صيام وعبادة بالخفاء.. هكذا هو رمضان في سجون الأسد

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/G8NnbM

العُلبي قضى 3 سنوات في سجون النظام وحُكم بالإعدام

Linkedin
Google plus
whatsapp
الاثنين، 13-05-2019 الساعة 12:55

لم يكن يعلم إبراهيم أن زيارته إلى مقهى الإنترنت في الحي الذي كان يعيش فيه بالعاصمة السورية دمشق ستؤدي به إلى سجون نظام بشار الأسد مدة ثلاث سنوات.

إبراهيم العلبي، شاب سوري اعتُقل قبيل انطلاق الثورة السورية بسنوات، بعد أن وشى به أحد أصحاب المقاهي التي كان يتردد إليها لمتابعة أخبار المعارضة و"جماعة الإخوان المسلمين" ونشاطات أخرى.

وبعد أن تنقّل السجين السوري المحرر بين مراكز الاحتجاز وأفرع الأمن، وجد نفسه أخيراً في سجن "صيدنايا" سيئ الصيت، والذي يقع على بعد 30 كيلومتراً شمالي دمشق.

وفق ما يسمى "القانون 49" حُكم العُلبي بالإعدام؛ بتهمة الانتماء إلى "الإخوان"، لكن الحكم خُفف لاحقاً إلى ما بين 12 و15 عاماً، وفق ما هو معمول به في فترة ما بعد التسعينيات.

أكثر من 1100 يوم قضاها العلبي في سجون النظام، عاش منها نحو 90 يوماً صائماً متعبداً في ظروف اعتقال قاسية وحارة جداً، قبل أن يُفرج عنه بموجب قرار عفو رئاسي أصدره الأسد في الفترة الأولى من الثورة.

إفطار وطقوس باردة

وفي غرفة الاعتقال أو "المهجع" يعلم المسجونون بقدوم الشهر الفضيل من خلال الجريدة الرسمية التي كانت تصل إلى السجن، بخلاف باقي مراكز الاعتقال التي كانت تعلم بدخول رمضان عبر السجّان وتغير أوقات الطعام.

يقول العُلبي لـ"الخليج أونلاين" إن "سجَّانِيْ النظام لا يراعون شهر رمضان ولا طقوس العبادة، إذ كانوا يتقصدون إدخال الطعام في غير وقته، وهي وسيلة لابتزاز السجين والضغط عليه".

يُحضِر السجان الطعام عند الساعة الرابعة عصراً في رمضان، أي قبل 3 أو 4 ساعات من موعد الإفطار. وهنا يحاول إبراهيم ورفاقه المعتقلون الحفاظ على حرارته لكي يأكلوه ساخناً، على الرغم من رداءة جودته.

"لكل واحد منا قصعة (وعاء) يوضع فيها الأكل الذي يكون عادة الأرز أو طعاماً مطبوخاً. نلفه بالبطانية حتى يبقى دافئاً ولو بشكل خفيف"، يضيف إبراهيم قبل أن يؤكد أن "الأكل يكفي لتسد جوعك لكنك لا تشبع".

الأكل يختلف من سجن لآخر؛ ففي "صيدنايا" مثلاً يعتبر أفضل الأسوأ مقارنة بالسجون الأخرى التي سُجن فيها إبراهيم، إذ إنه يكون مطبوخاً إلى حد ما، لكن جودته سيئة.

وكان يتشارك إفطار رمضان مع أصدقائه في السجن، فيقول: "السجناء يشترك بعضهم مع بعض. كل اثنين أو ثلاثة أو خمسة على سفرة واحدة، وأحياناً يفضل أن يفطر السجين وحيداً".

لكن ثمة شيء كان يعين المعتقلين على قلة الأكل ورداءته؛ وهذا متعلق بطلب الطعام من مقصف السجن، غير أن الأمر محكوم بأصناف محدودة تحددها إدارة السجن.

يروي إبراهيم تجربته في هذا السياق: "كنا نسجل احتياجاتنا في قائمة، المسموح لنا خمسة أصناف، وتكون في الغالب معلبات كالسردين والفول. كنا نضيفها إلى السفرة مع وجبة السجن".

