قتل خاشقجي في تركيا.. عندما انقلب السحر على الساحر

أردوغان نجح في إدارة التصريحات الإعلامية مع السعودية

Linkedin
Google plus
whatsapp
السبت، 27-10-2018 الساعة 11:58

لم يكن مستغرباً اختيار المملكة العربية السعودية الأراضي التركية لتنفيذ جريمة قتل الصحفي الراحل، جمال خاشقجي؛ فسجلّ المكائد والحيل التي دبّرتها الرياض لأنقرة تكاد ألا تحصى.

فجريمة اغتيال الرجل التي هزّت العالم بأسره، كانت تسعى من خلالها السعودية إلى إحراج تركيا، التي تعرّضت لحملات تشويه وقفت وراءها الحليفتان الخليجيتان؛ الرياض وأبوظبي.

ومن هجوم كلامي، إلى تقارير صحفية مضادة، وحملات مقاطعة شعبية، ذهبت المملكة إلى أبعد من ذلك في اختيارها قنصلية السعودية في إسطنبول في محاولة لتوريط تركيا.

وهذه النية ترجمتها تصريحات وسائل إعلام سعودية وأخرى عربية تدعم نظام المملكة، والتي زعمت أن تركيا هي المسؤولة عن قتل خاشقجي، وكل ذلك في محاولة لتشويه صورتها.

وخلال أشهر خلت، واصلت أطراف سعودية مدعومة رسمياً شنّ حرب كلامية وتحريضية على تركيا، وصلت إلى حدِّ الإساءة المباشرة للرئيس التركي في إحدى أهم الصحف الورقية السعودية.

الرياض وحليفتها أبوظبي سخّرتا وسائل الإعلام و"الذباب الإلكتروني" على موقع "تويتر" في حملات متواصلة طالبت، قبل 3 أشهر، بمقاطعة السياحة التركية.

وآنذاك تصدّرت وسوم "هاشتاغات" مثل: "#مقاطعة_السفر_الى_تركيا"، و"#مقاطعة_السياحة_التركية". ورغم ذلك ظلّت تركيا وِجهة رئيسة لمواطني السعودية.

محاولة لتوريط تركيا

في هذا الإطار يرى مستشار رئيس حزب "العدالة والتنمية" التركي الحاكم، ياسين أقطاي، أن هناك جوانب وأبعاداً خفيّة وراء اغتيال خاشقجي، أبرزها التآمر على تركيا واستهدافها".

أقطاي يشير إلى أن "بعض الأطراف المعادية (لم يسمّها) تريد إثارة الفتنة والتحريض، وهذا ما أُريد من الحادثة؛ ضرب 10 عصافير بحجر واحد، بينها جمال خاشقجي شخصياً، إلا أن الهدف الأساسي كان تركيا".

المستشار وخلال تصريحات صحفية لوسائل إعلام محلية، أكّد أن "قتلة خاشقجي كانوا يريدون توريط تركيا؛ بالقول إن مواطناً سعودياً اختفى على أراضيها، وتحميلها مسؤولية سلامته، ومن ثم تشويه سمعتها على الساحة الدولية".

مخطّط خطير

أما الكاتب التركي في صحيفة "يني شفق" المحلية، إبراهيم قراغول، فيربط اغتيال خاشقجي بمخطط دولي تقف وراءه السعودية والإمارات لمحاولة توريط تركيا.

ويقول الكاتب: إن "تنفيذ هذه الجريمة يأتي كجزء من مخطط جديد يستهدف المنطقة (الشرق الأوسط) ويديره ولي عهد السعودية، محمد بن سلمان، وولي عهد أبوظبي محمد بن زايد، وصهر الرئيس الأمريكي، جاريد كوشنر".

ويوضح أن هدف هذا المخطط يرمي في الواقع إلى تدمير المنطقة بأكملها، ووضع وصاية جديدة عن طريق بن زايد وبن سلمان، وشلّ حركة تركيا، وإبعاد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وحزبه عن السلطة.

قراغول يرى أن جريمة اغتيال خاشقجي في تركيا كانت "أداة لتنفيذ المخطط الذي يسعى إلى تغيير جميع خرائط المنطقة الواقعة بين الخليج العربي شرقاً والبحر الأحمر غرباً، وهذا الأمر تعيقه دولة وحيدة هي تركيا".

وذهب الكاتب إلى ما هو أخطر من ذلك؛ إذ قال: "إن هذا المخطط يرمي لإشعال فتيل حرب إقليمية، وإطلاق موجة استيلاء في المنطقة، وجرّها إلى صراعات لا نهاية لها. وجريمة خاشقجي تطوّر مهم كشف تفاصيل هذا المخطط السري".

