زيارات مكوكية.. هل يصبح لبنان ساحة تنافس جديدة بين فرنسا وتركيا؟

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/9VVYWQ

الخلاف التركي الفرنسي في أكثر من ملف بالمنطقة

Linkedin
whatsapp
السبت، 08-08-2020 الساعة 18:07
- ما أوجه الاختلاف بين زيارة ماكرون وزيارة الوفد التركي؟

ماكرون تعامل كأنه رئيس لبنان وطالب بتحقيقات وميثاق جديد، وقال إنه سيعود في سبتمبر للوقوف على تطورات الوضع، في حين تحدث الأتراك بلغة تضامنية وعرضوا إعادة إنشاء ميناء بيروت، دون الخوض في السياسة.

- ما أبرز الخلافات بين أنقرة وباريس؟

باريس دعمت المسلحين الأكراد الذين تصنفهم أنقرة جماعة إرهابية، كما أنها تدعم اللواء المتقاعد خليفة حفتر في ليبيا ضد الحكومة المعترف بها دولياً والمدعومة تركيّاً.

- ما هو الموقف اللبناني من الزيارتين؟

الرئيس اللبناني رفض مطلب ماكرون إجراء تحقيق دولي في انفجار المرفأ، في حين جاءت تصريحات الوفد التركي كلها في تقديم المساعدة ولم تقترب من السياسة.

يبدو أن الانفجار الأخير الذي وقع في العاصمة اللبنانية بيروت الأسبوع الماضي سيفتح باباً جديداً للتنافس التركي الفرنسي بالمنطقة؛ إذ سارع الجانبان لإبداء استعدادهما لدعم اللبنانيين في الأزمة التي قد تعصف بالنظام السياسي للبلاد ما لم تصل الأمور إلى ما هو أبعد من ذلك.

فقد زاد الانفجار الذي أتى على جزء كبير من العاصمة اللبنانية وخلّف أضراراً مادية ونفسية جسيمة من الاحتقان الموجود بين اللبنانيين والطبقة الحاكمة بمختلف مكوناتها، وعزز من دعوات رحيل الساسة الذين يتصدرون المشهد، وهي دعوات تتردد في الشارع اللبناني بمختلف أطيافه منذ عشرة أشهر.

ووقع الانفجار بينما يواجه لبنان أسوأ أزمة اقتصادية منذ استقلاله عام 1946. وقد توقفت الشهر الماضي المفاوضات التي عقدها مع صندوق النقد الدولي، فيما لم يتخذ داعموه التقليديون، خاصةً السعودية، أي خطوات لإنقاذ البلاد من هوة الإفلاس التي وقع فيها؛ لأسباب سياسية بامتياز، بحسب مراقبين.

وبينما يواصل حزب الله سيطرته على مقاليد الأمور ورؤوس السلطة في البلاد، كما يقول البعض، يرى اللبنانيون أنه لا أمل في دعم عربي كبير لبلدهم في أزمته الراهنة؛ معللين بذلك بنجاح إيران في عزل بلدهم عن محيطه العربي عبر وكيلها (حزب الله)، وهو ما يجعل أعينهم تمتد نحو الغرب.

ودفعت الصدمة الأخيرة اللبنانيين ليس فقط إلى إطلاق دعوات برحيل النظام السياسي؛ بل وصل الأمر بالبعض إلى حد المطالبة بعودة الانتداب الفرنسي للبلاد التي وضعها قادتها على حافة الهاوية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وباتت نذر الحرب الأهلية تلوح من جديد.

ماكرون يتجوّل في بيروت

الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، كان أول زعيم في العالم يطأ أرض بيروت بعد الانفجار؛ وقد حرص الرجل على احتضان اللبنانيين بشوارع بيروت، في حين امتنع عن مصافحة الساسة بحجة وباء كورونا.

ماكرون، كما يقول محللون، لم يأتِ إلى لبنان لمواساة اللبنانيين وإنما لاقتناص فرصة قد لا تتعوض في ترسيخ نفوذ باريس بمستعمرتها القديمة؛ وما يعزز هذه الفرضيات أن الرئيس الفرنسي طرح خلال زيارته، ما وصفه هو بـ"الميثاق الجديد" للبلاد.

وخلال زيارته القصيرة التي جرت في السادس من أغسطس، تحدث الرئيس الفرنسي إلى قادة لبنان السياسيين بلغةِ من يصدر الأوامر لا من يبحث عن الحلول، لكنه في المقابل غازل اللبنانيين بكشفه نيته الدعوة إلى مؤتمر داعمين؛ لتحصيل مساعدات لإصلاح ما أفسده الانفجار.

