رد إيران على مقتل سليماني.. صفعة أم "بروباغندا" متفق عليها؟

لجأت لأخف الأضرار
الرابط المختصرhttp://khaleej.online/EMVZr9

إيران ردت على قتل سليماني بقصف قاعدتين أمريكيتين بالعراق

Linkedin
Google plus
whatsapp
الخميس، 09-01-2020 الساعة 14:30

عاش العالم بداية عام جديد "ساخنة" و"ملتهبة"؛ بعد التوتر الأمريكي الإيراني الذي تصاعد بشكل كبير على الأراضي العراقية مع نهاية العام المنقضي، وبلغ ذروته باغتيال واشنطن رجل إيران القوي، قاسم سليماني، إلى جانب عدد آخر من العسكريين الإيرانيين والعراقيين.

وقتلت ضربة جوية أمريكية قائد فيلق القدس بالحرس الثوري الإيراني الجنرال سليماني، وأبو مهدي المهندس نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي (مليشيات عراقية موالية لإيران)، فجر الجمعة (3 يناير 2020)، بغارة نفذتها طائرة مسيرة على مقربة من مطار بغداد الدولي.

وبعد انتهاء طهران وبغداد من مراسم تشييع سليماني ورفاقه قصفت إيران قاعدة "عين الأسد" التي تضم جنوداً أمريكيين في محافظة الأنبار العراقية، وقاعدة "حرير" في أربيل، بنحو 22 صاروخاً باليستياً من طراز "أرض أرض"، دون وقوع إصابات، مثلما أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مفنداً ما ادّعته وسائل إعلام إيرانية بسقوط 80 قتيلاً من الجنود الأمريكيين على الأقل.

ووسط تلك التطورات ترقّب العالم تصعيداً من الطرفين يصل إلى درجة المواجهة الشاملة في المنطقة، إلا أن الرد الإيراني "المحدود"، وعدم تأثيره على مصالح أمريكا التي هددت بعقوبات إضافية، أثار استفهامات كثيرة، خصوصاً بعد تهديدات إيرانية برد مدمر على مقتل رجلها الأول في المنطقة.

صفعة إيرانية

وفي أول تعليق على القصف الصاروخي الذي نفذه الحرس الثوري ضد القاعدتين الأمريكيتين في العراق، وصفه المرشد الأعلى الإيراني، علي خامنئي، بأنه "صفعة قوية" على وجه الولايات المتحدة ولكنها غير كافية.

وقال "خامنئي" في كلمة ألقاها بعد ساعات من القصف، إن الضربة -التي وصفها بـ"الناجحة"- ضد الأمريكيين "لا تكفي"، ودعا إلى مواصلة العمل من أجل إخراج القوات الأمريكية.

وكان كبار المسؤولين الإيرانيين على المستويين السياسي والعسكري قد توعدوا بأن الرد على اغتيال سليماني سيكون بـ"إنهاء الوجود الأمريكي في المنطقة بأكملها"، وهو سقف عالٍ وضعته الإدارة الإيرانية.

ضربة متفق عليها؟

في الجهة المقابلة أكدت بغداد تلقيها إخطاراً شفهياً من طهران، بعد منتصف الليل وقبيل قصفها لقاعدتين عسكريتين بالعراق، مفاده بأن الرد على قتل سليماني "بدأ أو سيبدأ بعد قليل"، وفق ما ذكره المتحدث باسم رئيس الوزراء العراقي، عادل عبد المهدي.

وأوضح المتحدث أن إيران أبلغت "عبد المهدي" بأنها ستستهدف فقط أماكن وجود القوات الأمريكية، دون أن تحدد مواقعها.

في سياق ذي صلة نقلت شبكة "سي إن إن" عن مسؤول أمريكي أن القوات الأمريكية تلقت تحذيراً قبيل الضربات الإيرانية، وأن الجنود دخلوا الملاجئ قبل وقوعها، مؤكداً أنه لم يسقط أي قتلى أمريكيين.

وأكدت الشبكة الإخبارية الأمريكية أن الهجوم الإيراني لم يهدف كما يبدو إلى إلحاق خسائر بشرية في صفوف القوات الأمريكية؛ لكون إيران تعلم أنه في الساعات الأولى من الصباح عادة ما يكون الجنود نائمين، وأن نظام الدفاع الجوي كان في حالة تأهب قصوى.

