فورين بوليسي: لهذه الأسباب لا تلوموا تركيا على مشاكل الناتو

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/Dw82eJ

أعطت الولايات المتحدة الأولوية لمصالحها الخاصة

Linkedin
whatsapp
الأربعاء، 04-12-2019 الساعة 15:00

سلطت مجلة "فورين بوليسي" الضوء على حلف شمال الأطلسي (الناتو) الذي يمر في ذكرى تأسيسه الـ70 باختبار جدي حول تماسكه، في وقت تعصف به التحديات الداخلية والخارجية بشكل غير مسبوق.

في مقابلة مع مجلة "الإيكونومست" قبل بضعة أسابيع قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إن الحلف يعاني من "موت دماغي"، وكانت حجته أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم يعد مهتماً بالدفاع عن أوروبا، كما أشار إلى أن عملية "نبع السلام" التركية شمال سوريا التي انتقدتها بلاده دليل على خلل سياسي داخل التحالف.

والأسبوع الماضي، تعرضت أنقرة لانتقادات بسبب عرقلة خطة دفاع الناتو لدول البلطيق وبولندا من روسيا.

كل هذا يطرح السؤال التالي: "هل أصبحت تركيا تهديداً حقيقياً للتماسك السياسي لحلف الناتو؟".

الإجابة ليست سهلة، وفق فورين بوليسي؛ إذ يتكيف الناتو حالياً مع التغييرات في البيئة الأمنية العالمية، حيث يعمل باستمرار على مراجعة المشهد المتغير منذ نهاية الحرب الباردة، ويسعى جاهداً لتكييف استراتيجيته مع الظروف الدولية المتغيرة.

وكان السبب الوجودي لحلف الناتو هو الدفاع عن أمن الدول الغربية في مواجهة التهديدات السوفييتية، ولكن في نهاية الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991، واجه الناتو أزمة هوية، فقد ذهب الخطر الوجودي لحرب شاملة، لكن أظهرت الحروب الأهلية اليوغوسلافية في التسعينيات التي وقعت في قلب أوروبا، أن التحالف كان لا يزال مفيداً وإن كان بطريقة مختلفة.

وخلال قمة الناتو 2010 تعزَّز المفهوم الاستراتيجي للحماية ليشمل لا الدول الأعضاء فقط، بل تخطى حدوده التقليدية ليشارك في مناطق مثل أفغانستان وليبيا، التي كانت تعتبر في السابق "خارج المنطقة" أو مناطق محظورة، مطورين نظرة أكثر شمولية لأمنهم القومي لتتناسب مع التهديدات العالمية المستمرة.

وأُعدت خطط لحماية الجبهة الشرقية التي تغطي دول البلطيق وأوروبا الشرقية، والجبهة الجنوبية مع التركيز على تركيا، من أجل تكييف استجابة الناتو بشكل أفضل للتطورات على الأرض.

الناتو

إدارة الأولويات

لكن في المقابل يواجه الناتو ظروفاً صعبة في إدارة أولويات الأمن القومي المتباينة لأعضائه، ومن ضمنهم الولايات المتحدة، العضو الرئيسي في الناتو، فالخطاب الساخر الذي كثيراً ما يستخدمه ترامب تجاه الحلف أثار تساؤلات حول مدى التزام واشنطن بأمن حلفائها الأوروبيين، مما يقوض تماسك الحلف وقدرته على الردع.

كما انعكست نظرة الأمن القومي للولايات المتحدة بظهور تنظيم الدولة في العراق وسوريا (داعش)، حيث أصبحت المعركة ضده أولوية أساسية، وشكل صناع السياسة الأمريكيون تحالفاً تكتيكياً مع وحدات حماية الشعب الكردي (YPG) في سوريا لمحاربته، والذي ترى فيه تركيا (ثاني أكبر عضو في الناتو) تهديداً جدياً، ليفضل ساسة واشنطن أن يظلوا غافلين عن الخطر الذي يشكله هذا التحالف بالنسبة لعلاقاتهم الثنائية مع حليفتهم أنقرة.

