"ضمير" الكويت وراء القضبان

حبس البراك.. امتحان الكلمة بـ"القضبان"

حبس البراك.. امتحان الكلمة بـ"القضبان"

Linkedin
Google plus
whatsapp
الأحد، 22-02-2015 الساعة 12:19


كان ذلك في عام 2012، حينما حصل المعارض الكويتي البارز مسلّم البراك على أعلى عدد من الأصوات في التاريخ البرلماني الكويتي، جامعاً نحو 31 ألف صوت في دولة عدد سكانها دون الـ4 ملايين نسمة. يومذاك كان البراك صاحب "الذِّكر" الذي لا ينقطع عن ألسنة الكويتيين، واليوم هو كذلك، بعد أن نال، اليوم الأحد، حكماً بالحبس سنتين مع الشغل والنفاذ، بعدما رأت محكمة الاستئناف أنه "مسّ بالذات الأميرية".

جاء الحكم ليصب زيتاً قضائياً في نارٍ سياسية مشتعلة، أصلاً، في الكويت؛ فالرجل الذي يلقب، على نطاق واسع، بـ"ضمير الأمة" له امتداد عريض في الشارع الكويتي، ويحظى بشعبية جارفة، صنعتها مواقفه السياسية، ومناوشاته الدائمة للحكومات الكويتية المتعاقبة.

في الكويت، الآن، أصوات متصاعدة تربط الحكم القضائي، بطريق الاستنتاج ودون أدلة، بمواقف مسلم البراك السياسية، وبنشاطه الواسع في مراقبة الأداء الحكومي الذي طال أفراداً في الأسرة الحاكمة، كما حصل بُعيد انتخابات 2012 البرلمانية الشهيرة التي حصدت فيها المعارضة أغلبية المقاعد، والتي شكل بعدها مسلم البراك وزملاؤه لجاناً للتحقيق في الفساد، وصلت أيديها إلى عدد من أعضاء الأسرة الحاكمة الذين تم استدعاؤهم للمثول أمامها تحت قبة مجلس الأمة الكويتي، وكان منهم وزير الخارجية السابق محمد الصباح، الرجل القوي في الأسرة. لكن أحكام القضاء، بعد ذلك، عبست في وجه تلك الانتخابات، وحكمت ببطلان برلمان 2012.

"يا مسلّم"

في ذلك التاريخ اشتعلت نقاط التماس بين المعارضة والحكومة، وأخذت منحىً تصعيدياً ازداد فيه نشاط البراك وزملائه الذين وقفوا في الصفوف الأمامية ضمن حراك سياسي اتخذ له شعاراً "يا مسلم يا ضمير الشعب كله"، ولم ينته حتى الآن.

مسلم البراك، الذي ولد في عام 1956 وتخرج في كلية الجغرافيا، هو "الرجل الهمجي" عند معارضيه، و"صوت الشعب" عند أطياف من الشعب الكويتي.

شكل وجبة سياسية دسمة لنشرات التلفزيونات وصفحات الجرائد، وضيفاً شبه دائم على جدول أعمال مجلس الوزراء، بما يتمتع به من نزق ثائرٍ ورثه عن أبيه الذي مارس العمل السياسي في مرحلة باكرة من عمر الكويت السياسي، عندما شارك في عام 1938 في أول إضراب عرفته دولة الكويت ضمن ما سمي "إضراب سائقي التاكسي"، والذي سجن بسببه أياماً عدة، قبل أن يصبح لاحقاً عضواً في البرلمان.

وسار البراك الابن، بـ"وفاء" نادر، على درب أبيه، واقتحم السياسة من بوابة النقابات، فترأس نقابة عمال البلدية والإطفاء، ثم شغل مناصب قيادية أخرى، قبل أن يصبح الأمين العام للاتحاد العربي لعمال البلديات.

تدرّجه صعوداً في العمل السياسي أكسبه شجاعة كانت، خلال عمله النقابي، سبيله المثلى لقيادة مظاهرات "القميص والبنطلون" الشهيرة، رفضاً لقرار الحكومة بارتداء لباس رسمي للعمل خلافاً للزي الوطني، مُرغماً الحكومة على التراجع عن قرارها. ذاك كان أول أهداف مسلم البراك في مرمى الحكومة الكويتية.