يأتي هذا في وقت قالت فيه وسائل إعلام عراقية إن معظم الصواريخ الإيرانية سقطت في مساحات فارغة، وإن القوات الأمريكية نقلت جنودها ومعداتها قبيل الهجوم بساعات، في حين قال نائب عراقي سابق يُدعى ماجد شنكالي، إن ما حدث هو "سيناريو متفق عليه" بين واشنطن وطهران.

بدوره أكد وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، أن رد بلاده على مقتل سليماني "انتهى"، بحسب تغريدة نشرها على حسابه في "تويتر"، مشيراً إلى أن بلاده "لا تريد الحرب".

ماذا عن المليشيات العراقية؟

أما المليشيات العراقية الشيعية الموالية لإيران فقد ملأت الدنيا ضجيجاً بأن الرد سيكون قاسياً على مقتل الثنائي سليماني والمهندس، لكن سرعان ما خفت حدة تلك التهديدات والتصريحات أو تلاشت إلى حد كبير.

وكانت كتائب "حزب الله" العراقي، التي تتلقى التدريب والتمويل من إيران، قد طالبت أجهزة الأمن العراقية بالابتعاد عن القوات الأمريكية في العراق مسافة ألف متر، بدءاً من مساء الأحد (5 يناير الجاري)، قبل أن يمر اليوم مرور الكرام دون أي شيء يُذكر.

وتكرر الأمر ذاته مع عصائب أهل الحق؛ إذ توعد زعيمها قيس الخزعلي بأنه حان وقت الرد على القوات الأمريكية، دون تحرك حقيقي.

أما رجل الدين الشيعي البارز مقتدى الصدر فقد دعا إلى تشكيل ما أسماها "أفواج مقاومة دولية" مكونة من فصائل عراقية وخارجية، كما أعلن إحياء "جيش المهدي" الذي كان يقاتل الأمريكيين، ويُتهم بارتكابه جرائم ضد السُّنة، قبل تجميد نشاطه العسكري في عام 2007.

وعاد زعيم التيار الصدري لإصدار بيان دعا فيه فصائل الحشد الشعبي إلى "التأني" في ضرب القوات الأمريكية بالبلاد؛ لحين استنفاد جميع الطرق السياسية والبرلمانية والدولية.

وأشار إلى أن الأزمة بين إيران والولايات المتحدة "انطوت (انتهت)" بعد خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وخطاب المسؤولين الإيرانيين.

وتزامنت دعوة الصدر مع تصريحات لافتة لمايك بنس، نائب الرئيس الأمريكي، بأن الولايات المتحدة تلقت معلومات بأن إيران طلبت من مليشيات حليفة لها ألا تهاجم أهدافاً أمريكية.

وقال بنس، في مقابلة مع شبكة "سي.بي.إس نيوز": "نتلقى معلومات استخبارية مشجعة بأن إيران تبعث برسائل لتلك المليشيات نفسها بألا تتحرك ضد أهداف أمريكية أو مدنيين أمريكيين، ونأمل أن تجد تلك الرسالة صدى".

ضربة أرضت غرور إيران

يقول المحلل السياسي عمر عياصرة، إن الضربة الإيرانية للقواعد الأمريكية في العراق لم تكن باتفاق أو تنسيق بقناة ما، و"إنما جاءت على أساس الذهاب إلى حالة من التعادل".

ويكمل "عياصرة" في حديثه لـ"الخليج أونلاين"، أن الإيرانيين اختاروا الضربة وطبيعتها وحجمها وقدرتها على إيذاء على الأمريكان بحيث لا تقوم واشنطن بالرد أو الذهاب إلى حرب شاملة.

وأوضح أن الضربة "أرضت الداخل الإيراني والغرور الإيراني"، كما قال إنها أرضت ما وصفها "البروباغندا والدعايات والتصريحات الإيرانية".

ويكشف المحلل السياسي أن الضربة الإيرانية أرضت أيضاً الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ونزعت فتيل الأزمة، لتخرج -بحسب قوله- واشنطن وطهران من قصة اغتيال سليماني، وتعود الأوضاع فيما بينهما إلى ما قبل قتله.

