رئاسيات الجزائر.. لماذا يرفضها الشارع وتريدها السلطة؟

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/wZR4Yd

مظاهرات واسعة رافضة للانتخابات وأخرى محدودة مؤيدة لها

Linkedin
Google plus
whatsapp
الخميس، 12-12-2019 الساعة 07:48

تحبس الجزائر أنفاسها قبيل ساعات من انتخابات الرئاسة (الخميس 12 ديسمبر 2019)، لاختيار خليفة للرئيس السابق، عبد العزيز بوتفليقة، وسط انقسام شعبي كبير تبدو فيه الأصوات الرافضة لإجرائها صاحبة الحضور الأكبر، رغم محاولات السلطات الحاكمة، بدعم قوي من الجيش، من أجل تمريرها "بأي شكل من الأشكال".

ومنذ انطلاق الاحتجاجات الشعبية بالجزائر، في فبراير 2019، التي بدأت برفض ترشح الرئيس السابق، عبد العزيز بوتفليقة، للانتخابات الرئاسية، كان المتظاهرون يرفضون إجراء انتخابات فورية خوفاً من التزوير، مؤكدين أن الوقت "غير مناسب" لعقدها؛ بحجة أن رموز النظام لا يزالون مسيطرين على أركان السلطة.

لكن الممسك بمقاليد الحكم في الجزائر من عسكر ودولة عميقة وساسة كانوا منذ البداية مصرّين على إجراء انتخابات رئاسية في أقرب وقت ممكن، ربما تضمن لهم البقاء في السلطة خلال المرحلة القادمة، رغم الرفض الشعبي الواسع المستمر حتى الآن، وربما من أجل عدم حصول فراغ رئاسي ودستوري يضمن الاستقرار في البلاد، يقول مراقبون.

وبعد محاولتين فاشلتين، تشهد الجزائر انتخابات رئاسية بمشاركة خمسة مرشحين؛ هم: "رئيسا الوزراء السابقان؛ علي بن فليس (الأمين العام لحزب طلائع الحريات)، وعبد المجيد تبون (مستقل)، وعبد العزيز بلعيد رئيس (جبهة المستقبل)، وعز الدين ميهوبي، الأمين العام للتجمُّع الوطني الديمقراطي (حزب أحمد أويحيى، رئيس الوزراء السابق المسجون في قضايا فساد)، وعبد القادر بن قرينة رئيس حركة البناء الوطني (إسلامي)".

شارع يرفض وسلطة تريد

ورغم أن الأصوات الرافضة لإجراء الانتخابات هي الأعلى بسبب تظاهراتها المستمرة، منذ فبراير 2019 وحتى الآن، فإنّ هناك أصواتاً أخرى أيضاً في الشارع الجزائري تريد إجراء انتخابات وبداية عهد جديد وإن كان متصلاً بنظام بوتفليقة.

فالفريق الرافض لإجراء الانتخابات يريد استكمال التدابير الإصلاحية وتطهير الدولة من رموز النظام وجيوبه التي ما زالت حاضرة وفاعلة، في حين يعتقد المؤيدون لها أنها الحل الوحيد المتاح حالياً للخروج من المآزق الدستورية الناجمة عن الفراغ في موقع الرئاسة.

وهذا الانقسام لم يعد مقتصراً على اختلاف الآراء وتباين المواقف على صعيد السجالات العامة فحسب؛ بل انتقل إلى الشارع مباشرة بين مظاهرات رافضة وأخرى مؤيدة، وأخذ من ثم يهدد وحدة الحراك ذاته.

وقبيل ساعات من اقتراع الرئاسة، شهدت الجزائر العاصمة، صباح الأربعاء (11 ديسمبر)، مسيرتين بشكل متزامن شارك فيهما المئات من المواطنين؛ الأولى رافضة لإجراء انتخابات الرئاسة، وأخرى تدعو لدعمها والمشاركة فيها.

ورفع المشاركون بالانتخابات شعارات منها: "مكاش الفوط (لا توجد انتخابات في العاصمة)"، و"ماكاش (لاتوجد) انتخابات مع العصابات"، مع رفع بطاقات حمراء مكتوب عليها "لا للانتخاب".

العسكر حاضر بقوة

ورغم أن الإعلان عن إجراء الانتخابات الرئاسية صدر عن الرئيس المؤقت، عبد القادر بن صالح، فإن القرار الفعلي تم بضغط من القيادة العليا للجيش الجزائري التي دعت المواطنين إلى إنجاح الانتخابات، وتعهدت بتوفير الظروف المناسبة لسير العملية الانتخابية، وحذرت بلسان قائد أركان الجيش، أحمد قايد صالح، من يقف في طريقها من "العصابة وأذنابها".