الرجل الثالث

تلك المظاهرات "كشفت الستر" عن مواهب قيادية في شخصية مسلم البراك، ونسجت عرشاً له في قلوب الكويتيين، فاكتسب مزيداً من الثبات والقوة على طريق المعارضة السياسية في نقد أداء الحكومة، ودخل الانتخابات البرلمانية للمرة الأولى عام 1992 وحصل على 1341 صوتاً لم تمكنه من الجلوس على أحد كراسي مجلس الأمة الكويتي، لكن الرجل بعد ذلك التاريخ شق طريقه بقوة، و"مخر" عباب السياسة الكويتية، فحصد المركز الأول، بعدد الأصوات، في كل الانتخابات التي خاضها منذ عام 1996، باستثناء نسخة 2003 التي حلَّ فيها ثانياً دون أن يمنعه ذلك من دخول مجلس الأمة، بموجب القانون الذي كان يمنح العشرة الأوائل في كل دائرة انتخابية حق دخول البرلمان.

لم يكن تصنيف صحيفة نيويورك تايمز له كثالث أقوى معارض، ضد سرقة المال العام والفساد في العالم، من فراغ، فمع أن المادة 54 من الدستور الكويتي تنص على أن "الأمير رئيس الدولة وذاته مصونة لا تمس"، فإن صوت البراك تجاوز بكثير سقف المادة الدستورية، حينما اخترق كل الخطوط الحمر والاتفاقات الضمنية بين الحكومة والمعارضة، ووقف في ساحة الإرادة في العاصمة ووجه كلامه للأمير شخصياً، في ندوة عرفت باسم "كفى عبثاً"، ما كلفه حكماً بالسجن خمس سنوات. لكن الحراك الشعبي الذي هبَّ مناصراً له انتهى بإخلاء سبيله بكفالة نقدية بعد أيام من اعتقاله.

وأظهر مسلّم البراك، في تلك المعركة، عناداً شديداً، رغم أن الخصم المفترض هذه المرة كان الأمير ذاته، فقد قال حينها: "أقول للشعب سيكون البراك خلف القضبان أقوى من البراك خارج القضبان". وأعطت كلماته إيحاءً بأن الرجل ولد معارضاً بالفطرة.

ينتعش في الكويت، هذه الأيام، سوق التأويلات، وربط الأحداث بعضها ببعض، فذاكرة الكويتيين ما زالت "لزجة" بمسيرات 10 يونيو/ حزيران الماضي التي طافت شوارع العاصمة الكويتية، والتي اتهم فيها البراك عدداً من مسؤولي الحكومة السابقين، من بينهم أفراد في الأسرة الحاكمة، بسرقة 50 مليار دولار وإيداعها في مصارف دول عدة من بينها إسرائيل، ودعّم كلامه، أمام الآلاف من أنصاره في المسيرة، بعرض صور على شاشة عملاقة قال إنها لحسابات هؤلاء المسؤولين وتظهر تحويلات وإيداعات مالية ضخمة في حساباتهم.

ورُبطت هذه الاتهامات، في وقت لاحق، باتهامات ظهرت في شريط مصور حول تآمر مفترض لمسؤولين سابقين من أجل تنفيذ انقلاب، ورد في دعوى تقدم بها العضو في الأسرة الحاكمة الشيخ أحمد الفهد الصباح.

وآخر ذكرى تركها مسلم البراك في خطابه، كانت قطعة من القماش الأبيض في يده قال إنها كفنه في حال تمت تصفيته من قبل "الفاسدين" الذين يعمل على كشف فسادهم.

الكويت التي عدّت "واحة" في حرية التعبير داخل صحراء مقفرة متموجة بكثبان الأنظمة السياسية الشمولية، تراجعت، بحسب تقارير لمنظمات حقوقية عالمية، في ميدان هذه الحرية، وقد تشكل قضية مسلم البراك وجبة دسمة لتلك التقارير الحقوقية قريباً.

ومع هذا التراجع، فإن الكويت، كدولة، تحتضن رأياً واسعاً يؤمن بأن لسان مسلم البراك، الذي "غطى" كل نواحي الحياة السياسية الكويتية، وتجاوز كل منظمات حقوق الإنسان في تناوله لقضية "البدون"، باتهامه لجميع الحكومات السابقة بالتنصل من وعودها لهذه الشريحة المجتمعية الواسعة "المكتومة" الجنسية، لن "يبلعه" حكم قضائي.

لسان البراك لن يدخل في حلقه، كما يتوقع أنصاره، مستدلين بتصريحه بعيد حكم اليوم الأحد، في مؤتمر صحفي قال فيه: "إنه بأحكامهم اللي يصدرونها.. أعدكم وعد أنها لن تهزمني أمام نفسي". وأقسم، في مؤتمره، قائلاً: "سأجعل جدران السجن تضيق بمبادئي"، في إشارة إلى مواصلة نهجه المعارض للحكومة.

مكة المكرمة