ماكرون

وطالب ماكرون بإجراء "تحقيق دولي مفتوح وشفاف" لكشف ملابسات الانفجار، وهو موقف لم يلقَ قبولاً لدى الطبقة الحاكمة في لبنان، خصوصاً الرئيس ميشال عون.

وفي مؤتمر صحفي عقده بمقر السفير الفرنسي في بيروت، قال ماكرون إن الهدف من المؤتمر الدولي الذي ينوي تنظيمه هو الحصول على تمويل دولي "من "الأوروبيين والأمريكيين وكل دول المنطقة وخارجها؛ من أجل توفير الأدوية والرعاية والطعام ومستلزمات البناء".

وأكد الرئيس الفرنسي أن "مجمل هذه المساعدة الفرنسية أو الدولية ستدار بطريقة شفافة وواضحة، لتصل مباشرة إلى الناس والمنظمات غير الحكومية وإلى الطواقم الميدانية، فلا يكون في الإمكان تحويلها إلى مكان آخر"، حسب قوله.

تركيا حاضرة

في المقابل، بادر الأتراك بمد يد العون؛ في محاولة لتحجيم الرغبة الفرنسية الواضحة في تشكيل مستقبل لبنان بيد فرنسا، أو "الأم الحنون" كما يطلق عليها اللبنانيون من باب السخرية حيناً ومن باب الإشادة أحياناً.

فقد وصل وفد تركي رفيع المستوى برئاسة نائب الرئيس التركي فؤاد أقطاي إلى بيروت صباح السبت (8 أغسطس)، والتقى الرئيسَ اللبنانيَّ في قصر بعبدا. وقد أكد أقطاي خلال اللقاء، استعداد بلاده لإعادة بناء مرفأ بيروت من جديد، كما التقى الوفد التركي رئيسَ الوزراء اللبناني حسان دياب.

أقطاي عون

وكان الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، قد اتصل بعد الانفجار بالرئيس عون وقدَّم له التعازي، وأكد وقوف أنقرة إلى جانب لبنان في هذه الأزمة، كما انضمت فرق الإغاثة التركية إلى عمليات الإنقاذ منذ اللحظات الأولى.

وقال أقطاي إن مساعدات بلاده للبنان مستمرة، وإنه جرى إرسال مشفيَين ميدانيَّين ومستلزمات ومعدات طبية و400 طن من القمح والمواد الغذائية إلى بيروت، مضيفاً: "لدينا معلومات بأن كل المنازل والبيوت والمباني في ضواحي بيروت تكسرت، وهناك احتياجات كبيرة".

وتابع: "تركيا مستعدة لتقديم المساعدة وتزويد لبنان بكل هذه المستلزمات.. كما أن ميناء مرسين التركي المطل على البحر المتوسط سيكون في خدمة اللبنانيين حتى ترميم مرفأ بيروت".

ليس وقت المتاجرة

الكاتب الصحفي والمحلل السياسي التركي حمزة تكين، قال إن زيارة الوفد التركي الذي يرأسه نائب الرئيس ويضم وزير الخارجية مولود تشاووش أوغلو، لا علاقة لها بالمنافسة السياسية ولا بالصراعات الإقليمية نهائياً، مضيفاً أنها زيارة إنسانية تضامنية بامتياز، وأن ما خرج من تصريحات يؤكد ذلك.

واعتبر تكين في تصريح لـ"الخليج أونلاين"، أنه من المعيب أن تستثمر الدول هذه المأساة الإنسانية لتحقيق مصالح سياسية، مؤكداً أن تركيا فقط أرادت تأكيد تضامنها الإنساني مع بيروت، واستعدادها لتقديم كل ما تطلبه الجهات الرسمية اللبنانية من دعم لتجاوز هذه المحنة.

ما يبرز الفارق في الزيارتين، يضيف تكين، هو أن الوفد التركي احترم الدولة اللبنانية وشعبها في تصريحاته التي لم تخرج عن تأكيد التضامن وإبداء الاستعداد لتقديم المساعدة وإصلاح مرفأ بيروت، في حين سار ماكرون بشوارع بيروت كأنه رئيس الدولة، ووصل به الأمر إلى إعطاء أوامر بتشكيل حكومة وفتح تحقيق وما إلى ذلك من الأمور التي تعكس الفارق بين دوافع الزيارتين.

وخلص المحلل التركي إلى أن الموقف التركي من لبنان بعيد عن أي صراعات سياسية مع أي طرف، وأنه يهدف فقط إلى التعبير عن التضامن الإنساني مع بيروت، بغض النظر عما تعنيه زيارات الآخرين.