والوضع القائم في الجزائر هو بيد المؤسسة العسكرية، التي تعد مركز القوة الأعلى في البلاد، كما أن أربعة من مرشحي الرئاسة محسوبون على نظام بوتفليقة، في حين أن مرشحاً إسلامياً وحيداً لم يكن ضمن فريق النظام السابق، وإن شغل منصباً حكومياً لفترة محدودة مع بداية تولي بوتفليقة للحكم، كما يقول إنه "معارض قديم".

وفي إطار ذلك أبدى رئيس الأركان الجزائري، قايد صالح، يوم الثلاثاء (19 نوفمبر 2019)، مدى إعجابه بالهبة الشعبية تجاه الانتخابات الرئاسية. مبيناً في كلمة له: "نسجّل بإعجاب شديد هذه الهبّة الشعبية التي تعمّ كافة ربوع الوطن.. والتفاف الشعب بقوة حول جيشه.. لإنجاح الانتخابات الرئاسية".

وخرجت مسيرات شعبية مؤيدة لإجراء الانتخابات الرئاسية في عدة مدن جزائرية، لكنها لم تكن بزخم تلك التي في الجهة المقابلة والرافضة لإجرائها.

وحول ذلك قال المحلل السياسي الجزائري، علي لخضيري، في حديث خاص مع "الخليج أونلاين": إن "الحراك يرفض الانتخابات لأنها ببساطة خالية من النزاهة التي يتمكن خلالها الجزائريون من التعبير بكل حرية لاختيار رئيس جديد للبلاد، كما أن مطالب الحراك الرئيسية لم يتحقق منها إلا رحيل بوتفليقة، ولم تتحقق كل المطالب الأخرى على الصعيد السياسي".

وأضاف أن السلطة تصر لأن هناك مساعي لإنتاج النظام مرة أخرى، وتصدير "بوتفليقة جديد"، ليكون استمراراً للنظام السابق، كما أنها ضغطت لفرض الأمر الواقع، متسائلاً: "ما الذي تغير إذاً للقيام بانتخابات في ديسمبر في ظل استدعاء الهيئة الناخبة من قاعدة عسكرية؟"، ثم استكمل قائلاً: "لهذا نحن لم نتحرك باتجاه التغيير الحقيقي".

وأشار لخضيري إلى أن هناك "هاجساً كبيراً لدى السلطة من مقاطعة تاريخية، لذلك تحاول بكل ما لديها من إمكانيات وأدوات ووسائل ضغط لإقناع الجزائريين بالمشاركة بهذه الانتخابات، ولكن وعي الجزائريين لم يعد تنطلي عليه هذه الخطابات، فالسلطة لم تغير من أساليبها القديمة في إقناع الناس والدعاية، وتريد متابعة النهج القديم برئيس مسلوب الإرادة".

في المقابل يرى الصحفي الجزائري إدريس ربوح، أنه ليس كل الحراك الشعبي يرفض إجراء انتخابات رئاسية، حيث كان الحراك في بداية الاحتجاجات متفقاً على رحيل نظام بوتفليقة ومحاكمة الفساد، والآن أغلب رموز السلطة والفساد هم في السجون وتجري متابعتهم قضائياً، لذلك فالحراك منقسم اليوم؛ طرف يريد إجراء انتخابات وآخر يرفضها ويطالب بتأجيلها إلى ما بعد مرحلة انتقالية ومجلس تأسيسي.

وقال ربوح: إن "الفريق الذي يؤيد انتخابات الرئاسة يرى أن انتخاب رئيس منقوص الشرعية أفضل من الفراغ الرئاسي للدخول في مسار قانوني ودستوري؛ لأن هذا الفراغ جرّبه الشعب في تسعينيات القرن الماضي لأربع سنوات، ثم جرت انتخابات ديمقراطية نوعاً ما وإن شابها بعض التزوير".

انفوجرافيك

حملات انتخابية محدودة

في الوقت ذاته واجه المرشحون الخمسة للانتخابات الرئاسية صعوبات كبيرة في تنشيط حملاتهم الانتخابية، لتعريف المواطنين ببرامجهم في حال وصلوا إلى سدة الحكم.

