عزلة "إسرائيل" تنكسر والشرق الأوسط يتغير.. أين تذهب رياح التطبيع بالمنطقة؟

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/B5kPx8

نتنياهو تحدث عن مكاسب مالية كبيرة ستجنيها خزانته

Linkedin
whatsapp
الأربعاء، 28-10-2020 الساعة 14:24

- ما شكل الشرق الأوسط الجديد الذي تحدث عنه نتنياهو؟

بناء تحالف سياسي عسكري يضمن منع أي محاولة للتغيير السياسي في المنطقة، ويروج لـ"إسرائيل" بأنها صمام أمان للعرب.

- ما أثر هذه التغييرات على قضية فلسطين والخلاف مع إيران؟

القضية الفلسطينية ستكون أكثر ضعفاً في ظل تخلي دول عربية مهمة عنها، كما سيمنح الوضع الجديد قوة إضافية لدولة الاحتلال لمواجهة إيران.

- ما المكاسب الاقتصادية من هذا التغيير؟

"إسرائيل" ستجني مليارات الدولارات عبر مشروعات النقل البري والبحري الجديدة، مقابل خسائر ستلحق بدول مثل مصر جراء تجاهل العبور في قناة السويس، كما أن دولة الاحتلال ستعيد تطوير موانئها بأموال الخليج، فضلاً عن أنها ستخترق الأسواق العربية.

مع تصاعد موجة تطبيع العلاقات الدائرة حالياً في المنطقة العربية تبدو منطقة الشرق الأوسط وكأنها بصدد إعادة تشكيل جديد لخريطة التحالفات، كما أن القضية الفلسطينية والخلاف الإيراني الخليجي يبدوان على مشارف واحدة من أشد مراحلهما التاريخية صعوبة.

وبعد يومين من إعلان السودان تطبيع العلاقات مع دولة الاحتلال قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو: إن "اتفاقيات التطبيع الثلاث مع الدول العربية أنهت العزلة الجغرافية لإسرائيل بتوفير رحلات جوية أقصر وأرخص ثمناً".

وأضاف نتنياهو، في مؤتمر صحفي وهو يشير للوح أبيض عليه رسوم بيانية لممرات الطيران: "نحن نغير خريطة الشرق الأوسط"، لافتاً إلى أن السفر فوق الأجواء السعودية والبحرينية والإماراتية "سيوفر على المسافرين المتجهين إلى الهند ووجهات آسيوية أخرى ساعات ومالاً كثيراً بالطبع".

ومنذ أن أعلنت الإمارات والبحرين، منتصف أغسطس الماضي، تطبيع العلاقات مع "تل أبيب"، بدأت الدول الثلاث توقيع اتفاقات ومذكرات تفاهم في أكثر من مجال، وبشكل موسع. كما أن إعلان السودان انضمامه لاتفاق التطبيع، (الجمعة 23 أكتوبر)، جاء مقروناً بالحديث عن مشروعات اقتصادية مشتركة كبيرة.

لكن حديث نتنياهو عن خريطة جديدة يجري تشكيلها للمنطقة لا يخلو من بعد سياسي وأمني، وإن كانت التغييرات الاقتصادية في القلب مما يحدث؛ فقد وجدت "إسرائيل" أبواباً عدّة لولوج السوق العربية التي كانت مغلقة في وجهها لعقود، ولو ظاهرياً.

قضية فلسطين

ولا شك أن عملية التطبيع الجارية ستفرض تغييرات كبيرة على سياسات الدول الخليجية المنضوية تحتها أو الداعمة لها، لكن ثمة دول أخرى خليجية مثل الكويت وقطر وسلطنة عمان لم تطبّع، وربطت موقفها من التطبيع بحل عادل لقضية فلسطين.

هذه التغييرات الجذرية في علاقات دول خليجية كبيرة مع دولة الاحتلال ستنعكس سلباً على موقف الفلسطينيين، الذين يواجهون منذ سنوات تعنتاً كبيراً من سلطات الاحتلال، سواء فيما يتعلق باستئناف المفاوضات، أو بوقف الاستطيان.

المحلل اليمني ياسين التميمي، يرى أن حديث نتنياهو يوجه رسالة رسالة لشعبه بأن التطبيع مع العرب لن يمر عبر تنازلات إسرائيلية وإنما من خلال "سلام مقابل سلام واقتصاد مقابل اقتصاد".

