فنزويلا من الداخل.. هذا ما يجهله العرب عن حكم مادورو

%80 من سكان فنزويلا تحت خط الفقر
الرابط المختصرhttp://khaleej.online/GK7a7Y

مادورو "حاكم مستبد يتشبث بالكرسي ويزوّر الانتخابات ويحبس معارضيه"

Linkedin
Google plus
whatsapp
الأربعاء، 30-01-2019 الساعة 15:52

أحدثت الأزمة في فنزويلا انقساماً عالمياً كبيراً ما بين مؤيد لحكم "الرئيس" نيكولاس مادورو، ومؤيد لإعلان زعيم البرلمان خوان غوايدو نفسه "رئيساً مؤقتاً" للبلاد.

وكان العالم العربي من بين الذين تفاعلوا مع الأزمة، وكان لافتاً الانحياز الكبير لنظام مادورو، بحجة أنه "دولة مواجهة" للولايات المتحدة الأمريكية وللإمبريالية الغربية عموماً، متجاهلين الأزمة الاقتصادية والحالة الاجتماعية المتردية التي كانت حصاد سياسات مادورو.

وعلى عكس مادورو (56 عاماً)، الذي كان "سائق حافلة" قبل أن يصبح رئيساً، ولم يتلق تعليم ما بعد الثانوية؛ فإن خصمه اليوم، خوان غوايدو (36 عاماً)، درس الهندسة في جامعة أندرياس بلُّو الكاثوليكية في فنزويلا، وجامعة جورج واشنطن الأمريكية، كما أنه أصغر عضو برلماني منتخب في تاريخ البلاد.

وعلى الرغم من الثروة النفطية الهائلة لفنزويلا، المقدرة وفق صندوق البنك الدولي بأعلى احتياطي نفطي في العالم بعد السعودية، بما يقارب 300 مليار برميل، فإن الفساد المتراكم من حكم الرئيس الراحل هوغو تشافيز، والذي تفشى بشكل أكبر في عهد مادورو، حطم الحياة الاقتصادية والاجتماعية للبلاد، إذ احتلت المركز التاسع عالمياً في أكثر الدول فساداً، حسب منظمة الشفافية الدولية العام الماضي.

فوفق أرقام دولية رسمية فإن 80% من السكان تحت خط الفقر، ووصل التخضم إلى 20000%، فكيف وصلت فنزويلا إلى هذا الحال؟

فنزويلا.. بلد غني وشعب فقير

جذور الأزمة

عمار مطاوع، الباحث في شؤون دول أمريكا اللاتينية والموجود على حدود فنزويلا مع كولومبيا حيث يرصد موجات اللجوء للفارين من حكم مادورو، روى لـ "الخليج أونلاين" تفاصيل قد يجهلها القارئ العربي عن الحياة داخل هذا البلد الغني المنكوب.

بداية يصف المجتمع الفنزويلي بأنه يشبه الحالة العربية، لا سيما السورية والمصرية، حيث يمثل هوجو تشافيز الزعيم الروحي للبلاد، كجمال عبد الناصر في مصر، وتروج الحكومة لأفكاره التي تعرف بـ "التشافيزية" (El chavismo) وهي كـ "الناصرية" في مصر التي انتشرت لاحقاً في عددٍ من البلاد العربية.

وأوضح أنه "سرعان ما حلت تلك الأفكار السياسية والاقتصادية التي تبناها تشافيز والتي تقوم على اليسارية الاشتراكية، وأفضت إلى عزلة دولية من الناحية السياسية وانهيار تام لاقتصاد البلاد من الناحية الاقتصادية، وهو ما خلق حالة فقدان للثقة بهذا المنهج لدى الشباب الصاعد في البلاد، والذي يعد زعيم الاحتجاجات خوان غوايدو (في الثلاثينيات من عمره) واحداً منهم".

ولفت إلى أن جذور ‏الأزمة تعود إلى حكم الرئيس السابق تشافيز (1999 - 2013)، إذ تسببت حالة العداء مع أمريكا في ضائقة اقتصادية، تفشت بشكل كبير في عهد مادورو، الذي عززها بسياساته الاقتصادية السيئة، التي أفضت إلى خلق حالة تضخم غير مسبوقة في تاريخ الأمريكيتين، وأدت إلى موجة لجوء ضخمة هرباً من الفقر، وصلت إلى 3 ملايين لاجئ في أربع سنوات فقط".

ووصف مطاوع حكم مادورو بـ "المستبد"، وأنه "يتشبث بالكرسي، ويزوّر الانتخابات، ويحبس معارضيه، ويكمم الأفواه، وفوق كل ذلك يقود البلاد بسرعة مهولة للهاوية"، لكنه وصفه الآن بأنه "في أضعف حالاته؛ فقد أعلن قبل أيام قبوله بالجلوس على مائدة التفاوض مع ما أسماها المعارضة، بعد تصاعد التأييد العالمي لغوايدو"، متوقعاً أن تسير البلاد لانتخابات رئاسية مبكرة بإشراف دولي، وهو ما يمنح غوايدو فرصة تاريخية لإزاحة مادورو من موقعه".