وحول السقف العالي الذي وضعته إيران بعد اغتيال رجلها القوي يوضح عياصرة لـ"الخليج أونلاين"، أن هذا كان جزءاً من التصعيد والتصريحات الإيرانية، "لكنه كشف أن القوات الأمريكية ووجوها في المنطقة تحولت من معطى ساكن إلى متحرك؛ حيث بدأ الحديث عن خروج تلك القوات".

وشدد على أن "أزمة سليماني" بين واشنطن وطهران انتهت ولم يعد هناك سقف لها، ومن ثم فإن المسألة ستكون منوطة بالعراقيين، مشيراً إلى أن العراقيين ليسوا متفقين على خروج القوات الأمريكية من العراق.

ولفت إلى أن الخيار العسكري بين الطرفين لم يستبعد تماماً، ولكنه -بحسب حديثه لـ"الخليج أونلاين"- قد تراجع، موضحاً أن الذهاب إلى مواجهة عسكرية مباشرة قد لاح لأول مرة بين "الأصلاء" بعد اغتيال سليماني، بعدما كان الخيار قديماً بين "الوكلاء".

وقال إن الأزمة الأخيرة أثبتت أن "لا إيران ولا الولايات المتحدة تريدان الحرب الشاملة"، وذلك على أقل تقدير حتى نهاية العام الحالي مع الانتخابات الرئاسية الأمريكية المرتقبة، كاشفاً أن فكرة العودة إلى الطاولة والحوار أصبحت أقوى الآن.

وحول إمكانية أن تتولى أذرع إيران ضرب حلفاء واشنطن في المنطقة، قال المحلل السياسي إن جوهر الصراع الرئيسي بين الجانبين هو انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي (مايو 2018)، ثم الحصار الذي "يخنق إيران خنقاً استراتيجياً"، وهو ما ترفضه طهران جملة وتفصيلاً.

وأكمل موضحاً: إن "إيران ستبقى تتحرش بالولايات المتحدة من خلال مجموعة من العناصر التي تمتلكها على غرار رفع مستوى التخصيب كل 60 يوماً، أو من خلال الملاحة في الخليج، أو تفعيل الجبهة اليمنية وصولاً إلى الجبهة العراقية.

واختتم حديثه قائلاً: "لن تتوقف إيران عن التحرش بالأمريكان حتى ينتهي الحصار ويجلس الجميع على الطاولة".

إيران تخشى من واشنطن

أما المحلل العسكري والاستراتيجي حاتم الفلاحي، فيقول إن طهران آثرت أن تضرب أهدافاً أمريكية في العراق على ضرب تلك الموجودة بالخليج، التي وصفها بـ"الحيوية" بالنسبة إلى الأمريكيين، ما يجعل رد واشنطن عليها "كبيراً جداً"، معتبراً أن إيران اختارت "أخف الأضرار".

وكشف في حديث لـ"الخليج أونلاين" أن الحرس الثوري الإيراني اعترف بإطلاق أكثر من 22 صاروخاً على دفعتين، لافتاً إلى أن ما وصل واعترف به "البنتاغون" هو 12 صاروخاً فقط، وهو ما يفسر سقوط كثير من الصواريخ في الطريق، وقسم آخر سقط في أماكن خالية "لا يوجد بها أحد".

وبنظرة عسكرية، يقول الفلاحي لـ"الخليج أونلاين"، تبين من خلال الهياكل التي تركت في هذه الصواريخ أن جزءاً منها "لا يحمل رأساً حربياً متفجراً"، وهو الأساس في تفجير الصاروخ.

ويتفق الخبير الاستراتيجي مع ما قاله "عياصرة"، مؤكداً تراجع الخيار العسكري، مستنداً إلى تصريحات وزير الخارجية الإيراني بأنه تم الرد على مقتل سليماني، وما قاله الرئيس ترامب بأن "كل شيء على ما يرام".

لكن "الفلاحي" يعتقد أن مجرد الرد الإيراني على واشنطن هو تقليل من هيبة الولايات المتحدة في المنطقة في حال أُخذت الأمور بالقياسات الحقيقية، مؤكداً الانتقال من الحرب بالوكالة إلى المواجهة المباشرة، ولكنها "بشكل محدود".

مكة المكرمة