سياسة الرياض الجديدة.. استراتيجية "العاصفة" تنهي عهد الهدوء

أدى الإعلام السعودي دوراً قوياً في تسليط الضوء على اضطهاد النظام الإيراني للسنة

أدى الإعلام السعودي دوراً قوياً في تسليط الضوء على اضطهاد النظام الإيراني للسنة

Linkedin
Google plus
whatsapp
الثلاثاء، 11-10-2016 الساعة 17:12


عزفت الدبلوماسية السعودية سيمفونية جديدة في سياستها واستراتيجيتها الخارجية، ليست العملية العسكرية "عاصفة الحزم" التي تقودها في اليمن إلا أيقونتها وعلامتها الفارقة.

فقد كان لتطور الأحداث في المنطقة العربية والخليجية دور فعال في تخلي الرياض عن سياسة الهدوء القديمة، ورسم السياسة الجديدة التي يمكن تسميتها بـ"العاصفة"، فضلاً عن تدخلات إيران في الشأن العربي والخليجي؛ ما كان سبباً في التواصل السعودي مع الأحواز، وصولاً لباكستان، وليس انتهاءً بتطور الأحداث في كل من سوريا واليمن.

اقرأ أيضاً :

هل ستشهد سوريا مواجهة عسكرية أمريكية روسية؟

وكان تصويت مصر لمصلحة مشروع القرار الروسي، في مجلس الأمن الدولي بشأن الأزمة السورية، إلى جانب الصين وفنزويلا، قد أثار موجة انتقادات رسمية لا سيما من قبل السعودية وقطر، إضافة إلى ردود أفعال في الشارع العربي؛ ما اعتبره كثيرون موقفاً متخاذلاً لا ينم عن انتماء للوحدة العربية.

موقف النظام المصري المتخاذل كان عرضةً لمطالبات عدةً بوقفة حاسمة بسبب تخلي النظام المصري عن دعم القضايا العربية، ومنها مطالبات بوقف إمدادات الرياض النفطية إلى مصر، تعبيراً عن رفض سعودي رسمي لهذا الموقف المتخاذل للعروبة وقيم الأوطان.

وفور اتخاذ السعودية قرارها بوقف الدعم النفطي، بدا للعيان قوة وأدوات الدبلوماسية السعودية التي ترسم من خلالها سياستها الخارجية، وعلاقتها بباقي الدول؛ ما جعل السعودية، مؤخراً، مصدر اهتمام الدول لبحث أدوات نفوذها وأين تكمن قوتها في التحرك خارجياً، خاصةً أن ثمة لقاءات مع روسيا انتهت بعقود في مجالات شتى؛ الأمر الذي فسره البعض برغبة سعودية لاستمالة الدب الروسي والضغط عليه ليتحرك وفق أجندات تفاهمية ومصالح مشتركة.

رد الفعل السعودي على قانون جاستا أظهر أيضاً قوة المملكة وامتلاكها لأدوات جاهزة للرد على القانون إن لم تتخذ الإدارة الأمريكية قراراً بإلغائه، حيث ألمحت بإمكانية بيع أصولها في أمريكا حال تنفيذ القانون، وتبنت حراكاً دولياً حول خطورة القانون ليس على السعودية فحسب، وإنما على العالم أجمع.

كان لتولي الملك سلمان مقاليد الحكم ووصول الأجيال الشابة لمناصب حساسة بالدولة، وعلى رأسهم ولي ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، دور بارز في محاصرة إيران دبلوماسياً تجاوزت تحركات الأخيرة، التي توقعت يوماً أن إثارتها للقلاقل في الداخل السعودي، ودعم حوثيي اليمن واعتداءاتهم على الجنوب السعودي، وتشكيل مليشيات شيعية في العراق، أنها بذلك كله قد أوقعت السعودية بين فكي كماشتها، وتحركها كيفما شاءت، غير أن الدبلوماسية السعودية قلبت عليها الطاولة، منذ حادثة الاعتداء على مقراتها الدبلوماسية في طهران ومشهد؛ وذلك من خلال قطع العلاقات ومتابعة عدد من الدول العربية والإسلامية السعودية في هذه الخطوة.

أدى الإعلام السعودي دوراً قوياً في تسليط الضوء على اضطهاد النظام الإيراني واستهدافه العرب السنة في الداخل الإيراني، ودعمت الحركات الأحوازية في توصيل رسالتهم إلى العالم؛ الأمر الذي أسفر عنه لأول مرة أن أحرق المتظاهرون مقرات الباسيج؛ ما كان مؤشراً قوياً في تطور العلاقة بين النظام الإيراني ومعارضيه، ومن ثم كان أحد الصفعات السعودية القوية لإيران.