وفضل غالبية المرشحين عدم الوجود في العاصمة الجزائر؛ لأنها مركز الاحتجاجات وفيها الزخم الأكبر، إلا أن المضايقات لاحقتهم إلى المدن الأخرى.

ولفت المحلل السياسي علي لخضيري إلى أن "كل المرشحين محسوبون على النظام السابق، حتى الإسلامي منهم الذي يدعي المعارضة، ولذلك لم يتغير شيء باستثناء تغيير تواريخ الانتخابات؛ لا ظروف الانتخابات ولا شروطها ولا المرشحون، ولهذا هناك مقاطعة كبيرة بين صفوف الجزائريين، كما أن الحملات الانتخابية تتم في صالات مغلقة ومحصنة بالشرطة".

وأكّد أن "هذه الانتخابات فيما لو أجريت فهي بداية أزمة مستحكمة ولن تكون حلاً؛ لأنها انتخابات ترفضها الأغلبية، فمن غير المعقول أن يتسول المرشحون عشرات الأشخاص ليستمعوا لهم في الشارع".

وبحسب لخضيري، فالإسلاميون هم الأكثر تضرراً من الانتخابات وتزويرها سابقاً، وقد رفضت حركة مجتمع السلم (أكبر الأحزاب الإسلامية) المشاركة في الانتخابات الحالية؛ لغياب شروط النزاهة والشفافية.

وختم حديثه بالقول: "كان يجب أن يسبق أي انتخابات حوار جامع لا يستثني أي طرف، ما يؤدي لوفاق وطني ثم انتخابات، وهو ما فوتته السلطة، رغم أنها وعدت بمبادرة للحوار، ولكنها أخلفت بكل ذلك".

في حين قال المحلل السياسي "ربوح": "صحيح أن أربعة من المرشحين محسوبون على النظام السابق، لكن المرشح الإسلامي عبد القادر بن قرينة ليس محسوباً على النظام، ولم يكن في الحكومات التي شكلها عبد العزيز بوتفليقة بعد تسلمه السلطة، وجاء من الأوساط الشعبية، وشارك في الحراك، ويريده أن يتواصل حتى تحقيق مطالبه، فهو مختلف عن البقية".

انتهاكات مقلقة

لكن المثير للقلق في الأوساط الشعبية هو أحكام السجن التي طالت أشخاصاً رافضين لإجراء الانتخابات حكموا لمدة 18 شهراً سبق أن اعتقلوا خلال مشاركتهم بمظاهرات رافضة للانتخابات.

وأوقف 37 شخصاً في مدينة تلمسان، خلال تجمّع شارك فيه نحو 100 متظاهر بينهم طلاب، أمام قاعة استقبلت تجمّعاً انتخابياً لرئيس الحكومة الأسبق المرشح بن فليس، بحسب ما أكّدت "اللجنة الوطنية من أجل الإفراج عن المعتقلين" لـ"فرانس برس".

وذكرت صحيفة "القدس العربي" اللندنية أن التضييق على وسائل الإعلام المستقلة بلغ ذروته؛ حيث أوقف بث قناة "حراك تي في"، وكذلك قناة "المغاربية"؛ بتهمة "إضعاف الروح المعنوية للجيش".

وقالت الصحيفة: إن "الجزائر شهدت حركة تنقلات طالت 3 آلاف قاضٍ من الذين ستوكل إليهم مهام مراقبة الانتخابات، فضلاً عن اعتقال بعضهم من النقابيين خاصة".

من جانبها قالت المنظمة الحقوقية "هيومن رايتس ووتش"، في نوفمبر الجاري: إن "إلقاء القبض على عشرات المحتجين محاولة على ما يبدو لإضعاف معارضي الحكام الانتقاليين، وإصرار على إجراء انتخابات الرئاسة".

ويعتبر "علي لخضيري" أن السلطة تقمع الحريات وتعتقل لتفرض رؤيتها، في مقابل ذلك أشار "ربوح" إلى أن الاعتقالات التي تمارسها السلطة ليست ضد رافضي الانتخابات بل ضد المتظاهرين الذين في الشوارع، مضيفاً: "يجب أن نفصّل ما يجري، البعض اعتقل لأسباب وجيهة لأنه صرح بتصريحات تمس وحدة الدولة أو تواصل مع جهات أجنبية، ولكن الذين اعتقلوا فقط لحرية الرأي والتظاهر فاعتقالهم مرفوض ويجب إطلاق سراحهم فوراً، كما أنه أطلق سراح الكثير ممن لم يثبت عليه شيء".

 

مكة المكرمة