمن النظام، وبعض الأشخاص المتنفذين، لافتاً إلى أن الكثير من الوسطاء والمحامين يعلمون أن الآمال بالإفراج عن المعتقلين ضعيفة؛ لعدم توفر معلومات مؤكدة عنهم، لكنهم يصرون على استنزاف الأهالي مادياً".

وأشار في حديث لـ "الخليج أونلاين"، إلى أن "الكثير من الوسطاء -بهدف الحصول على مبالغ مالية كبيرة لقاء الإفراج عن المعتقلين- يعملون على تضخيم الأمور أمام ذويهم، وإظهار أن التهم الملصقة بهم تحتاج إلى وساطات من نوع ثقيل، ما يتطلب دفع مبالغ كبيرة، لافتاً إلى أن ذوي المعتقلين -بهدف مساعدة أبنائهم- يلجؤون إلى استدانة مبالغ كبيرة، يتطلب سدادها العمل كل العمر، أو يقومون ببيع ممتلكاتهم من أراض وبيوت كاملة لتجميع المبلغ المطلوب".

وأضاف: "أحياناً وبعد قيام الأهل بجمع المبالغ المطلوبة، ودفع بعضها إلى الوسطاء، يتبين أن معتقلهم متوفى قبل فترة طويلة"، مشيراً إلى أن المعتقلين والمفقودين وذويهم أصبحوا وسائل إثراء لبعض المقربين من أجهزة النظام، وأن هناك مكاتب باتت معروفة تعمل في هذا الإطار، وكل زبائنها من ذوي المعتقلين، الذين غالباً ما يدفعون شقاء أعمارهم للإفراج عن أبنائهم، أو لمعرفة أماكنهم".

ويقول الستيني أبو عبد الرحمن: إنه "فقد ولده على أحد حواجز النظام داخل مدينة درعا؛ حين ذهب من قريته في ريف درعا إلى المدينة لاستلام راتبه الشهري، ومر نحو ثلاث سنوات على تلك الحادثة، وحتى الآن لم يعرف عنه شيئاً".

وأضاف لـ "الخليج أونلاين": "تواصلت مع وسيط مقرب من أجهزة النظام لمعرفة مكانه، فطلب مني نحو 2500 دولار أمريكي، ورغم حصوله على المبلغ كاملاً، ووعوده بأنه سيحصل على كل المعلومات حوله، لكنه لم يقدم لي أي معلومة صحيحة، وبدأ بالتسويف والوعود، ثم بدأ يتهرب من الرد على اتصالاتي في الفترة الأخيرة"، لافتاً إلى أنه تواصل مع وسيط آخر، فطلب منه نحو 10 آلاف دولار للسعي للإفراج عنه، فوافق؛ "بشرط أن يقدم لي أي معلومة تفيد بأي معتقل أو سجن موجود، لكنه لم يستطع تقديم أي معلومة حتى الآن".

وقال: "منذ ذلك الحين وأنا أبحث عن ولدي، ولم أتوصل إلى أي شيء حوله، لا داخل مدينة درعا، ولا في أي مكان آخر"، لافتاً إلى أنه كرس كل إمكاناته المادية وإنتاجه وجهوده لهذا الغرض، الذي ما زال شغل أسرته الشاغل منذ ذلك الحين.

أما أبو عاصي (56 عاماً)، وهو رجل كفيف، فقال: "فقدت ابني داخل منطقة سيطرة النظام في درعا قبل سنتين، ومنذ ذلك الحين وأنا أبحث عنه، لكني لم أجد أي معلومة تفيد بوجوده بأي مكان، رغم اتباعي الطرق القانونية"، لافتاً إلى أنه قام بتقديم عدة طلبات إلى الشرطة العسكرية، والمحاكم، والجهات المعنية في العاصمة، لكن الجواب كان في كل مرة "لا يوجد هذا الاسم"، لافتاً إلى أن البحث عن ولده كلفه مبالغ كبيرة دون فائدة، وهو ما يزال يبحث عنه ولن يتوقف، وفق ما ذكره لـ "الخليج أونلاين".

المحامي عبد القادر يقول: "إن الحرب في سوريا أوجدت الكثير من السماسرة والوسطاء، ولا سيما في صفوف الضباط، والمحامين، والشبيحة، واللجان الشعبية، وبعض الموظفين، هدفهم الأساسي هو جمع المال والإثراء على حساب الناس".

وأوضح أن ما يقوم به هؤلاء هو "محض كذب وافتراء؛ لأن الجهات الأمنية لا تعلن عن معتقليها مهما كانت الأسباب، ومهما كان الشخص مقرباً منها، وإن هؤلاء السماسرة والوسطاء يستغلون عدم معرفة الأهالي بالقوانين والأنظمة وبالتعليمات داخل معتقلات النظام، ويعملون على ابتزازهم".

وأضاف لـ "الخليج أونلاين": إن "المعلومات عن المعتقلين داخل معتقلات وسجون النظام تنتقل بإحدى طريقتين لا ثالث لهما؛ الأولى عن طريق المعتقلين المفرج عنهم، فهم يعرفون من كان معهم في نفس المكان والمهجع حصرياً فقط، أما الطريقة الثانية التي تتم فيها معرفة أمكنة المعتقلين، فهي بعد إحالتهم إلى المحاكم المختصة، وغير ذلك كله كذب".

وقال: إن "هناك جهات وعصابات، وتحت غطاء الأجهزة الأمنية، وبالتواطؤ معها، تقوم بعمليات اعتقال واحتجاز المواطنين في سجون ومعتقلات سرية، تعود للضباط أنفسهم، وهي خارج أجهزة النظام، ولا يعلم بها إلا أصحابها والمسؤولون عنها"، لافتاً إلى أن الأشخاص المستهدفين بهذه المعتقلات هم من الأغنياء والميسورين مالياً، حيث يتم ابتزاز أهاليهم بطلب مبالغ تصل إلى أكثر من 30 ألف دولار، أو إلى عشرات ملايين الليرات السورية للإفراج عنهم.

مكة المكرمة