عوامل تشكيل الرد المصري على إعدام الرهائن بليبيا

أفق ليبي يُخفي أحداثاً لم تنضج بعد

أفق ليبي يُخفي أحداثاً لم تنضج بعد

Linkedin
Google plus
whatsapp
الاثنين، 16-02-2015 الساعة 08:22


ماذا بعد ذبح الأقباط المصريين بسكين؛ من يقول إنهم فرع تنظيم "الدولة الإسلامية" في ليبيا؟

هناك حديث عن أن الشارع القبطي في مصر مرشح لأن يمارس ضغطاً على نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي، بسبب ما يقول بعض الناشطين وأقرباء القتلى إن تباطؤاً حكومياً في التعامل مع قضية الرهائن أحد الأسباب التي أدت إلى وضع حد لحياتهم.

إلى جانب ضغط قبطي محتمل، يواجه نظام السيسي معارضة متعاظمة تجللها التظاهرات شبه اليومية في ساحات القاهرة ومدن مصرية أخرى، وفي شمال شرقي مصر تشتعل رمال الصحراء المصرية في محافظة شمال سيناء التي رفعت السلاح بوجه النظام بعد ما وصفته سنين من الإهمال والدونية التي واجهها أبناؤها من الأنظمة المصرية الحديثة.

هذه "الندوب" الأمنية والسياسية التي تملأ جسد نظام السيسي تشكل، بالنسبة لبعض المراقبين، عوامل قد تؤدي لتدخل مصري محتمل في ليبيا، يكون الهدف منه تجميع أكبر عدد من المصريين خلف الجيش الذي يزيد من "غمس" يديه يومياً في الدماء الداخلية، وكذلك "تفريغ" الاحتقان الداخلي بقضية خارجية تمس "الأمن الوطني"، في سياق "الدغدغة" المتواصلة لمشاعر الـ80 مليون مصري.

وهناك فريق آخر يتحدث عن محدودية خيارات القاهرة، إذ إن خبراء ربطوا بين حالة الإجهاد التي يعيشها اقتصاد البلاد، وبين قدرة النظام على عبور الحدود، أو حتى ركوب سماء أخرى مثل ليبيا، بينما يرى عسكريون سابقون أن "الأمن القومي" سيكون أكبر الخاسرين إذا ما غادر الجيش حدوده.

غير أن ثمة مرجحاً خارجياً لأحد هذين الرأيين، قد تمثله بضع كلمات "غير مبعثرة" على الإطلاق، لوزير الخارجية والتعاون الدولي الإيطالي، باولو جينتيلوني، حينما قال، الجمعة، بالحرف: "إيطاليا معرضة للتهديد بسبب الوضع في ليبيا، إذ بات تنظيم الدولة الإسلامية في سرت على بعد 200 ميل بحري عن شواطئها".

فالتنظيم، الذي يثير رهاباً حقيقياً في نصف الكرة الأرضية الغربي، صار على احتكاك شبه مباشر مع أراضي أوروبا الغربية، ولذلك، فإن جينتيلوني نفسه، أعلن أن بلاده مستعدة لقتال تنظيم "الدولة" في ليبيا ضمن "الشرعية الدولية"، وطالب مواطنيه، عبر السفارة في طرابلس، بالإسراع في مغادرة ليبيا "مؤقتاً".

وبغض النظر عن حضور "الشرعية الدولية" أو غيابها في مواطن أخرى مثل سوريا وبورما التي ارتكبت فيها أعمال قتل على نطاق واسع من قبل نظامي الحكم في البلدين، فإن هذه "الشرعية الدولية" هي الباب العريض الذي يتسرب منه السؤال الملح: هل تلحق ليبيا بأختيها العراق وسوريا في وضع رقبتها تحت سيف الشرعية الدولية اللاهثة وراء مكافحة "الإرهاب"؟

وبغض النظر، أيضاً، عن حقيقة وجود تنظيم "الدولة" في ليبيا من عدمه، فإن ليبيا الحالية لا تروق كثيراً لصانع القرار السياسي في العواصم الغربية من زاوية النظر إلى المصالح الاستراتيجية.

