سودان ما بعد البشير..شهر من الإنجازات والإخفاقات

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/64XDan

شهدت الساحة السودانية قدراً غير مسبوق من التجاذب والاستقطاب

Linkedin
Google plus
whatsapp
الأحد، 12-05-2019 الساعة 22:14

شهر مر على انقلاب الجيش السوداني على الرئيس المخلوع عمر البشير (11 أبريل الماضي)، شهدت أيامه قدراً غير مسبوق من التجاذب والاستقطاب والسيولة في الساحة السودانية، ممّا خلق جواً من الضبابية التي حرمت المراقبين من القدرة على التنبؤ بمآلات قطعية للعملية السياسية الجارية في البلاد.

حراك وإنجازات

يرى كثير من المتابعين للشأن السوداني أن إحدى أبرز سمات الشهر المنقضي كانت جولات التفاوض المتتابعة بين قوى الحرية والتغيير المسنودة بالاعتصام الشعبي حول مقر قيادة الجيش في الخرطوم من جهة، والمجلس العسكري الانتقالي من جهة أخرى، وما رافقها من أداء وتلاها من مخرجات تفاوتت حولها الرؤى والتقييمات.

الباحث السياسي السوداني أبو بكر عبد الرازق يرى، في تصريحه لـ"الخليج أونلاين"، أن هذا الشهر حمل الكثير من الإنجازات السياسية لعل أبرزها "إسقاط البشير وخَلَفه ابن عوف (من رئاسة المجلس العسكري الانتقالي)".

أما الإنجاز الأهم على صعيد الحركة الجماهيرية- برأي عبد الرازق- فقد كان "الوعي العميق بمخاطر أنصاف الثورات، ولذلك نجد الجماهير ما تزال في ميادين الاعتصام تطالب بتحقيق جميع مطالب الثورة".   

ويرى الكاتب والإعلامي السوداني حامد الناظر، في إفادة لـ"الخليج أونلاين"، أن هذا الإنجاز في الوعي يتجلى في جموع كبيرة من الشباب "دون الثلاثين، ولدوا وتربوا خلال حقبة البشير ودرسوا في المدراس والجامعات التي أنشأها النظام أو التي وضع لها المناهج، لكنهم على الرغم من ذلك تمردوا على الحالة السياسية بوعي يفوق أعمارهم وتجاربهم".

وبحسب بعض الدراسات فإن من السمات المميزة للثورة السودانية أن قوامها البشري يتكون أساساً من الشباب من مناطق السودان المختلفة وبمشاركة نسوية لافتة، وبحسب إحصاءات الأمم المتحدة فإن الشباب دون 24 عاماً يشكلون ما نسبته 61.6% من مجموع السودانيين.    

أما الإخفاقات..

وبينما يرى أبو بكر عبد الرازق أن أحد إنجازات هذا الشهر "تحرير بعض النقابات المهمة من سيطرة النظام القديم، كنقابة المحامين والصحفيين، وصدور قرار بحل جميع النقابات السابقة"، ينحو الكاتب والباحث السياسي خالد الفيل منحى مغايراً؛ إذ يرى أن "من أهم الإخفاقات عدم السعي الجاد في تطوير قوى المجتمع المدني وبصورة رئيسية أعني النقابات، فحتى الآن لا توجد أي مجهودات حقيقية لتكوين لوائح انتخابية للنقابات العمالية وإعادة انتخاب وتفعيل هذه النقابات. وهذا أمر منفصل عن الحراك الثوري، وليس هناك أي مبادرة حتى الآن في تحقيق هذا الملف".

أهم الإخفاقات- بحسب عبد الرازق- هي "الاتجاه للتفاوض مع المجلس العسكري الحالي، إذ كان الأصح منذ البداية هو رفض أي تفاوض ورفع شعار تسليم السلطة للمدنيين بالكامل".

أما الكاتب والإعلامي السوداني حامد الناظر فيضيف لـ"الخليج أونلاين" أنه إن كان ثمة إخفاق فهو عدم وضوح الرؤية فيما يخص مرحلة ما بعد سقوط رأس النظام، فرغم تصميم قوى إعلان الحرية والتغيير للإعلان الخاص بمرحلة ما بعد البشير لكنه يبقى- بحسب الناظر- "عمومياً في أفكاره ولا يتضمن الكثير من التفاصيل، وهذه هي مرحلة التفاصيل، لذلك نرى الاختلافات بين وقت وآخر حول مسائل بديهية حسمها إعلان الحرية والتغيير، لكنه لم يتحدث عن تفاصيلها، مثل صلاحيات المجلس السيادي والحكومة وتقاطع تلك الصلاحيات وآليات حسمها، وآليات اتخاذ القرار".

في حين يرى خالد عثمان الفيل أن من أهم الإخفاقات "اضطراب قادة الحراك في تعاملهم مع المجلس العسكري، وهو ما مكّن الأخير من إحداث مماطلة حقيقية طوال الشهر الماضي، وعدم الوصول إلى اتفاق على خريطة طريق للفترة الانتقالية"، مضيفاً إلى ذلك "إخفاق القوى المعارضة في إدارة التوافق الداخلي بين القوى الثورية، والإصرار فقط على تمثيل القوى الموقعة على إعلان الحرية والتغيير".

