على مدار 8 أشهر.. كيف ولماذا أصرت تركيا على ملاحقة قتلة خاشقجي؟

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/GrMJEE

أكدت تركيا مواصلتها طرح قضية خاشقجي حتى محاسبة المسؤولين عن قتله من رأس الهرم إلى أسفله (أرشيفية)

Linkedin
Google plus
whatsapp
السبت، 29-06-2019 الساعة 17:13

بحزم وجديّة وإصرار طالبت تركيا على مدار أشهر، بالكشف عن "رأس الهرم" الذي يقف وراء اغتيال الإعلامي السعودي جمال خاشقجي، بقنصلية بلاده في مدينة إسطنبول التركية، مؤكدة أن القضية تمسّ سيادتها وتنتهك القوانين الدولية.

فمنذ أكتوبر 2018، أصدرت تركيا عديداً من التصريحات التي تؤكد تورط مسؤولين كبار من الحكومة السعودية في جريمة اغتيال خاشقجي، وأن هناك مسرحية تتم في قضية مقتله للتغطية على شخص ما، وسط تلميح إلى مسؤولية ولي العهد السعودي محمد بن سلمان عن ذلك، مبينة أن ما حدث لا يتم من دون أوامر عليا.

وبلهجة شديدة وتحذيرات متواصلة، أكدت تركيا استمرارها في البحث عن الحقيقة، حتى محاسبة المسؤولين عن اغتيال الصحفي السعودي "من القاع إلى القمة"، موضحة أن هذه القضية بالنسبة لها "في مقام السؤال والمسؤولية".

آخر التصريحات التركية أصدرها الرئيس رجب طيب أردوغان، السبت (29 يونيو الجاري)، مشدداً فيها على أن من الضروري عدم تغييب قضية مقتله، وقال: إن "محاسبة المسؤولين كافة عن جريمة خاشقجي، من أعلى الهرم إلى أسفله، مهمة ذات أولوية تقع مسؤوليتها على عاتق المجتمع الدولي".

وأكد أردوغان خلال تصريحات أعقبت قمة مجموعة العشرين، أن محاكمة المتورطين ضرورية، موضحاً أن تركيا وانطلاقاً من حرصها على إحقاق العدالة، لم تسمح بالتستر على الجريمة، من خلال تعاونها مع الأمم المتحدة. 

ولفت النظر إلى أن تقرير المقررة الخاصة للأمم المتحدة، أغنيس كالامارد، الذي أُعلن للرأي العام الأسبوع الماضي، يوضح عديداً من الحقائق حول هذه الجريمة "بشكل جلي"، والتي بينت فيه تورط ولي العهد السعودي في الجريمة.

وخلال نحو عام من الاغتيال، كشفت تركيا بالتدريج عن حقائق لديها متعلقة باغتيال خاشقجي، من تسجيلات ومقاطع فيديو وصور، كانت تبرزها مع كل تصريح جديد لها حول القضية، لتؤكد من خلالها جدّيتها في متابعة الاغتيال وعملها الحثيث على كشف من يختبئ وراءه.

وبينت هذه الأدلة أسماء وصور 15 سعودياً دخلوا إسطنبول في طائرتين خاصتين وتوجّهوا إلى القنصلية السعودية، بالتزامن مع وجود خاشقجي فيها، واشتبه في تورّطهم جميعاً باغتياله.

فرصة لإيجاد مَخرج

عديد من المواقف التركية صدرت من الرئيس أردوغان والمتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم كالن، ووزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو، وغيرهم من المسؤولين الأتراك، في ظل اجتماعات ومباحثات واتصالات بين مسؤولين في البلدين.

وأعطى الرئيس التركي الفرصة للقيادة السعودية لإيجاد مَخرج من هذه الورطة بتجنُّبه اتهام الرياض، وأكد أن بلاده تعرف مَن قتلَ خاشقجي والجهة التي أمرت بذلك، ولكنه يرغب في أن تعترف الرياض بنفسها، ووصف الجريمة بـ"الوحشية"، كما قدَّم أدلة حينها للعاهل السعودي، الملك سلمان بن عبد العزيز، على قتل الإعلامي.