وفي حديث لـ"الخليج أونلاين" أشار التميمي إلى أن تغيير خريطة المنطقة الذي يقصده نتنياهو مرتبط بالأساس "باستباحة طيران الاحتلال لأجواء الدول العربية".

كما أن هذا الشرق الأوسط الجديد يسهم في تشكيله بلا شك اقتصاد الدول المتحكمة في الجامعة العربية، التي لم تعد تقتصر على تطبيع العلاقات وإنما باتت ترهن علاقاتها البينية بالتقارب مع الاحتلال، وترهن أمنها ومستقبلها بالتطبيع، وهو ما يعطي حديث نتنياهو واقعية، بحسب التميمي.

ويؤكد التميمي أن القضية الفلسطينية هي الخاسر الأكبر من هذا التهافت الرسمي من بعض الدول باتجاه الاحتلال؛ لكي تضمن مستقبلها وأمنها، مشيراً إلى أن هذه الأنظمة تبحث عن ملاذ آمن في كنف الاحتلال بعدما أدركت الشعوب خطورة هذه الأنظمة على مستقبلها.

وبينما سيضيق التغيير الجديد للمنطقة الخناق على الفلسطينيين، فإنه يكسر في الوقت نفسه حواجز العزلة النفسية والجغرافية التي ظلّت مفروضة على دولة الاحتلال لعقود كاملة، ويجعلها تتحرك كواحدة من "دول" المنطقة.

فقد وافق رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي، أواخر سبتمبر الماضي، على بناء أكثر من خمسة آلاف وحدة استيطانية جديدة في الضفة الغربية، وذلك بعد نحو أسبوعين من توقيع اتفاق التطبيع مع الإمارات والبحرين، رغم ادعاء أبوظبي بأن التطبيع أوقف خطط الضم.

وترفض السلطة الفلسطينية المشاريع الاستيطانية الجديدة؛ لكونها تنهي إمكانية قيام دولة فلسطينية على حدود عام 1967، وهي تسعى لعقد مؤتمر دولي يضمن تطبيق قرارات الشرعية الدولية والقانون الدولي.

غير أن رفض الجامعة العربية، أواخر أغسطس، مناقشة قرار فلسطيني يدين التطبيع يجعل عقد هذا المؤتمر الدولي الذي يريده الفلسطينيون أمراً صعباً، أو غير ذي جدوى؛ خاصة أن التعاون مع سلطات الاحتلال بات جزءاً من سياسة الدول العربية ذات التأثير.

مواجهة إيران

وحالياً يتصاعد التوتر في المنطقة، خاصة أن إيران، الخصم اللدود، لا تتوقف عن تحميل الدول المطبّعة مسؤولية انجراف المنطقة إلى الحرب، وسيصبح الأمر أكثر تعقيداً إذا أقامت السعودية علاقات مع "إسرائيل"، وهو أمر تشير التصريحات الأمريكية والإسرائلية إلى أنه بات وشيكاً.

وسينعكس التغيير الجديد لشكل المنطقة بالسلب أيضاً على العلاقات الخليجية الإيرانية المتوترة في الأساس، وسيمنح "إسرائيل" التي تسعى بكل الطرق لتحجيم نفوذ طهران بالمنطقة فرصة أكبر لمحاصرة هذه النفوذ، وربما إحلال نفسها بدلاً منها، أو مواجهتها في بعض الأماكن.

وفي هذا السياق يقول التميمي لـ"الخليج أونلاين" إن هذا التغير الجديد في تحالفات المنطقة سيعطي دولة الاحتلال قوة إضافية لمواجهة إيران؛ "لأن الترتيبات السابقة تشير إلى حضور إيراني قوي بالمنطقة عبر نفوذ جيوسياسي، وإن تراجع هذا الحضور قليلاً في ظل إدارة ترامب".

ومع ذلك، يضيف التميمي: "لا يسعى المطبعون لمواجهة عسكرية مع إيران، خاصة أنهم باتوا يصفون تركيا بأنها خصمهم الأكبر حالياً وليس إيران، وعليه فإن هذه التغييرات الجديدة تسعى في المقام الأول إلى تدجين الشعوب العربية وإنهاء آمالها في التغيير أو في الاستفادة من ثرواتها".

وخلص المحلل اليمني إلى أن ما يجري حالياً من تغييرات إنما هدفه خلق تحالف جديد تكون دولة الاحتلال في القلب منه، بل ويجري تسويقها على أنها صمام أمان الدول العربية في مواجهة مخاطر توسعية إقليمية، بينما تكون الدول العربية "مجرد هوامش في هذا التحالف".