ما الذي يريده ماكرون؟

خلال الزيارة، خاطب ماكرون حكام لبنان بلهجة حازمة، مطالباً إياهم بتنفيذ إصلاحات مُلحّة، قائلاً: "أنتظر من السلطات اللبنانية أجوبة واضحة حول تعهداتها بالنسبة لدولة القانون والشفافية والحرية والديمقراطية والإصلاحات الضرورية"، مطالباً بـ"إعادة تأسيس ميثاق جديد"، وإجراء الإصلاحات التي يطالب بها المجتمع الدولي، وإعادة الثقة وبناء الأمل عبر تأسيس نظام سياسي جديد.

وأضاف أن المبادرة التي عرضها على المسؤولين الذين التقاهم تقوم على "تحمّل مسؤولياتهم خلال الأسابيع المقبلة، وإطلاق الإصلاحات، وتشكيل حكومة وحدة وطنية خلال الأشهر القادمة، وإنهاض البلاد"، مشيراً إلى أنه سيعود في سبتمبر؛ لـ"إجراء تقييم" للوضع.

وتعتبر زيارة الرئيس الفرنسي العاجلة لبيروت، برأي البعض، خطوة طبيعية تتماشى مع نظرة باريس إلى لبنان على أنه "حصتها" في الإقليم. كما أنها ليست المرّة الأولى التي يهرع فيها رئيس فرنسي لنجدة لبنان.

ففي العام 2005، ركب الرئيس الفرنسي الراحل جاك شيراك طائرته بعد التفجير الذي أودى بحياة رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، وحطّ في بيروت لمواساة العائلة. كما ساد الحداد الإعلام اللبناني المحلّي، عند وفاة شيراك العام الماضي، في استذكار "صديق لبنان الكبير".

إحياء القديم

لكن الحضور الفرنسي الأخير في أزمة لبنان قد لا يكون بشير خير كما يرى البعض؛ إذ كان إصرار اليمين اللبناني على التماهي في الثقافة الفرنسية كهوية للبنان، أحد أسباب الحرب الأهلية التي اندلعت عام 1975؛ نظراً إلى تمسك اليسار والتيارات القومية بالهوية العربية للبلاد.

ويمكن القول إن هذا الحضور الفرنسي قد يحيي الحساسيات القديمة، الطائفية بالأساس؛ لكون السياسيين الموارنة خصوصاً، والمسيحيين عموماً، قريبين من دول الغرب، وفي مقدّمتها فرنسا؛ بل إن أدبيّات التيارات الطائفية المسيحية تقول إن فرنسا ستهبّ دوماً لحماية المسيحيين في لبنان من أيّ خطر وجودي.

ومنذ وصوله إلى الحكم يبدو الرئيس الفرنسي غير راضٍ عن الدعم الذي تقدمه تركيا للشعوب العربية التي تواجه أزمات مصيرية وحروباً أهلية أشعلتها الثورات المضادة والتدخلات الغربية في شؤون هذه البلاد، كما لا يبدو الرئيس التركي مستعداً للتغاضي عن محاولات ماكرون فرض رؤيته في عدد من الدول العربية وفي مقدمتها ليبيا وسوريا.

ودعمت باريس المسلحين الأكراد على الحدود السورية التركية، واستقبلت قادتهم في الإليزيه عام 2017، رغم تصنيف أنقرة لهم كجماعة إرهابية، قبل أن تبدأ الأخيرة بإنهاء وجودهم على حدودها عبر عمليات في الشمال السوري كـ"غصن الزيتون" في يناير 2018، و"نبع السلام" في أكتوبر 2019.

وفي ليبيا، ظهر ماكرون بمظهر الوسيط، فجمع رئيس حكومة الوفاق المعترف بها دولياً واللواء المتقاعد خليفة حفتر، الذي يسعى للسيطرة على البلاد بقوة السلاح، في باريس عام 2017، لكنها ظلت تدعم الأخير في الخفاء، حتى تدخلت أنقرة مطلع العام الجاري، وساعدت الحكومة الشرعية في دحر قوات حفتر التي كانت على تخوم طرابلس.

وبسبب الأزمة الليبية تبادل زعيما تركيا وفرنسا الاتهامات، ففي حين وصف ماكرون ما يقوم به أردوغان في ليبيا بـ"اللعبة الخطرة"، قال الأخير إن الرئيس الفرنسي مسؤول عن جرائم الحرب التي ارتكبتها قوات حفتر بحق المدنيين الليبيين.

مكة المكرمة