وعقب هذه الأدلة وتأكيد أردوغان أن بلاده تعرف من يقف وراء هذه الجريمة وأن هناك من قصَّر من المسؤولين السعوديين، وعدت الرياض باتخاذ إجراءات "تصحيحية"، وخطوات تهدف إلى عدم تكرار ما حدث مع خاشقجي.

كما كشف الرئيس أردوغان، في أكتوبر 2018، عن إعفاء السعودية قنصلها في إسطنبول، محمد العتيبي، من مهامّه؛ إثر اتصال هاتفي أجراه أردوغان مع الملك سلمان.

وفي الوقت ذاته الذي كان يصرح فيه أردوغان، وجَّه مسؤولون أتراك رسائل شديدة اللهجة إلى السعودية، وعلى الرغم من ذلك لم تفصح المملكة عن الآمر بالاغتيال، ولم تُظهر التعاون المأمول مع السلطات التركية خلال التحقيقات.

وأجرى فريق تركي وسعودي تفتيشاً دقيقاً في القنصلية السعودية، وأكدت تركيا أنها وجدت أدلة تفيد بتقطيع الجثة، وتساءلت مصادر تركية في حديثها لوكالة "أسوشييتد برس" الأمريكية، عن احتمال إذابة الجثة في الأسيد.

وعقب التحقيقات المتتالية وإثر عدم معرفة تركيا لمكان الجثة، هدد وزير الخارجية التركي بتدويل قضية خاشقجي، وأن تعلَن كل الحقائق في مقتله.

وطالبت السلطات التركيةُ الرياض بتسليمها 18 متهماً بقتل خاشقجي، في حين أكدت "نيويورك تايمز" أن لدى جهاز الاستخبارات بالولايات المتحدة (CIA) أدلة بقرائن تؤكد تورط ولي عهد المملكة، محمد بن سلمان، في جريمة قتل خاشقجي.

خاشقجي

ما سبب اهتمام تركيا بالقضية؟

وكان خاشقجي وجهاً مألوفاً منذ سنوات، في البرامج الحوارية السياسية بالفضائيات العربية، وعاش في منفاه الاختياري بالعاصمة واشنطن أكثر من عام، بعدما قال إن السلطات أمرته بالكف عن التغريد على موقع "تويتر".

وخلال عمله الصحفي، أجرى مقابلات مع زعيم تنظيم القاعدة الراحل، أسامة بن لادن، عدة مرات، في أفغانستان والسودان، وتولى رئاسة تحرير صحيفة "الوطن" مرتين.

وعمل مستشاراً للأمير تركي الفيصل، الذي كان رئيساً للمخابرات السعودية وسفيراً للمملكة لدى الولايات المتحدة وبريطانيا، كما كان مقرباً من الملياردير والمستثمر السعودي الأمير الوليد بن طلال.

وخلال العام 2017، كتب مقالات بانتظام في صحيفة "واشنطن بوست"، تنتقد السياسات السعودية تجاه قطر وكندا، وحرب اليمن، وحملة حكومية على المعارضين والإعلام والنشطاء شملت اعتقال عشرات النشطاء وعلماء الدين والمفكرين.

مكانة خاشقجي وعمله الصحفي، بالإضافة إلى اختفائه داخل إسطنبول، دفعت جميعها السلطات التركية إلى العمل بشتى الطرق للكشف عن حقيقة ما حدث، وسط تعتيم وتضليل كبيرين من قِبل السلطات السعودية حول اغتياله.

خاشقجي

تركيا أكدت مراراً أنها ستعلن الحقائق في قضية مقتل خاشقجي للعالم، وأن ما حدث يمسّ سيادتها، وعملت السلطات التركية، على مدار الساعة، في الأيام الأولى من اختفاء الإعلامي السعودي، على الوصول إلى طرف خيط يكشف ما يحدث.

أردوغان أكد أنه يتابع بنفسه القضية وأنه سوف يحسم الأمر، وبيَّن أن هناك مسؤولين كباراً متورطون فيها.