تغييرات أمنية

وقد تحدث مسؤولون إماراتيون وبحرينيون وإسرائيليون، بالإضافة لوزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، عن تشكيل تحالفات أمنية جديدة بعد اتفاقات التطبيع؛ لمواجهة التهديدات الإيرانية.

التغييرات الجديدة ستتيح أيضاً لمخابرات الاحتلال الوجود بشكل أكبر في البحر الأحمر، فضلاً عن الوجود في مناطق كانت ممنوعة عليها في السابق، وقد خرجت تسريبات تفيد بوجود مساعٍ إماراتية لإقامة قاعدة إسرائيلية في سقطرى اليمنية.

وبحسب ما نشرته وكالة أنباء الإمارات (وام)، فإن رئيس "الموساد" الإسرائيلي يوسي كوهين، الذي زار الإمارات في (18 أغسطس)، ناقش مع مستشار الأمن الوطني الإماراتي الشيخ طحنون بن زايد "آفاق التعاون في المجالات الأمنية".

ومن المرجّح أن تستفيد "إسرائيل" من الموانئ وربما القواعد العسكرية التي تديرها الإمارات في كل من اليمن والصومال وليبيا وإرتريا والسعودية ومصر. كما أن تحويل حركة التجارة من مضيق هرمز إلى ميناء "إيلات" عبر البحر الأحمر سيفقد التهديدات الإيرانية بشأن مضيق "هرمز" الكثير من قيمتها.

كما أن السماح للطيران الإسرائيلي بالتحليق في أجواء دول خليجية سيجعل المنطقة كلها مكشوفة أمام أجهزة التجسس الإسرائيلية؛ لكون غالبية الطائرات المدنية الإسرائيلية، ولا سيما طيران "العال"، مزودة بأحدث أجهزة الرصد والمراقبة، وفق ما قاله الخبير العسكري العراقي ناظم توفيق في تصريح سابق لـ"الخيج أونلاين".

وكثيراً ما تحدثت صحف غربية عن اعتماد الإمارات على التكنولوجيا الإسرائيلية في عمليات التجسس ومراقبة المعارضين أو الخصوم السياسيين، وحالياً من المتوقع أن يدخل التعاون الاستخباري بين الطرفين، ومعهما البحرين، مرحلة أكثر تطوراً.

وتشير الاتفاقيات الكبيرة والمتسارعة التي أبرمها أطراف التطبيع إلى أن "إسرائيل" ستقتحم الأسواق العربية عموماً، والخليجية خصوصاً، عبر بوابة الإمارات والبحرين، وفي حال انضمام السعودية للقائمة فإن الأمر سينعكس سلباً على خزانتها التي تواجه ككل الخزانات تبعات كورونا.

وفي 20 أكتوبر الجاري، أعلنت شركة خطوط الأنابيب الإسرائيلية "إي أيه بي سي" (EAPC)، أنها وقعت اتفاقاً مبدئياً للمساعدة في نقل النفط من الإمارات إلى أوروبا عبر خط أنابيب يربط مدينة إيلات المطلة على البحر الأحمر، وميناء عسقلان على ساحل البحر المتوسط، ما يمكن أن يتيح وصولاً أسرع للمستهلكين الآسيويين إلى النفط المستخرج في منطقتي البحر المتوسط  والبحر الأسود.

موانئ

مفهوم قديم جديد

المحلل السياسي الفلسطيني وسام عفيفة، يقول إن تصريح نتنياهو حول إعادة صياغة خريطة الشرق الأوسط ليس جديداً، وإنما مفهوم قديم عرابه رئيس الوزراء الأسبق شمعون بيريز، عندما كان يروج لفكرة الشرق الأوسط الكبير.

وأوضح "عفيفة" في حديث لـ"الخليج أونلاين"، أن هذا الحلف يضم بشكل أساسي "الحلف المعتدل، وإسرائيل عنصر أساسي فيه"، وأن هذه الخريطة تبنى على مصالح هذه الدول مع "تل أبيب"، وعنوانها "الشراكة الاقتصادية".

وأشار إلى أن "إسرائيل" تعتبر العقل والقيمة الأكبر تقنياً وتكنولوجياً، فيما يمتلك العرب الأموال والنفط، مؤكداً أن هذا ما ورد في كتاب بيريز حول الشرق الأوسط الكبير.

