طائرات غزة الورقية تلحق بـ"إسرائيل" خسائر مليونية

كيف حولت الطائرات الورقية غلاف غزة من الأخضر إلى الأسود؟

كيف حولت الطائرات الورقية غلاف غزة من الأخضر إلى الأسود؟

Linkedin
Google plus
whatsapp
الثلاثاء، 29-05-2018 الساعة 03:53


رغم بساطتها وبدائيتها، فقد تحولت الطائرة الورقية التي كان يلعب ويلهو بها الشبان الفلسطينيون إلى سلاح مقاومة جديد يُشكل تحدياً أمنياً واقتصادياً كبيراً لـ"إسرائيل"، وخاصة المستوطنين الذين يعيشون شرق الخط الحدودي الفاصل مع قطاع غزة.

طائرة صغيرة دخلت سريعاً على خط الاحتجاجات الفلسطينية، وتميزت بقلة تكاليفها وسهولة تصنيعها، وكثرة الخسائر التي تكبدها للاحتلال "الإسرائيلي"، أُضيفت عن جدارة واستحقاق إلى قاموس المقاومة الشعبية، بعد أن اعترف الاحتلال بأن "القوة التي تسقط من السماء لا يمكن وقفها".

هذا النوع الجديد من المقاومة الذي يستخدمه الشبان في قطاع غزة منذ انطلاق "مسيرة العودة" على حدود القطاع في الـ30 من مارس الماضي، بات الشغل الشاغل لقوات الاحتلال، وتُطرح من أجل "العدو الورقي" المخططات، وتعقد الجلسات، وتقدم الميزانيات لوقفه، بعد أن حول الأراضي الخضراء المحيطة بغزة سوداء قاحلة.

وتقوم نظرية "الطائرة الورقية" بعد تصنعيها من عيدان الخشب وأكياس النايلون، على اختيار الشبان منطقة حدودية بعيدة عن دوريات جيش الاحتلال، ثم إشعال النار في "الحارقة" المثبتة بذيلها، وتوجيهها بالخيوط إلى أراضٍ زراعية قريبة من مواقع عسكرية إسرائيلية، ثم قطع الخيط، فتسقط "الطائرة الحارقة" وتشعل النيران بالمكان الذي تسقط فيه، وتحوله إلى اللون الأسود بعد ساعات قليلة.

اقرأ أيضاً :

القضاء الإسرائيلي يؤيّد إطلاق النار على مسيرات العودة

- الصدفة قادت للسلاح الجديد

"إبراهيم الشاعر"، مسؤول وحدة "الطائرات الحارقة" في مسيرة العودة شرقي مخيم البريج وسط قطاع غزة، يؤكد أن الطائرة الورقية باتت من أهم الأسلحة التي يملكها الفلسطينيون في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي للتعبير عن الغضب تجاه المجازر التي ينفذها بحق غزة وأهلها، خاصة أن وسيلة "المولوتوف" التي كانوا يستخدمونها في السابق باتت لا تجدي نفعاً؛ بسبب بعد المسافة عن جنود الاحتلال والمواقع المحيطة بغزة.

وعن أصل هذه الفكرة، يوضح الشاعر لـ"الخليج أونلاين"، أن الصدفة هي من قادتهم إلى اكتشاف هذا النوع من السلاح بعد قيام أحد المواطنين بإشعال نار بقطعة قماش مغمّسة بالسولار في ذيل الطائرة تساوي الشيقل والنصف تقريباً، وقطع الخيط الذي يتحكم بها بعد طيرانها مسافات بعيدة داخل الشريط الحدودي، لتتجه بفعل الرياح نحو موقع عسكري إسرائيلي شرقي مخيم البريج وتحرقه بالكامل.