أيضاً، تحركت واشنطن لمنع تنفيذ خطة الناتو الدفاعية عن تركيا، التي أقرت عام 2016 باستخدام حق "الفيتو" الممنوح لها، والسبب هو أن الخطة اعتراف بمخاوف تركيا المشروعة من وحدات حماية الشعب، التي تصفها أنقرة بأنها "تنظيم إرهابي"، وهو ما يزعزع تحالف واشنطن مع التنظيم.

كما أعطت الولايات المتحدة الأولوية لمصالحها الخاصة بطريقة كانت متعارضة تماماً مع مصالح أحد حلفائها في الناتو (تركيا)، متجاهلة مخاوف تركيا، كما ورفضت بحثها داخل الناتو "خشية تحول القضية إلى نزاع داخلي يمكن أن يقسم ويضعف الحلف" كما يقول الساسة الأمريكون.

تنمر واشنطن على أنقرة أدى إلى تدهور علاقاتهما الثنائية بسرعة، وزاد من تأزمها رفض الإدارة الأمريكية حتى الآن تسليم فتح الله غولن، المتهم بتدبير محاولة الانقلاب الفاشلة صيف عام 2016، وهو ما أدى إلى تقارب تركيا مع روسيا - العدو التاريخي للناتو - وشراء منظومة الصواريخ الروسية S-400.تركيا

تمييز بين الأعضاء

ومع عدم رغبة حكومة الولايات المتحدة في رفع حق النقض (الفيتو) عن تنفيذ خطة الناتو الدفاعية الخاصة بتركيا، تنتقم أنقرة الآن وتهدد باستخدام حق النقض (الفيتو) ضد خطة حماية الجبهة الشرقية التي تغطي دول البلطيق وبولندا من التهديدات الروسية، بحجة أن "أمن دول الحلف كافة غير قابل للتجزئة أو التمييز".

الموقف التركي هذا أثار غضب دول الجبهة الشرقية مثل بولندا وإستونيا، ولكن هذه مسؤولية الإدارة الأمريكية التي عليها بذل الجهود لتحسين أمن أعضائها دون تمييز.

ترى "فورين بوليسي" أن الخلاف بين أكبر قوتين داخل الحلف؛ تركيا والولايات المتحدة، بات أحد أهم التحديات التي يواجهها في الذكرى السنوية الـ70 لتأسيسه، إذ كيف يمكن للناتو أن يحافظ على تماسكه السياسي في بيئة تكاثرت فيها التهديدات وتنوعت؟!

إن إعادة بناء استراتيجية الناتو بعد الحرب الباردة كتحالف لمواجهة التهديدات التي لا تدعو إلى نزاع دولي مسلح مباشر، قد أوجد معضلة لقادته، فكل عضو في الحلف لديه الآن تصور مختلف للتهديدات، مثل التطرف والإرهاب، وانتشار أسلحة الدمار الشامل، وفشل الدول المجاورة للأعضاء كسوريا والعراق وليبيا.

باختصار، أصبحت مهمة ضمان التماسك السياسي داخل التحالف أكثر تعقيداً، كان من الأسهل بكثير إيجاد سياسة توافقية لمناقشة التهديدات "الوجودية" التي تواجه كل دولة.

يجب أن تشدد الدبلوماسية التركية خلال قمة الناتو في لندن على ضرورة معالجة الخلافات حول التهديدات التي تواجهها، من خلال توسيع نطاق المشاورات التي تضمنها المادة الرابعة من معاهدة حلف شمال الأطلسي والتي تنص على "تبادل الآراء حول أي تطورات قد تؤثر على أمن الدول الأعضاء"، وفي حال الفشل في التوافق على حل مشترك فإن ذلك يؤكد تشخيص الرئيس الفرنسي بأن "الناتو في غيبوبة".

الاكثر قراءة

مكة المكرمة