الحب المناكف

ومع مسارعة الولايات المتحدة ودول الأمريكيتين، عدا المكسيك وبوليفيا والأورغواي وكوبا، إضافة إلى دول أخرى، للاعتراف بغوايدو، تعاطف العديد من العرب والمسلمين مع مادورو بشكل لافت، وخرجت المسيرات المتاضمنة معه في تركيا ومصر والأردن وتونس وماليزيا وحتى غزة.

مظاهرات داعمة لمادورو

كما انتشرت المقالات التي تصفه بـ "المقاوم" و"العظيم" و"الشجاع"، وبدأت تنسج خيوط المؤامرة ضد حكمه بهدف استيلاء أمريكا على نفط بلاده، وكان أكثرها دراما حديث قناة "المنار" اللبنانية عن أن هناك "مؤامرة لكسر محور المقاومة الممتد من موسكو إلى كاراكاس، مروراً بطهران وبغداد ودمشق وبيروت".

واللافت أن دولاً تعادي الديكتاتورية كتركيا، العدو الأبرز لنظام الديكتاتور السوري بشار الأسد، ساندت مادورو فقد اتصل به الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وقال له: "نحن معك.. اصمد"، حتى الصحف الإسلامية نشرت رسومات لمادورو وهو يرفع شعار "رابعة"، التي اشتهرت في مواجهة نظام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، والذي تتهمه منظمات دولية بارتكاب انتهاكات فظيعة ضد حقوق الإنسان في مصر، حتى إن منهم من دعا له بالنصر، واصفاً إياه بـ "المؤمن"، كما يستخدم الشعار نفسه حزب العدالة والتنمية التركي، في إشارة إلى رؤية الحزب.

يرى عمار مطاوع في هذا الصدد أن هذه التغطية الإعلامية نتيجة لغياب مصادر تنقل الأخبار بين أمريكا اللاتينية والمنطقة العربية، لذلك لا يعرف كل طرف عن الآخر سوى الخطوط العريضة لقضاياه دون الخوض في التفاصيل التي تكون مهمة للغاية، وينطلق كل طرف من الثوابت العامة في تقييم قضايا الطرف الآخر.

ودل مطاوع  على كلامه بما حدث حين شنت الولايات المتحدة غارات على مواقع عسكرية لنظام بشار الأسد رداً على ارتكابه مجزرة بالسلاح الكيماوي في ريف العاصمة دمشق، في أبريل من العام الماضي، ذلك أن أغلب النشطاء والصحفيين في أمريكا اللاتينية يؤيدون الأسد، ويرونه يحارب "الإمبريالية الأمريكية"، دون أن يكون لديهم علم بأن كثيراً من السوريين أنفسهم كان مؤيداً لتلك الضربات، وأن الأسد طاغية يقتل شعبه وليس "مقاوماً".

وأضاف لـ"الخليج أونلاين": "‏هذا الأمر يتكرر عكسياً الآن مع مادورو في العالم العربي، حيث تسبب الدعم الأمريكي السريع لغوايدو في توهم المحللين العرب غير المطلعين على مطالب الشعب الفنزويلي، بأن مادورو رئيس شرعي يقاوم التوغل الأمريكي، وأن الشاب الطموح غوايدو ليس سوى دمية تحركها أمريكا في فنزويلا".

كما فسر "مطاوع" الدعم الأمريكي السريع لغوايدو بأن "له تاريخاً طويلاً من النضال السياسي في بلاده، وكان اسمه يتردد بين الفنزوليين بصفته ممثلاً لحراكهم منذ سنوات ضمن أسماء أخرى من المعارضين البارزين"، لكنه ذكر أنه "بغض النظر عن المبررات الأمريكية لدعمه، فإن ذلك لن ينفي حقيقة أن الرجل يمثل الشريحة الغاضبة في الشارع الفنزويلي الآن، وليس منطقياً أن يشكك المحللون العرب في لحظة فارقة من النضال الفنزويلي ضد مادورو، لمجرد أن طرفاً خارجياً قرر- لسبب ما- أن يوافق هذه الخيارات الشعبية".

وأشار مطاوع إلى أن "هناك أطرافاً أكثر أهمية من أمريكا في هذا الصدد دعمت غوايدو، منها مجموعة ليما التي تضم البيرو وكولومبيا والبرازيل والإكوادور، وهي دول الجوار الفنزويلي المتضررة من موجة اللجوء العارمة المصدرة من فنزويلا، التي لا تعترف بمادورو حتى قبل انطلاق الاحتجاجات، بل وتمنع دخوله إلى أراضيها"، ليتساءل في النهاية: "فهل هناك مؤامرة كونية ضد مادورو؟".

مكة المكرمة