"بعدما شهدنا ذلك قررنا أن نطور هذا السلاح الذي يحافظ على أرواح الشباب من قناصة جيش الاحتلال، وصنعنا طائرات ورقية كبيرة الحجم، ووضعنا بذيلها حارقة، وتحكمنا بها بخيط طويل، ونقوم بإرسال تلك الطائرات نحو المناطق الزراعية المحيطة بغلاف غزة ونقطع خيطها لتتوجه نحو المكان المحدد وتحرقه بالكامل"، يضيف مسؤول وحدة "الطائرات الحارقة".

ويشير إلى أن هذا السلاح ألحق أضراراً كبيرة لدى الاحتلال، وخاصة المستوطنين الذي يعيشون في محيط القطاع ويملكون أراضي زراعية على طول الشريط الحدودي، مؤكداً أن الاحتلال بكل قوته عجز حتى هذه اللحظة عن مواجهة الموت الذي يسقط عليه من السماء.

ولفت الشاعر إلى أن هناك دراسة لتطوير "الطائرة الورقية"، وإضافة بعض الوسائل القتالية لها لتكون أكثر تأثيراً وإيلاماً للاحتلال الإسرائيلي، مشيراً إلى أن الجديد سيكون مفاجأة للجميع وستقف فيه دولة الاحتلال عاجزة عن فهم ما سيسقط عليها من السماء.

ولم يقتصر الأمر على "النواة الأولى" لصناعة "الطائرات الورقية الحارقة"؛ إذ استلهم الشبان في مناطق متعددة الفكرة، ويعدون لإطلاق العديد منها خلال الأيام المقبلة، كما انتشرت على عدد من الحسابات بمواقع التواصل الاجتماعي طريقة تصنيع الطائرة الورقية الحارقة، لحث مزيد من الشبان على صناعتها، واستخدامها خلال التظاهرات على حدود غزة.

اقرأ أيضاً :

بالصور: فلسطيني يحقق "حلم العمر" بنسخ القرآن بالرسم العثماني

- المقاومة المشروعة

ويقول سعيد بشارات، المختص بالشأن "الإسرائيلي": إن "الطائرات الورقية الحارقة التي يرسلها الشباب من غزة تجاه المستوطنات والأراضي الزراعية المحيطة بالقطاع، قد دخلت بسرعة على خط الاحتجاجات والمواجهات مع الاحتلال، وأذاقته من حسرة الخسائر المالية الفادحة".

ويضيف لـ"الخليج أونلاين": "تطور المقاومة في فلسطين يشهد نمواً كبيراً، فمن أداة للعب واللهو في أيدي الشبان إلى وسيلة قتال ذات تأثير مباشر على العدو، وهو ما جعل الاحتلال يتخبط أمام هذا الإصرار والتطور الكبير على وسائل المقاومة".

بشارات يلفت إلى أن تلك الطائرات باتت تقلق الاحتلال كثيراً، خاصة في ظل عجزه عن السيطرة عليها، إضافة لحالة الرعب التي تسببها لدى المستوطنين المقيمين قرب الخط الحدودي مع قطاع غزة، مشيراً إلى أنه لا سلاح القناصة الذي انتشر على الحدود ولا القبة الحديدية يمكن أن تعترضا تلك الطائرات الورقية التي تحدت جيش الاحتلال بأكمله.

- تعددت وسائل النضال والهدف واحد

وعن مدى تطور المقاومة وابتكارها لوسائل بدائية في مواجهة الاحتلال، أكد الكاتب والمحلل السياسي، حسام الدجني، أن أي وسيلة نضال يستطيع من خلالها شعبنا لفت أنظار العالم إلى بشاعة الاحتلال وجرائمه وانتهاكه للقوانين الدولية هي وسائل مشروعة ومهمة ومؤثرة، والطائرة الورقية أحد أشكال تلك الوسائل".

وفي تصريحات خاصة لـ"الخليج أونلاين" يقول: "الطائرة الورقية كبدت الاحتلال خسائر مالية، إلا أن هذه الخسائر لا توازي قدماً بُترت أو روحاً أزهقت نتيجة البطش والإرهاب الذي مارسه الاحتلال ضد المدنيين في مسيرات العودة".