السحر والساحر

وبالعودة إلى تصريحات مستشار حزب العدالة والتنمية الحاكم، يؤكّد أن "من خطّط لهذا العمل (جريمة خاشقجي) وقع في الحفرة التي حفرها بنفسه".

وفي مقال للكاتب التونسي عمار عبيدي، نشره في موقع "تركيا بالعربي"، وحمل عنوان "أهداف اغتيال خاشقجي"، يتحدّث عن "السحر" (اغتيال خاشقجي)، وكيف انقلب على الساحر (السعودية).

ويقول: "كانت الضغوطات المسلّطة على النظام الحاكم في تركيا قبيل اغتيال خاشقجي توحي بأن الخناق يضيق على حزب العدالة والتنمية (..) وقد تراءى للكثير أنها فرصة لاستباحة الأراضي التركية".

وتابع: "كانت قضية القس الأمريكي أندرو برانسون، الذي تورّط في محاولة الانقلاب (الفاشلة في تركيا صيف 2016) مع مجموعة غولن الإرهابية، كافية -حسب هؤلاء- لنهاية الحلم التركي".

ويضيف الكاتب: "تعويل المخطّطين لمقتل خاشقجي على تصلّب الأتراك، وخصوصاً الرئيس أردوغان، قابلته مراوغة تاريخية من القضاء التركي نسفت أحلام هؤلاء، بل ارتدّت الخطة على أصحابها، ووضعت رقبة بن سلمان تحت سكين النظام الدولي".

وعن هذه المراوغة يقول: "لو سرّب الأتراك كل معطياتهم (أدلة الجريمة) من البداية لوجدت السعودية وقتاً كافياً للتفكير في رواية واحدة مقنعة، لكن منظومة القطرة-قطرة جعلتهم يسردون قصصاً عمّقت تورّطهم دولياً ونزعت عنهم البراءة".

وفي هذا الإطار يؤكد تقرير لقناة "الجزيرة" أن "المتتبّع للجهد التركي خلال محطات الأزمة لن يعجز عن ملاحظة ذلك الاشتغال المتسلسل، والتكامل العالي المستوى بين المكوّنات الأمنية والسياسية والإعلامية التركية".

وتحدّث التقرير عن الخطط التركية التي نجحت في إحراج السعودية، ودفعها -دون أي توترات دبلوماسية- نحو التلميح إلى مسؤوليّتها غير المباشرة عما حدث للصحفي المعارض لسياسات المملكة الداخلية والخارجية.

خضوع سعودي لتركيا

قضية خاشقجي دفعت ولي عهد السعودية إلى التراجع عن مواقف بلاده الحادّة من تركيا، التي يبدو أن بحوزتها أوراق ضغط في الجريمة التي هزّت العالم.

ففي أول تعليق لبن سلمان، بعد إقرار بلاده بأن خاشقجي قُتل داخل قنصليتها في إسطنبول، بدا ولي العهد أيضاً مغازلاً في كلماته التي اختارها بعناية في حديثه عن تركيا.

كيف لا وقد أعلن الرئيس التركي أن بلاده بحوزتها "أدلة قوية" على أن جريمة قتل الرجل الصحفي "مدبَّرة وليست صدفة"، وأن "إلقاء تهمة قتله على عناصر أمنية لا يقنعنا نحن ولا الرأي العام العالمي".

وخلال كلمة له في مؤتمر "مبادرة مستقبل الاستثمار"، قال بن سلمان: إن "البعض يحاول استغلال قضية خاشقجي لإحداث شرخ بين المملكة وتركيا".

واعتبر أن "هذا (الشرخ) لن يحدث ما دام موجوداً ملك اسمه سلمان بن عبد العزيز، وولي عهد اسمه محمد بن سلمان، ورئيس تركي اسمه رجب طيب أردوغان".

عادل الجبير، وزير خارجية الرياض، تغزّل أيضاً بتركيا على غرار ولي عهد بلاده، إذ قال خلال مؤتمر صحفي، السبت 27 أكتوبر: إن "تركيا دولة صديقة".

واختفى جمال يوم 2 أكتوبر، في قنصلية بلاده بإسطنبول، قبل أن تعترف السعودية بمقتله بعد 18 يوماً من الصمت، في حين توالت الروايات الصادرة عن الرياض بشكل متناقض.

مكة المكرمة