ويشدد عفيفة على أن التوصيف يخدم حزب نتنياهو و"إسرائيل"، وهو مصطلح يتعدى ويتجاوز الانعزال السياسي والجغرافي، لهذا يريد نتنياهو تخطي حدود العلاقات والمصالح والتطبيع، وليس حدود الجغرافيا، حتى تصل "كل المنطقة العربية وتشكل عنصراً أساسياً في هذه الخريطة".

ويستطرد إلى أن هذه الخريطة يُطلق عليها أحياناً "التحالف الإسرائيلي السني المعتدل، مقابل المد الإيراني الشيعي"، كاشفاً عن أن هناك تصوراً آخر يتعلق بأن بعض دول الخليج بحاجة للتحالف مع "تل أبيب" لتشكيل قوة وازنة وموازية لقوتي تركيا وإيران، اللتين تشكلان قوة وثقلاً بالمشهد الشرق أوسطي، في ظل غياب القوى العربية التقليدية؛ العراق سابقاً، وسوريا، وتراجع مصر.

وأشار إلى أن بعض دول الخليج "لم يعد لديها مانع من التحالف مصلحياً مع دولة الاحتلال الإسرائيلي لمواجهة ثقل طهران وأنقرة بالمنطقة".

وشدد على أن المتضرر الأكبر من هذه الخريطة التي يحاولون رسمها هي "القضية الفلسطينية"، ونزع الدعم العربي والشرعية السياسية، ومحاصرة الفلسطينيين ودفعهم نحو حلول وتسويات سياسية لا تلبي أدنى حقوقهم، وذلك من خلال تغيير خريطة العداء بحيث تتغير العقيدة العربية تجاه "تل أبيب" باعتبارها "العدو الأول" إلى "حليف".

وأشار إلى أن الخريطة الجديدة تحول بوصلة "الأعداء" إلى إيران والشيعة مذهبياً، ثم تركيا باعتبارها تمثل الخلافة العثمانية وإمكانية عودتها، وأخيراً وصولاً إلى حركات الإسلام السياسي والإخوان المسلمين"، مؤكداً أن هذه أبرز عناوين "صناعة الأعداد الجدد ضمن هذه الخريطة، ومن ثم تصبح تل أبيب جزءاً من هذا التحالف ضد هذه القوى التي تهدد المنطقة، بحسب بعض أنظمة الخليج".

واعتبر أن العنصر والبعد الاقتصادي هو أساسي على هذه الخريطة، ويمكن القول إن التقدم التكنولوجي الإسرائيلي يصنع تكاملاً مع المال والنفط العربي، والخليجي تحديداً، وهذه المعادلة يمكن أن تشكل قوة تخدم تبريرات ومحاولات إقناع الشعوب بالفائدة من التطبيع مع "إسرائيل".

وبيّن أن هذه الفائدة لن يشعر بها المواطن، إنما الشركات الكبرى وحيتان المال في هذه الدول، حيث لن تنعكس على المستوى الشعبي، وكل هذه المعطيات وردت بشكل أو بآخر ضمن تفاصيل صفقة القرن عبر عدة صيغ، حيث حاول الأمريكان تقديمها مباشرة أو عبر التسريبات.

وعملية التطبيع هي تطبيق لـ"صفقة القرن" التي عملت عليها الإدارة الأمريكية، يضيف عفيفة لـ"الخليج أونلاين"، و"كلنا رأينا كيف تم جر السودان ومساومته وإدخاله ضمن هذه الخريطة التي تتم إعادة صياغتها، والسودان ليس لديه مال أو نفط، ولكن البعد الأمني حاضر بقوة، وخصوصاً استكمال حلقة السيطرة على البحر الأحمر، مع وجود مصر، وسيطرة الإمارات على أجزاء من اليمن التي تطل على البحر الأحمر".

وبيّن أن "التطبيع يحاول تبريد الجبهة العربية، ومحاولة التفرغ للأعداء الجدد، ومحاولة خلق جيوب داخل الحالة الفلسطينية؛ عبر تنصيب جهات وشخصيات تمثل هذا التيار وتنافس على قيادة المشروع الفلسطيني، ومحاصرة المقاومة وقطع كل شرايين الحياة عنها مالياً وعسكرياً وتجريمها، ودفع الفلسطينيين لمواجهة الاحتلال وحدهم وعدم إبقاء ظهير لمساندتهم وداعم عربي حتى في أوساط الشعوب".

مكة المكرمة