ويتابع حديثه: "أثبتت التجارب التاريخية أن قوة الاحتلال تهزم أمام قوة الحق، وهو ما تجسد في مسيرات العودة بفشل الاحتلال في مواجهة الأطباق الطائرة أو مواجهة المسيرات السلمية، لكون شعبنا نجح في تحييد سلاح الاحتلال من خلال المقاومة الناعمة السلمية".

وعن مدى استفادة المقاومة من هذه الوسيلة وتطويرها، يؤكد الدجني أن "المقاومة المسلحة لا يمكن أن تفوت أي فرصة تحقق من خلالها قوة الردع مع الاحتلال، وبذلك في حال كان هناك إمكانية للاستفادة لا أعتقد أن القائمين على ذلك لن يعملوا على تحقيقه".

ومنذ الثلاثين من مارس الماضي، يتجمع آلاف الغزيين في خمسة مخيمات نُصبت على الحدود الشرقية للقطاع، في ما يُعرف بـ"مسيرة العودة الكبرى"، بدعم من الفصائل، لتأكيد حقهم في العودة إلى ديارهم، ولإفشال مخططات تصفية قضيتهم، لا سيما في ظل حديث متزايد عن "صفقة القرن"، واستشهد خلال قمع الاحتلال تلك المسيرات العشرات، وأصيب أكثر من ثلاثة آلاف آخرين.

- "إسرائيل تتخبط"

وبحسب اعترافات "إسرائيل" فإن الطائرات الورقية كبدتهم خسائر تقدر بمئات ملايين الدولارات بعد أن أحرقت الأراضي الزراعية المحيطة بغلاف غزة ما يقارب الـ5000 دونم بنسبة 90%، وحولت لونها للأسود.

وتحدثت مواقع عبرية أن ما يزيد الأمور تعقيداً أن اتجاه الريح يخدم أهداف الفلسطينيين، إذ إنّ الرياح التي تندفع للشرق توسع من دائرة الحرائق وتزيد من مساحات المزارع التي يتم إتلافها نتاج ذلك.

وقالت صحيفة يديعوت أحرونوت: إن "فوهة باري الصدمية المحاذية لقطاع غزة كانت مكاناً أخضر مزهراً على قيد الحياة، وتعتبر واحدة من أجمل الأماكن، وتعرف بأنها الرئة الخضراء، لكن بفعل الطائرات الحارقة أصبحت أرضاً محترقة ومدمرة، حزينة يلفها سكون مميت".

وتطورت قضية "الطائرات الحارقة" إلى أن تقدم أعضاء المجلس الإقليمي لمستوطنة أشكول، بشكوى رسمية لشرطة وجيش الاحتلال الإسرائيلي، بزعم زيادة ظاهرة سقوط الطائرات الورقية القادمة من قطاع غزة، والتي جعلت قوات الدفاع المدني الإسرائيلي في منطقة غلاف غزة في حالة تأهب مستمرة.

وأعلنت مصلحة الضرائب الإسرائيلية حزمة تعويضات للمزارعين، بالإضافة إلى ذلك تجمعت مجموعة من المزارعين وأعلنت أنها تعتزم مقاضاة حركة "حماس" في محكمة العدل الدولية في لاهاي عن الأضرار الناجمة عن الحرائق.

يُذكر أن الفلسطينيين ابتكروا منذ اندلاع الانتفاضة الأولى أدوات مقاومة تقلص من تأثير الإجراءات العسكرية والعوائق المادية التي يبنيها جيش الاحتلال في محيط القطاع.

فقد تمكن الفلسطينيون عند اندلاع الانتفاضة الأولى أواخر عام 1987 من إحراق مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية للمستوطنين في محيط القطاع من خلال ربط خيط طويل بذيل قطة وتركها تنطلق عبر الخط الحدودي بعد إحراق طرف الخيط.

مكة المكرمة