في زحمة الاستقطاب.. زلّة لسان تكشف نظرة رباعي الحصار لتركيا

رفضت تركيا المطالب الرئيسة التي أصدرتها الدول الأربع

رفضت تركيا المطالب الرئيسة التي أصدرتها الدول الأربع

Linkedin
Google plus
whatsapp
الخميس، 08-03-2018 الساعة 21:28


بقصد أو دون قصد كشف وليّ العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، عن نظرة بلاده الحقيقية لدولة تركيا؛ عندما أشار إليها في حديثه عن دول قال إنها تمثّل "محور الشر" في المنطقة، قبل أن تنفي سفارة المملكة في أنقرة هذه التصريحات.

وخلال زيارته للقاهرة كان الأمير السعودي يتحدّث إلى رؤوساء تحرير الصحف القومية المصرية عندما قال إن تركيا "جزء من مثلث الشر" في المنطقة، إلى جانب إيران والجماعات الإسلامية المتشدّدة، وهو التصريح الذي تناقلته وسائل الإعلام المصرية على وجه السرعة.

بن سلمان

ووفقاً لما نقلته صحف القاهرة، فقد اتهم بن سلمان الدولة التركية بالسعي لإحياء الخلافة الإسلامية، التي سقطت قبل نحو قرن من الزمان عندما انهارت الإمبراطورية العثمانية. كما نقلت صحيفة "الشروق" المصرية قوله: "مثلث الشر الراهن يتمثّل في إيران وتركيا والجماعات الدينية المتشدّدة".

وفي محاولة لتدارك تصريح ولي العهد، سارعت سفارة المملكة لدى تركيا، الأربعاء 7 مارس 2018، لنفي ما يتعلّق بما نقلته الصحف المصرية عن بن سلمان، قائلة إنه كان يتحدّث عن الجماعات الإرهابية.

بيان

اقرأ أيضاً :

بعد قطر.. هل حان الموعد الإماراتي - السعودي لمقاطعة تركيا؟

- كشف المستور

وبعيداً عن المحاولات الدبلوماسية لمعالجة الأمور، فإن ما يكنّه وليّ العهد السعودي في صدره فضحته زلّة لسانه، إذ تبدو المملكة غير راضية أبداً عن السياسة التركية التي تتقاطع معها في عدد من الملفّات الحساسة، وخاصة فيما يتعلّق بمصر وقطر.

ومما لا شكّ فيه أن السعودية التي تقود مقاطعة دولة قطر ومحاصرتها، بل وتسعى لإسقاط نظامها السياسي، لا ترى في أنقرة صديقاً، خاصة أن الأخيرة كانت أول من سارع لإحباط المخطط الذي استهدف الدوحة مع اندلاع الأزمة الخليجية، في يونيو 2017، وبدأت بإرسال قوات عسكرية ضمن اتفاقات سابقة.

حالة عدم الرضا السعودي عن الدولة التركية لم تكن بحاجة لتصريح من هذا النوع الذي أطلقه بن سلمان، فقد سبق أن اتّضحت خلال تغطية وسائل إعلام سعودية وإماراتية لمحاولة الانقلاب الفاشلة التي استهدفت الرئيس رجب طيب أردوغان، في يوليو 2017، والتي بدا فيها نوع من الانحياز للطرف المنقلب.

وعندما افتعلت دول الحصار الأزمة مع قطر حاول الرئيس التركي إصلاح ذات البين، وزار الرياض في محاولة لإنهاء الخلاف في بداياته، وقال إن السعودية بوصفها قائدة الخليج قادرة على طيّ هذه الصفحة وإعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل الأزمة، لكن هذه الأحاديث لم تجد صدى لدى قيادة المملكة.

- على خُطا الإمارات

وفي هذا السياق لا يمكن أيضاً تجاهل الهجوم الإماراتي المتواصل على أنقرة، والذي بلغ ذروته نهاية العام الماضي؛ عندما هاجم وزير خارجية أبوظبي، عبد الله بن زايد، الأتراك واتهمهم بسرقة المدينة المنورة خلال فترة الخلافة العثمانية، الأمر الذي دفع الرئيس التركي إلى الدخول شخصياً على خط المواجهة، وتوجيه رسائل موجعة لقادة الإمارات، الذين طالبهم بـ "التزام حدودهم ومعرفة مع من يتحدثون".