ففي ظل الصراع الدائر في دول المنطقة على تحديد شكل وطبيعة الحكم فيها، وأنماط الثقافة والمعيشة التي تريد الفرق المتحاربة ترسيخها، تأتي ليبيا، القريبة من أوروبا الغربية، كبلد نفطي مترامي الأطراف تتعزز فيه قوة الإسلاميين، حتى أولئك الإسلاميون الذين لا يقدم الغرب الرسمي خطاباً معادياً لهم، ما يهدد مصالح العواصم الغربية على المديين المنظور والبعيد.

وبحسب المعطيات، لن تقبل أوروبا، بوجود إسلامي، سياسي أو عسكري، قوي على تخومها، لا سيما في بلد مثل ليبيا يشغل رابع أكبر مساحة بين البلدان الأفريقية، إذ إنه من هذا البلد الواسع تنطلق قوافل الهجرة إلى القارة العجوز، إضافة إلى أن ليبيا التي تقارب مساحتها مليوناً و760.000 كيلومتراً مربعاً، وتمتلك حدوداً بطول 4383 كم مع خمس دول: الجزائر ومصر والنيجر والسودان وتونس، تشكل حقل "ألغام" إسلامياً واسعاً من الصعب جداً السيطرة عليه.

وحين تتداخل هذه المعطيات مع التطورات الميدانية في البلاد، إلى جانب ضعف "الحوار" الجاري بين الأطراف المتحاربة لعدم ضمه ممثلين عن قوى مقاتلة مهمة، تشتعل التحليلات المرجحة لزيارة طائرات التحالف الدولي لسماء ليبيا في إطار الحرب على "الإرهاب".

لكن، ثمة من يتساءل: في حال حرك التحالف الدولي، بقيادة الولايات المتحدة، طائراته من المشرق العربي إلى مغربه، هل سيحتفظ بمساحة للطائرات المصرية في سماء ليبيا؟

قد يكون جزء من الإجابة كامناً في صفقة الـ"24 طائرة مقاتلة من طراز رافال" التي اشترتها مصر من فرنسا، وأعلن عنها الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند شخصياً، الخميس.

وشراء الطائرات الفرنسية ليس دليلاً في ذاته، على مشاركة مصرية في ضرب محتمل لطائرات التحالف الدولي لأراضٍ ليبية، إلا ما يضع نقاطاً مهمة فوق حروف السؤال، هو ما صرح به هولاند نفسه، قائلاً: إن هذه المعدات "ستسمح لمصر بلعب دورها في خدمة الاستقرار بالمنطقة".

وخدمة الاستقرار في المنطقة، في العرف الغربي، تعني ضرب "الإرهاب" الذي، بالمناسبة، يتمدد رغم "الحرب الشعواء" عليه من الجو والأرض. وإلا فبماذا يفسر شراء مصر، المنهكة اقتصادياً وصاحبة الـ80 مليون نسمة كثير منهم جياع، طائرات تعتبر من أكثر الطائرات المقاتلة فعالية وتطوراً في العالم، والأغلى ثمناً؟

"لعب" مصر لدورها في خدمة الاستقرار في المنطقة، يخدم "هوى" مصرياً قديماً، منذ وصول السيسي إلى كرسي الحكم، في عمل شيء ما ضد تقدم المقاتلين الإسلاميين على الأرض، حتى لو كان هؤلاء المقاتلون ضمن "المعتدلين" في التصنيف الدولي؛ كما ينسجم مع حاجة ضرورية للغاية لرأس حربة عربية "تشرعن" ضرب أراضٍ ليبية أمام الرأي، أسوة برؤوس الحربة من العرب الذين زاروا سماء سوريا وأكثروا فيها الزيارة.

هذا الهوى، قد يكون قرينة كافية للرد على من يقول إنه جرى "استدراج" مصر إلى الفخ الليبي عبر طعم الـ21 قبطياً، ولن ينفع القائلين بفرضية الاستدراج تَوَعّدُ السيسي، الأحد، بـ"القصاص" من قتلة الرهائن، وحديثه عن "قدرة مصر على دحر الإرهاب".

سماء ليبيا "مغرية"، وربما تكون في مرحلة "التزين" لاستقبال طائرات التحالف الدولي أسوة بشقيقتيها في سوريا والعراق، إضافة إلى أن "رائحة" الرهائن الأقباط فيها من القوة ما يكفي لأن تشتمه أنوف طائرات أمريكا وأخواتها.

مكة المكرمة