والمجلس العسكري الانتقالي الذي يدير البلاد الآن تشكل عقب الإطاحة بالبشير في 11 أبريل 2019، وطرأت على عضويته (10 أفراد) تغييرات مختلفة استجابة للرفض الشعبي لبعض أفراده، ويرأسه الآن الفريق الركن عبد الفتاح البرهان ونائبه الفريق أول محمد حمدان دقلو (حميدتي).

تحديات داخلية وخارجية

وبسؤال الباحث السياسي أبو بكر عبد الرازق عن أبرز التحديات التي تواجه الحراك الثائر الآن أجاب "الخليج أونلاين" أن "أبرز التحديات الآن هي فرض مطالب الثورة على مجلس عسكري اتضح أن لديه رغبة وطموحاً كبيرين في الحكم".

في حين ذهب الكاتب والإعلامي السوداني حامد الناظر إلى التفصيل أكثر؛ إذ أكد أن التحديات متنوعة وعلى أكثر من صعيد؛ "منها ما هو داخلي متعلق بالتركة الثقيلة لنظام البشير، وبالتركيبة المعقدة لنظامه السياسي والأمني في البلد، بعد تجربة شمولية امتدت لثلاثين عاماً، والذي لا يمكن إزاحته في غضون أسابيع أو أشهر قليلة، أو حتى سنوات"، مضيفاً أن بنى الأحزاب السياسية تعاني تشوهات وتكلساً "بسبب غيابها الطويل عن الممارسة السياسية في بيئاتها الطبيعية، وهذا ما يتسبب اليوم في إرباك المشهد على نحو مقلق".

وبحسب الناظر فإن هشاشة الوضع الاقتصادي والتدخلات الخارجية تزيدان المشهد السوداني إرباكاً.  

ومن الجدير بالذكر أن الوضع الاقتصادي المتردي كان أحد أسباب الاحتجاج الرئيسية؛ حيث أدى الفشل في إدارة الاقتصاد نتيجة الحصار الخارجي والفساد المستشري في مفاصل النظام إلى انهيار في الاقتصاد ظهرت بوادره مع انفصال الجنوب مطلع 2011، الذي كانت إيرادات نفطه تساوي نصف إيرادات السودان، وفي غياب الحلول الاقتصادية الناجعة عمدت الدولة إلى رفع الدعم جزئياً عن الوقود والكهرباء والدواء مطلع 2016، فارتفع التضخم حتى بلغ، منتصف العام الماضي، 62% تقريباً، وانهارت قيمة العملة أمام الدولار من 12 جنيهاً مطلع 2016 إلى ما يزيد على 60 جنيهاً أواخر 2018.

وأكد الباحث الفيل لـ"الخليج أونلاين" أن من التحديات المهمة "إدارة ملف ما يعرف بالمليشيات غير الرسمية؛ أعني بذلك قوى الدعم السريع، وإن كانت هذه القوى منخرطة، أو هي رسمياً تحت الجيش السوداني، لكن لها قيادة مستقلة، ولها دعم، ولها مصادر مالية مستقلة، وهذا ما يجعلها أشبه بمليشيات عسكرية غير رسمية". وليس ببعيد عن ذلك يرى الفيل أن ممّا سيضمن انتقالاً ديمقراطياً حقيقياً "الإدارة الحكيمة والمتزنة لملف العلاقات المدنية العسكرية، وخصوصاً أن الجيش متغول في الاقتصاد ومرتبط أيضاً بقوى إقليمية خارجية".

ومن أهم التحديات- وفقاً للفيل- "الوصول إلى توافق سياسي بين قوى المعارضة، وتحديداً بين قوى إعلان الحرية والتغيير، وإحداث توافق داخلي فيما بينها، وتوافق خارجي مع باقي القوى السياسية المعارضة غير الموقعة على إعلان الحرية والتغيير"، مضيفاً: "والتحدي الثاني الذي يواجه الحراك هو تحدي الاستقطاب حول هوية الدستور، إسلامية أم علمانية".

ولم تغب القوى الخارجية والصراع الدولي على المصالح عن ساحة الحراك السوداني خلال الشهر الماضي، وهو ما أوجد تحدياً جديداً يتمثل بشكل أكثر وضوحاً- بحسب الفيل- في "تدخل عدد من الدول المجاورة، وتحديداً المحور الخليجي، وهناك عدد من المؤشرات التي تدل على انخراط هذا المحور في المجريات السياسية الحالية، وعملية الانتقال الديمقراطي في السودان".

وكان من اللافت اندفاع المحور الإماراتي السعودي في دعم المجلس العسكري مبكراً، من خلال التواصل مع الأخير والإعلان عن حزم مساعدات مالية عينية بمبالغ ضخمة "لمساعدة الشعب السوداني"، بالإضافة إلى التواصل مع قادة وقوى في المعارضة السودانية، وهو ما قابله رفض من الثوار السودانيين الذين يتخوفون من تكرار تجارب سابقة ساند فيها المحور المذكور المعسكر المضاد لثورات الربيع العربي وساند تحولها إلى ديكتاتورية قمعية كما في مصر.

مكة المكرمة