اقرأ أيضاً :

سواحل اليمن.. ميدان جديد للصراع والمليشيات تهدد الملاحة الدولية

ثمة إرهاصات علت، في فترةٍ ما، حول تكوين مثلث استراتيجي يجمع بين السعودية وتركيا وباكستان، في وقتٍ يلوح انسحاب أمريكي تدريجي من منطقة الشرق الأوسط، في عزوف تام عن التورط في أي صدامات مباشرة بالمنطقة، وتخفيفاً من أعباء الإدارة الأمريكية؛ ما جعل التحالف السني المذكور أمراً ملحاً في ظل مواصلة إيران تدخلاتها، ومراقبة إسرائيلية لتطور الأحداث.

عاصفة الدبلوماسية السعودية لم تتوقف عند إيران وروسيا ومصر، بل أدت دوراً بارزاً في توطيد العلاقات مع عديد من الدول، ومنها استقبالٌ حافلٌ لرئيس أذربيجان، في أبريل/نيسان 2015، وهو ما كان تطويقاً استراتيجياً لإيران؛ نظراً لمجاورتها لأذربيجان، واللتين يجمعهما خلاف كبير.

القارة السمراء كان لها أهمية كبرى لدى الخارجية السعودية، حيث شهدت مبادرات وزيارة رؤساء دول إلى السعودية، وإعلاناً صريحاً من السودان وجيبوتي بالوقوف بجانب السعودية حال الاعتداء عليها من إيران، وفي التحالف العربي الذي لا يزال يتصدى للحوثيين في اليمن.

الأوراق التي تمتلكها السعودية، سواءٌ كانت أوراقاً ناعمة أو خشنة، منحت السعودية مزيداً من النفوذ الإقليمي الذي كان قائماً بالفعل لكنه لم يكن مفعلاً، وذلك في حين ترقبها عين إيرانية وأخرى إسرائيلية، غير أن هذه الأوراق لا زالت قيد التطوير والتنويع بما يغطي مصالح المملكة المتنامية في ضوء المخاطر الاستراتيجية المتصاعدة إقليمياً ودولياً.

التحركات السعودية في محيطها الإقليمي كان أحد أسبابها الشعور بالمسؤولية، فضلاً عن كونها تعبيراً عن قوة ورغبة داخلية للقيام بأعباء القوة الصاعدة إقليمياً، خاصةً أنها تعيش، بل تعاني تداعيات الأزمات في المنطقة.

أمرٌ آخر لعبت عليه الدبلوماسية السعودية وهو معرفتها واطلاعها على أزمات المنطقة والدول التي تحاول الاعتداء عليها، فكان اللعب على أزمات الداخل مثلما فعلت مع إيران وأزماتها في الداخل من انتشار الفقر والبطالة وإهدار حقوق الإنسان، وقضايا الأحواز والبلوشستان وغيرهما.

اقرأ أيضاً :

"جاستا".. سلاح أمريكي موجه لرأس الولايات المتحدة

التحديات التي تواجهها السعودية واللعب الدولي على مصطلح الإرهاب دون تعريفه وتحديد ماهيته، كان من الأدوات التي قررت الرياض استخدامها أيضاً، خاصةً أنه جاء منسجماً مع طبيعة التحديات التي تواجه المنطقة؛ وهو ما بدا واضحاً عندما أدرجت حزب الله وبعض المنظمات الأخرى على قائمة الإرهاب.

القراءة الواعية للأحداث جعلت السعودية تتحرك بثقة وثبات، فبرغم إدارج الرياض جماعة الإخوان المسلمين في مصر كـ"جماعة إرهابية" إلا أنها لم تطبق هذا الإدارج في أغلب الأحيان، فضلاً عن عدم شمول البيان باقي فروع الإخوان بالعالم العربي، وحتى في الداخل السعودي؛ ما كان دليلاً على أن الرياض تعمل على قناعة بإمكانية احتواء بعض القوى ومحاولة إدماجهم في الحياة السياسية، ضمن معايير لا تكون سبباً في زعزعة الاستقرار وأمن الدول، فضلاً عن انفتاحها على بعض القوى الإسلامية الأخرى في محاولة لدمجها ضمن العمل السياسي وتوافق مجتمعي يقبله الجميع.

وفي قمة العشرين الأخيرة سبتمبر/أيلول الماضي، لوحظ اهتمام الصين بدعوة السعودية لبذل جهود مشتركة لإنجاح القمة في تعزيز النمو الاقتصادي العالمي وتطوير الحوكمة العالمية؛ ما يعتبر رسالة واضحة للقمة بأهمية الدور السعودي ليس على مستوى القمة فحسب، وإنما لوضعها "الجيو اقتصادي سياسي" في قمة العشرين، وانطلاقها كلاعب إقليمي ذي دورٍ فعالٍ ومؤثر بالمجموعة الاقتصادية.

مكة المكرمة