وكان جلياً التحريض الإماراتي بالولايات المتحدة على تركيا؛ في رسائل سُرّبت من البريد الإلكتروني لسفير الإمارات في واشنطن، يوسف العتيبة، وجّهها لصحفي بـ "نيويورك تايمز"، في أبريل 2017، يقول فيها: "لا نريد لتركيا كما قطر أن تكون قادرة على تشكيل قائمة طعام، فضلاً عن القدرة على إدارة الملفّات في الإقليم".

بن سلمان وبن زايد

وفي مراسلة سابقة، أرسل المستشار الأعلى لمؤسّسة الدفاع عن الديمقراطية، جون هانا، وهو نائب مستشار الأمن القومي السابق لنائب الرئيس ديك تشيني، إلى العتيبة مقالة تتهم الإمارات والمؤسّسة بالتورّط في المحاولة الانقلابية بتركيا، فكان ردّ العتيبة على الرسالة بالقول: "يشرّفنا أن نكون معكم".

ولا يمكن تجاهل الدعم الكبير الذي قدّمته تركيا لحليفتها قطر فور اندلاع الأزمة الخليجية الأخيرة، فضلاً عن التعاون العسكري بين البلدين، والذي بلغ ذروته إبان أزمة يونيو الماضي، التي فرضت فيها السعودية والإمارات والبحرين ومصر قطيعة وحصاراً ضد قطر.

وقد نجحت القيادة التركية في إفشال مخطط التدخّل العسكري في قطر؛ عندما أرسلت جزءاً من قواتها إلى الدوحة، بناء على اتفاقية أُبرمت في 2014، وصدّق عليها البرلمان التركي بعد ثلاثة أيام من الأزمة، بطلب من الرئيس أردوغان.

اردوغان وامير قطر

كما رفضت تركيا المطالب الرئيسة التي أصدرتها الدول الأربع، في يونيو الماضي، لإنهاء الأزمة مع قطر، ومن بينها إغلاق القاعدة العسكرية التركية هناك، وأكّدت على لسان مسؤوليها أنها لا تخطط لإغلاق قاعدتها بالدولة الخليجية، وإثر ذلك وجدت أنقرة نفسها في قلب الأزمة؛ بسبب تشابك المصالح التي تربطها بأطرافها.

هذا الأمر دفع السعودية إلى التلويح بالورقة الكردية في وجه تركيا مقابل مساعدتها لقطر، وقد عكف الإعلام السعودي مؤخراً على إجراء لقاءات وحوارات مع معارضين سياسيين أكراد لتركيا، وهي مسألة أثارت توقعات بأن تؤثر بشكل بالغ في علاقة دول الحصار بتركيا على المستويَين السياسي والاقتصادي.

ومع استمرار الاحتقان بين أنقرة والقاهرة بسبب عزل الجيش للرئيس محمد مرسي، في يوليو 2013، ثم وصول عبد الفتاح السيسي، الذي قاد عملية العزل، إلى سدة الحكم، وما تلاه من محاولات اجتثاث لتيار الإسلام السياسي، وبالأخص جماعة الإخوان المسلمين، بات من الطبيعي أن تضع السلطات السعودية نظيرتها التركية في جانب الخصوم.

فقد دعمت السعودية السيسي في انقلابه على مرسي، ثم واصلت دعمه طوال أربع سنوات وضع خلالها مصر في أتّون أزمات سياسية واجتماعية واقتصادية وأمنية باتت تهدّد وجودها، بحسب صحف غربية، في حين لا تزال أنقرة ترفض مجرد الاعتراف بشرعية السيسي، الذي يقف على بعد أسابيع من فترته الرئاسية الثانية.

ورغم التأكيدات السعودية على متانة العلاقات بين البلدين، فإن حجم الخلاف يبدو أكبر من أن تخفيه الصدور، خاصة أن الملفّات التي تتعارض فيها الرؤية التركية مع السعودية تتزايد يوماً بعد يوم، وهو أمر يصعب على الرياض تحقيق أهدافها في قيادة المنطقة بما يخدم مصالحها ويساعدها في الوفاء بالتزاماتها.

ففي الشأن السوري تقاتل القوات التركية مع الجيش السوري الحر في عفرين جنباً إلى جنب وتصرّ على رحيل بشار الأسد، في حين تغيّر موقف السعودية من شرط رحيل رئيس النظام.