ويشير إلى عدم وجود ثلاجة لحفظ الأطعمة وتبريد الماء أو غاز للطبخ، وهو ما اضطره ورفاقه إلى صنع سخان مياه باستخدام أسلاك الكهرباء مع إدخال تعديلات بسيطة.

ويقول: "السخان الكهربائي أحدث فرقاً بالنسبة لنا. كنّا نسخن الطعام قليلاً ونصنع القهوة والشاي، ومَن تضبط معه هذه الأداة يعاقب، لكن الأمر أصبح أكثر مرونة مع مرور الأيام".

العزل الانفرادي عقوبة الصلاة

طقوس رمضان معدومة في سجون النظام، واليوم الرمضاني -بحسب العلبي- كباقي الأيام، لكن المختلف هي أوقات الطعام، وهذا يدفع السجناء إلى قضاء أوقاتهم في التعبد وقراءة القرآن.

في الأشهر الأولى التي وصل فيها إبراهيم إلى السجن كانت الصلاة "ممنوعة"، وعقوبة من يؤديها "المنفردة (العزل الانفرادي) أو الشبح أو الدولاب (إحدى وسائل التعذيب)".

كان إبراهيم والسجناء الآخرون يعجزون عن الصلاة بشكل جماعي خوفاً من العقوبة، فيلجؤون للتعبد بشكل فردي، سواء في رمضان أو غيره من الأيام العادية.

يقول العُلبي: "خاطرنا وصيلنا ذات مرة لكنهم أمسكوا بنا. لا يمكننا الصلاة أكثر من شخصين، وفي رمضان نصلي التراويح بشكل فردي. لاحقاً تغير الأمر قليلاً، لكن الصلاة ظلت تؤدى بشكل سري وسريع للغاية".

وعن أجواء التعبد داخل السجن يروي إبراهيم أن شيخاً حافظاً للقرآن بسند متصل كان من بين المعتقلين في نفس المهجع، وهذا الشخص كان يمثل أحد أهم طقوس الشهر الفضيل.

ويقول: "كل السجناء في رمضان كانوا يقضون وقتهم -بعد الاستيقاظ من النوم وحتى موعد الإفطار- بقراءة القرآن وحفظه. كنا نسمّع للشيخ ويسمّع لنا. خصصنا وقتنا لقراءة القرآن والتسميع وليس هناك نشاط آخر".

والطقوس مع الصلاة تنطوي أيضاً على قراءة القرآن، فذلك يتم سرياً وبصوت منخفص وبشكل منفرد، "فقراءته بصوت عالٍ يُعاقَب عليها بالمنفردة".

الهروب إلى النوم

جاء رمضان على سجن "صيدنايا" خلال الفترة التي قضاها إبراهيم، في شهري يوليو وأغسطس، إذ كانت درجات الحرارة مرتفعة جداً، وذلك يعيق نشاطهم داخل السجن.

يقول إبراهيم إنه كان يقضي معظم وقته في النوم هرباً من ارتفاع الحرارة؛ "بعد الفجر بساعة أو اثنتين نخلد إلى النوم ونفيق عند الثالثة أو الرابعة عصراً".

رمضان -كما يقول السجين المحرر- كان أكثر تعباً وعبئاً مقارنة بالأيام العادية؛ بسبب ارتفاع درجات الحرارة بشكل مفرط وغياب المراوح ووسائل التكييف.

وعندما سألناه عن أكثر ما افتقده خلال شهر رمضان، أجاب بعد أن توقف بُرهة بضحكة مملوءة بالغصة: "سؤال صعب؛ لكن كانت لحظة الإفطار هي الأقسى مع غياب الأهل. كل يوم إفطار في رمضان غصة بسبب غيابهم".

وعن سهرات السجن يقول العلبي: "في الأيام العادية كان شخص يحكي تجربته ويفتح مجالاً للنقاش، أو نلعب الشطرنج والورق (الشدّة)، لكن في رمضان يصبح التركيز على العبادات والقرآن".

مكة المكرمة