قطر وأمريكا.. رهان رابح على علاقات استراتيجية قوية

تعزيز التعاون في محاربة الإرهاب لم يصل متأخراً بعد أزمة الخليج

تعزيز التعاون في محاربة الإرهاب لم يصل متأخراً بعد أزمة الخليج

Linkedin
Google plus
whatsapp
الثلاثاء، 30-01-2018 الساعة 20:57


تعود العلاقات التاريخية بين قطر والولايات المتحدة الأمريكية لنحو نصف قرن من الزمان، تطوّرت بشكل كبير مع حرب الخليج الثانية وتحرير الكويت، وبشكل خاص منذ انتقال مركز العمليات الجوية الأمريكية من السعودية إلى قاعدة العديد الجوية بالدوحة.

ومنذ اندلاع الأزمة الخليجية صيف العام الماضي، لم تُثنِ الاتهامات التي تسوِّقها دول حصار قطر، عن مضي الدوحة قدماً في خطتها لتعزيز دورها الكبير في مكافحة الإرهاب والاستعداد عسكرياً لذلك؛ وذلك من خلال عدد من الخطوات التي اتخذتها مؤخراً في هذا الشأن، وتحديداً بمشاركة الولايات المتحدة الأمريكية.

- تقدُّم كبير

وفي خطوة تعكس متانة واستراتيجية العلاقات بينهما، وقّعت قطر والولايات المتحدة، الثلاثاء الـ30 من يناير 2018، ثلاث مذكرات تفاهُم؛ الأولى لترسيخ الحوار، ووثيقة مشتركة للتعاون الأمني، ومذكرة تفاهم لمكافحة الاتجار في البشر، وذلك ضمن الحوار الاستراتيجي بين البلدين، المنعقد في واشنطن.

الشراكة بين الدوحة وواشنطن اتسعت لتشمل التكاتف في مواجهة أي عدوان خارجي على قطر، حيث اتفق البلدان على العمل المشترك لحماية قطر من التهديدات الخارجية، وهو ما ينسف طموحات دول الحصار بالتفكير في التصعيد عسكرياً ضد الدوحة، حيث كُشف تخطيطها لذلك عقب بدء الأزمة.

وهذه الاتفاقية قد تشير بوضوح إلى أن الولايات المتحدة ستكون مجبَرة على تفعيل "عقيدة كارتر" للدفاع عن قطر في حال تعرُّضها لأي خطر عسكري خارجي، كما فعلت عند غزو الكويت عام 1990 لتحريرها وحماية الحدود السعودية.

و"عقيدة كارتر"، هي سياسة أمريكية تم إعلانها من قِبل الرئيس الأمريكي السابق، جيمي كارتر، خلال خطاب حالة الاتحاد السنوي في 23 يناير 1980، وتنص على السماح للولايات المتحدة باستخدام القوة العسكرية للدفاع عن مصالحها في منطقة الخليج العربي.

كانت العقيدة رداً على غزو الاتحاد السوفييتي لأفغانستان في عام 1979؛ إذ ذكر كارتر أن القوات السوفييتية في أفغانستان "تشكل تهديداً خطيراً لحرية حركة نفط الشرق الأوسط".

وزير الخارجية الأمريكي، ريكس تيلرسون، أكد خلال الجلسة الافتتاحية للحوار الاستراتيجي الأول بين البلدين، أن قطر حققت تقدماً كبيراً في مكافحة الإرهاب، مضيفاً أن بلاده "ملتزمة بسيادة دولة قطر وأمنها، وإن من يهدد سيادة قطر فإن الدوحة تعلم أنه يمكنها الاعتماد على الولايات المتحدة لحماية سيادتها".

وأكد تيلرسون أن "قطر صديق وشريك قوي وقديم للولايات المتحدة"، مشيداً بتطور ونمو مناخ الاستثمار في قطر، وأن "أي مستثمر لديه ثقة كبيرة بالاقتصاد القطري؛ بسبب المؤسسات القوية، واحترام العقود الذي يعتبر أمراً مهماً لكل مستثمر".

وفي خطوة تدحض مزاعم دول الحصار، شكر وزير الدفاع الأمريكي، جيمس ماتيس، دولة قطر لدعمها واشنطن وجهودها في الحرب على الإرهاب وعلى التزاماتها الأمنية في مواجهته، مبيناً أن "قطر صديق وشريك قوي وقديم للولايات المتحدة".