ويرى مراقبون أن الرياض تنظر بعين الريبة للتقارب الإيراني التركي الأخير، الذي تمثّل في عقد مفاوضات أستانة العام الماضي، وما ترتّب عليها من توافق على مناطق لخفض التوتّر برعاية الثلاثي روسيا وتركيا وإيران.

وفي القضية الفلسطينية تبدو المملكة ووليّ العهد تحديداً جزءاً أصيلاً من صفقة القرن التي يسعى من خلالها الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، لإنهاء الصراع لصالح المحتلين، في حين أن الموقف التركي يرفض هذه الصفقة جملة وتفصيلاً، وقد تجلّى الخلاف عندما أعلن ترامب اعتراف بلاده بالقدس المحتلة عاصمة لـ "إسرائيل"، وهو الإعلان الذي ردت عليه أنقرة بلهجة شديدة وتهديدات صريحة، في حين اكتفت الرياض ببيان خافت.

وبالتوازي مع ذلك علت الأصوات التي تلمّح إلى أن تركيا هي الثانية على قائمة المقاطعة "الرباعية" بعد قطر، خاصة من قبل صحفيين وحتى مسؤولين أمريكيين محسوبين على محور دول الحصار.

ستيف بانون، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، السابق، قال في أكتوبر 2017 ، بحوارٍ مع صحيفة "الشرق الأوسط" السعودية، إن تركيا "هي أكبر الأخطار التي تهدّد الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاءها بالخليج"، مؤكّداً أنها "ليست في مثل خطورة جارتها إيران؛ بل هي أخطر".

كما تنبّأ مايكل روبن، المسؤول السابق في الكونغرس، وأول من توقّع في مقال له يعود لعام 2015 بصحيفة "وول ستريت جورنال" حدوث انقلاب في تركيا، بأن تركيا الثانية بعد قطر، وكتب تغريدة باللغة التركية من أربع كلمات تقول: "اليوم قطر، غداً تركيا؟".

ومؤخّراً منعت قنوات سعودية، وعلى رأسها شبكة "MBC"، عرض المسلسلات التركية؛ في خطوة وُصفت بـ "السياسية"، وتعكس بداية لسلسلة من الإجراءات السعودية ضد تركيا، ما يؤشّر على ظهور الخلاف المخفيّ بينهما إلى العلن.

وفي ظل هذه المقدمات فإن حديث بن سلمان عن تركيا بوصفها "إحدى دول محور الشر" يبدو كاشفاً أكثر منه صادماً؛ فالأمير الذي يستمدّ قوته كاملة من دعم دونالد ترامب وصهره جاريد كوشنر، لا يمكن له أن يضمر خيراً لتركيا التي يقول مسؤولوها إن علاقتها بواشنطن تقف على حافة الانهيار؛ بسبب دعم الأخيرة للمسلّحين الأكراد الذين تقاتلهم أنقرة في عفرين.

بن سلمان وترامب

ويبدو غياب الرئيس التركي عن القمة التي جمعت نظيره الأمريكي بزعماء العالم الإسلامي، خلال زيارته للرياض في مايو 2017، بداية وضعه ضمن "محور الشر" الذي يتحدّث عنه بن سلمان.

وتشير الأحداث إلى أن البيت الأبيض هو الذي يضع من يريد ضمن "محور الشر" الذي تتخذه دول الحصار عدواً، إذ تشير تسريبات إلى أن أمير قطر رفض صفقة القرن التي طرحها ترامب على الحاضرين في قمة الرياض، الأمر الذي كان إيذاناً بالهجوم على الدوحة.

وفي هذه النقطة تحديداً لا يمكن تجاهل تغريدة الرئيس الأمريكي وقت اندلاع الأزمة الخليجية، التي قال فيها إن الإجراءات التي اتّخذتها دول الحصار بحق قطر "كانت من وحي خطابي في الرياض".

ومع التقارب الشديد بين ولي عهد السعودية وولي عهد أبوظبي، محمد بن زايد، والرئيس المصري، تبدو تركيا هدفاً ليس بعيداً عن مخططاتهم الهادفة إلى القضاء على أي تجرية ديمقراطية، وتقليم أظافر كل تجربة إسلامية.

مكة المكرمة