عديد من القضايا أحكمت الموقف التركي ودفعته إلى أن يكون حازماً مع السعودية، إذ إن العلاقة بين أنقرة والرياض حساسة جداً، فهما تتنافسان على النفوذ بالشرق الأوسط، ومقتله قد يكون سبباً في تعقُّد العلاقات، وفق ما بينته صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية.

كما تزايدت التوترات بين البلدين على خلفية الموقف التركي المساند لقطر، التي حاصرتها السعودية والإمارات والبحرين ومصر، في الخامس من يونيو 2017، حيث دعمت تركيا قطر بقوة عسكرية، لمواجهة أي تهديدات.

في حين رأت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية أن قضية خاشقجي، باعتباره مقيماً بالولايات المتحدة وكاتباً في صحيفة "واشنطن بوست"، إلى جانب تعامُل السعوديين مع الفضيحة، "قدَّمت لأردوغان فرصة غير متوقعة لإلحاق الضرر بولي العهد، وهو حليفٌ ودود في العلن، لكنَّه منافس شرس في الخفاء".

وفي بداية اختفاء خاشقجي، طالب أردوغان السعودية بأن تثبت أنه غادر قنصلية إسطنبول، وهو ما لم تستطع إثباته.

وأكد أردوغان أن متابعة قضية خاشقجي واجب سياسي وأخلاقي من المستحيل تجاهله، وأبدى استعداد تركيا للتعاون مع أي جهة دولية تريد فتح تحقيق في مقتله.

وطالبت أنقرة بإجراء تحقيق في جريمة اغتيال خاشقجي من جهة محايدة، ومحاكمة قتلته بتركيا.

وحتى المعارضة التركية دعت إلى إعادة النظر في العلاقات مع السعودية، وطالبت بترحيل أي دبلوماسي يثبت تورطه في اختفاء خاشقجي.

خاشقجي

رشوة سعودية

وكانت صحيفة "نيويورك تايمز" كشفت أن أردوغان رفض رشوة سعودية من أجل إغلاق ملف مقتل خاشقجي.

وبينت الصحيفة الأمريكية أنه بحسب مصدر تركي مقرب من أردوغان، فإن الأمير السعودي خالد الفيصل، المبعوث الشخصي للعاهل السعودي، عرض على الرئيس التركي مساعدات مالية واستثمارات لمساعدة اقتصاد تركيا المتعثر، وأيضاً رفع الحصار عن دولة قطر، مقابل إغلاق ملف خاشقجي.

وأوضح المصدر التركي أن أردوغان رفض العرض بغضب، ووصفه بـ"الرشوة السياسية"، على حد قول المصدر، مؤكداً أن الرئيس التركي صمَّم على تحميل القيادات السعودية العليا، وتحديداً ولي العهد بن سلمان، المسؤولية.

وتابع المصدر: "لقد رأت تركيا فائدة في تأجيل عرض الحقائق الخاصة بجريمة اغتيال خاشقجي، حيث إنها تحولت إلى قضية دولية، وما تبع ذلك من إلحاق أذى كبير بسمعة بن سلمان".

وأعلنت تركيا أيضاً، أن فريق الاغتيال السعودي الذي قتل خاشقجي نفذ عمليات مشابهة من قبلُ، مبينة أن التحقيقات التركية هدفها الوصول إلى من أَمر بالاغتيال.

وصعَّد أردوغان لهجته ضد السعودية، مطالباً إياها بالتصرف بعدل للتخلص من هذه الشبهة، "وإلا فإنها ستلصق بها دوماً".

وعقب كل هذه التصريحات تسارعت الأحداث والتحقيقات، وتبين أن جثة خاشقجي تم محوها، ووُضعت عديد من السيناريوهات لذلك، منها إذابتها بحمض الأسيد، أو تقطيعها ورميها في الصرف الصحي، أو حرق أجزاء منها ودفن أخرى.

وعقبها قدَّمت السعودية أكباش فداء ليحملوا القضية على أعتاقهم، إلا أن تركيا ما زالت تطالب بالآمر الفعلي بعملية الاغتيال، مؤكدة أنها لن تتوقف عن المطالبة بهذا حتى تحقيق العدالة ومحاسبة المسؤولين. 

مكة المكرمة