كما طالب ماتيس بضرورة "استعادة مجلس التعاون الخليجي تماسكه"، بعد الأزمة الخليجية التي هزت كيانه، في انتقاد واضح له ولممارسات دول الحصار على مدى 7 أشهر.

كلام ماتيس عن اعتماد واشنطن على الشريك القطري في ملف الإرهاب، يمثل دحضاً جديداً لدعاوى دول الحصار الأربع (السعودية، الإمارات، البحرين، مصر)، التي بررت مقاطعتها لقطر وفرضها حصاراً خانقاً عليها، في الخامس من يونيو الماضي، بدعم الدوحة للإرهاب، وهو ما نفته الأخيرة مراراً، مؤكدة أنها تتعرض لمحاولات نيل من سيادتها وسيطرة على قرارها الوطني.

كما أن تعزيز التعاون في محاربة الإرهاب بين واشنطن والدوحة لم يصل متأخراً بعد أزمة الخليج؛ بل جاء بعد شهر واحد من بدء الهجمة على قطر، حين وقع الطرفان مذكرة تعاون لمكافحة دعم الإرهاب، وذلك خلال زيارة وزير الخارجية الأمريكي للدوحة آنذاك، في إطار المساعي الأمريكية لاحتواء الأزمة الخليجية.

وعقب التوقيع، قال تيلرسون حينها: إن "الاتفاقية مع قطر تضمن أن البلدين يتحملان المسؤولية للتعاون ووقف تمويل الإرهاب".

اقرأ أيضاً:

أسرار السعودية في الحُكم.. فيلم بريطاني يكشف خيوط الفوضى بالعالم

- مرحلة حاسمة

العلاقات الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وقطر ليست وليدة اللحظة؛ بل تعود لعام 1972 عقب استقلالها عن المملكة المتحدة.

تاريخياً، لعبت الدولتان دوراً مهماً في مجموعة واسعة من القضايا الإقليمية والعالمية، خصوصاً لحماية الأمن بمنطقة الخليج العربي.

أحد المواقف التاريخية التي كانت مرحلة حاسمة في تطوير العلاقات بينهما، عندما وقفت الولايات المتحدة إلى جانب الحكومة القطرية ضد محاولة الانقلاب التي رعتها السعودية في عام 1996، وهو ما أكده وزير الدولة لشؤون الدفاع القطري، خالد العطية.

العطية وفي تصريح لافت عكس استراتيجية العلاقات بين البلدين، أكد خلال محاضرة بمؤسسة "هيريتيج" في العاصمة الأمريكية واشنطن، الاثنين 29 يناير، وهو يتحدث عن الأزمة الخليجية التي سعت عدة دول إلى حلها، بينها الكويت التي تتبنَّى مساعي حثيثة في هذا الأمر، أن "قطر واجهت محاولة انقلابية في 1996 من قِبل جيراننا، وجاءت الولايات المتحدة لمساعدتنا".

ولفت وزير الدولة القطري لشؤون الدفاع إلى أن بلاده استخدمت عقب حصار قطر طائرات "C17" الأمريكية، لإنشاء جسر جوي مع الكويت وتركيا وأماكن أخرى لنقل الغذاء والدواء.

وشدد العطية بالقول: "نحن البلد الوحيد الذي كان جاداً في مكافحة الإرهاب، ووقَّعنا مذكرة تفاهم مع الولايات المتحدة" حول هذا الموضوع.

- نقطة تحول

ومن المواقف التي عززت هذه العلاقة استراتيجياً، استضافة قطر مقر القيادة المركزية الأمريكية، فهذه القاعدة، وبحسب وزارة الدفاع (البنتاغون)، كانت نقطة انطلاق رئيسة للعمليات الجوية ضد "داعش" في سوريا والعراق.

القوات الأمريكية قبل انتقالها إلى قطر كانت على أرض السعودية، داخل قاعدة الأمير سلطان الجوية بالرياض، أحد مراكز قيادة القوات الجوية الإقليمية المهمة، وفيها 5000 جندي تابعين للجيش وسلاح الجو الأمريكي، وأكثر من 80 مقاتلة.

وفي منتصف عام 2003، انتقل نحو 4500 جندي أمريكي إلى قطر، وظل بالمملكة نحو 500 جندي أمريكي، متمركزين فيما يُعرف بـ"قرية الإسكان"، لتُنهي أمريكا وجودها العسكري في القاعدة السعودية.

الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني، أوضح في حوارٍ له على تلفزيون قطر في أكتوبر الماضي، أنه بعد نقل الجنود الأمريكيين إلى الدوحة، "بدأت تتطور العلاقات الأمريكية–القطرية، إلى أن أقمنا الاتفاقية لوجود قاعدة لهم، وتم بناء قاعدة العديد من قِبل الجانبين".

وبيَّن أن هذه القاعدة "كانت تُستخدم في حرب أفغانستان، وخدمت أمريكا بشكل كامل، وكان هناك طموح أمريكي إلى وجود قاعدة ضخمة بالمنطقة لخدمة سياستها العسكرية، ونحن كان طموحنا أن تكون لنا علاقات مع أمريكا كدولةٍ حجمها معروف بالعالم".

اقرأ أيضاً:

كشفه بن جاسم.. ما قصة الوجود الأمريكي بدول الخليج؟

وانتقل بعدها إلى قطر 600 فرد تابعين لمركز قيادة القوات المسلحة الأمريكية من تامبا بفلوريدا، للاشتراك في مناورات عسكرية كانت مقررة في نوفمبر 2003.

وقاعدة العديد الجوية (مطار أبو نخلة)، غربي الدوحة، بُنيت بصورة خاصة في نهاية التسعينيات لإيواء القوات الجوية الأمريكية حال النزاع مع إيران، وتستعمل بعمليات جوية وإمدادات ويمكنها إيواء 130 طائرة وعشرة آلاف جندي، وتشمل مدرجاً للطائرات يعد من أطول الممرات بالعالم. وصنّفها عسكريون كأكبر مخزن استراتيجي للأسلحة الأمريكية بالمنطقة.

ووضعت قطر في عام 2000، قاعدة العديد تحت تصرُّف الولايات المتحدة من دون توقيع أي اتفاق في حينه، وبدأ الأمريكيون بإدارة القاعدة منذ عام 2001. وفي ديسمبر 2002، وقَّعت الدوحة وواشنطن اتفاقاً يعطي غطاء رسمياً للوجود العسكري الأمريكي بقاعدة العديد.

- البحرية الأمريكية على أرض قطر

قطر لا تطمح إلى إبقاء القاعدة كما هي؛ بل تسعى لتوسيعها واستضافة القوات البحرية الأمريكية، حيث أشار وزير الدفاع القطري إلى أن "رؤية 2040 تشمل تعميق العلاقة بين الدوحة وواشنطن".

وقال العطية، خلال المحاضرة: "نخطط مع نظرائنا بوزارة الدفاع الأمريكية لرؤية 2040 لتعميق العلاقات العسكرية بين قطر والولايات المتحدة، وتشمل استضافة البحرية الأمريكية إلى جانب سلاح الجو الموجود في قاعدة العديد الجوية".

- ربح الرهان

رهان الدوحة على العلاقات الاستراتيجية مع واشنطن، وُضع على محك الاختبار خلال الأزمة الخليجية وحصار قطر، حيث وإن كان موقف الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، في البداية "مهزوزاً"، فإن مواقف المؤسسات هناك كان صارماً برفض الحصار، وهو ما انعكس على تصريحات وزيري الخارجية ريكس تيلرسون والدفاع جميس ماتيس، اللذين أكدا أن الأزمة ستؤثر على الحرب على الإرهاب.

وتجلى ربح هذا الرهان عندما منعت واشنطن عملاً عسكرياً عدائياً سعودياً-إماراتياً مشتركاً ضد قطر، وهو ما أكده أمير الكويت، الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، في مؤتمر صحفي مشترك مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بالبيت الأبيض، في سبتمبر الماضي، عندما قال: "إن المهم أننا أوقفنا عملاً عسكرياً".

كلام أمير الكويت أكدته لاحقاً صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية، حيث ذكرت في يناير 2018 عن تحذير شخصي وجَّهه وزير الخارجية الأمريكي، ريكس تيلرسون، إلى الإمارات والسعودية، من مغبة القيام بأي عمل عسكري ضد قطر، على خلفية الأزمة الخليجية التي بدأت في الخامس من يونيو العام الماضي، وهو ما كرره لاحقاً ترامب في اتصال مع القادة السعوديين.

مكة المكرمة