كتاب "فظائع دبلوماسية": مقتل خاشقجي كما روته التسجيلات

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/g4Kk9b

الطبيقي كتب رسالة الماجستير حول تحليل الحمض النووي

Linkedin
Google plus
whatsapp
الثلاثاء، 12-02-2019 الساعة 10:27

كانت صحيفة "صباح"، المقربة من الحكومة التركية، من المؤسسات الإعلامية الأولى التي نشرت تسريبات تتعلق بتفاصيل جريمة قتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي، بقنصلية بلاده في إسطنبول، بالثاني من أكتوبر الماضي.

واستكمالاً لمتابعة مجريات القضية، أصدرت "صباح" أخيراً كتاباً بعنوان "فظائع دبلوماسية: الأسرار المظلمة لقتل خاشقجي"، أعده وكتبه صحفيون بها (فرحات علنو، وعبد الرحمن شيمشك، ونظيف كرمان)، تضمّن تفاصيل لم يسبق نشرها في وسائل الإعلام من قبل.

وجاء الكتاب، الصادر باللغة التركية في ديسمبر الماضي، في 352 صفحة، قُسِّمت على فصول عدة، متناولاً الأحداث بتفاصيلها، والظروف المحيطة بعملية القتل، وأسبابها، مع نظرة إلى الأوضاع المحلية بالسعودية، والأوضاع الإقليمية والدولية.

كما يشكل الكتاب، الذي نشرت مقتطفات منه صحيفة "العربي الجديد"، اليوم الثلاثاء، وثيقة مهمة، لأنه يجمع مختلف الوثائق والتسريبات والصور المتعلقة بقضية اغتيال خاشقجي منذ مقتله في قنصلية بلاده، ويستعرض جميع المقالات والأخبار التي وثّقت حقيقة ما جرى، وفيه ذكر للتسريبات التي نُشرت تباعاً، فضلاً عن ذكر بعض التفاصيل المتممة التي لم تُذكر بعد.

ومن أهم المعطيات الجديدة التي تضمنها الكتاب، الحديث عن التسجيل الصوتي الذي تمتلكه الاستخبارات التركية.

ولفت الكتاب إلى أن رئيسة الاستخبارات الأمريكية، جينا هاسبل، هي أول من استمع إلى هذه التسجيلات، أي قبل أن تُعرض على أجهزة الاستخبارات الأخرى.

وكانت الأحاديث في التسجيلات كلها باللغة العربية، فتُرجمت فوراً إلى الإنجليزية عن طريق مترجم خاص.

كما أشار الكتاب إلى أن هذه التسجيلات لم تلتقِط فقط فترة الجريمة، بل ما قبلها أيضاً، إذ بدأت اعتباراً من الساعة 12:00، أي قبل أكثر من ساعة من قتل خاشقجي. 

وتُظهر التسجيلات التخطيط للجريمة والحديث الذي دار بين رئيس فريق الاغتيال، ضابط الاستخبارات ماهر المطرب، ورئيس الطب الشرعي صلاح الطبيقي، وفيها قال المطرب إنهم سيقولون لخاشقجي: "سنأخذك إلى السعودية"، وفي حال رفضه، سيقتله الفريق ويتخلص من جثته.

هنا قال الطبيقي بحسب الكتاب: "أنا معتادٌ العمل على الجثث، وأعرف تقطيعها بشكل جيد، لكن لم أعمل من قبل على تقطيع جثة ساخنة، غير أني أستطيع عمل ذلك"، وأضاف: "كما أني عادة ما أضع سماعات على أذني وأسمع الموسيقى في أثناء التقطيع، وأشرب قهوتي، وأدخّن سيجارتي".

وتابع الطبيقي قائلاً: "خاشقجي طويل يصل طوله إلى 180 سنتمتراً، يمكن تقسيم مفاصل الأضحية بسهولة، لكنّ المشكلة في التقطيع الذي سيأخذ وقتاً، عادة يتم تقطيع الذبيحة معلّقة، لم أقم بهذا العمل على الأرض من قبل. وبعد أن أنهي عملية التقطيع، تضعون أنتم القِطع بالأكياس، ومن ثم لاحقاً تضعونها في الحقائب".

وشدد مؤلفو الكتاب على أن استخدام الطبيقي كلمة "الأضحية" دليل آخر على وحشية الجريمة.

التسجيلات تظهر بوضوح، أن مخطّط الجريمة وُضع بالرياض وليس في القنصلية كما ادعت السلطات القضائية السعودية، فبعد دخول خاشقجي بدقيقة واحدة فقط، اصطحبه فريق الاغتيال من قسم التأشيرات إلى مكتب القنصل السعودي، محمد العتيبي.

وعندما تم التعامل معه بقوة، قال خاشقجي لفريق الاغتيال: "اتركوا يدي، ماذا تظنون أنكم فاعلون؟".

وفور دخول الصحفي السعودي غرفة العتيبي عاجله ماهر المطرب، بالقول: "تعال اجلس، جئنا لنأخذك إلى الرياض"، لكن جواب خاشقجي كان قصيراً وحازماً: "لن أذهب إلى الرياض"، كما طُلب منه إرسال رسالة إلى ابنه، لكنه رفض أيضاً.

وقال خاشقجي لقاتليه: "هل هذا يعني أنكم ستقتلونني، هل ستخنقونني؟"، إلا أن المطرب طالبه بالتعاون، ليخفي نيته المبيّتة.

ويُفهَم من التسجيلات، بحسب الكتاب، كيف بقي خاشقجي صامداً في وجه فريق الاغتيال، ولم تظهر عليه علامات الخوف، ولم يتردد حتى مقتله.

أما مضمون الرسالة التي طُلب منه إرسالها إلى ابنه، فتقول: "بُنيّ، أنا في إسطنبول، لا تقلقوا عليّ إن لم تستطيعوا التواصل معي فترة".

لم يكن لدى فريق الاغتيال نية مواصلة الحديث وإقناع خاشقجي بمطالبهم، فأتى الأمر من المطرب، وأُخرجت الآلات الحادة بسرعة ووُضعت على الطاولة الكبيرة في الغرفة.

وعندها كان خاشقجي جالساً على الأريكة، ورغم مظهر الآلات لم يُبدِ أيّ خوف، ورغم إدراكه أنه سيموت، لم يتراجع عن رباطة جأشه، ولم يتحرك من مكانه.

ويواصل الكتاب سرد ما حصل، إذ إنه وبتعليمات من المطرب تحرك خمسة أشخاص من فريق الاغتيال باتجاه خاشقجي لخنقه، من بينهم شخص "ربما يكون ذعار الحربي، حاول تكميم فم خاشقجي، لكن الأخير نجح في تخليص نفسه، وبعدها انقضَّ الأربعة الآخرون فوقه، ومن المؤكد أن واحداً من الذين انقضوا عليه هو محمد الزهراني".

وبعدها استغرقت عملية قتله سبع دقائق ونصف الدقيقة، إذ أحكموا مسك يديه وقدميه.

وكان معروفاً عن خاشقجي أنه رياضي وتلقّى تدريباً على الدفاع عن النفس، وقد حاول جاهداً إنقاذ نفسه، وفي أثناء ذلك نجحوا في كتم أنفاسه ليئنَّ ويقول: "لا تغلقوا فمي، لدي سُلّ، لا تفعلوا ذلك؛ أنا أختنق".

هذه كانت جملته الأخيرة، فجلادوه تمكنوا من وضع كيس على رأسه لقتله. وبعد هذه اللحظة مرت خمس دقائق قاوم فيها خاشقجي، قبل أن يموت.

وبحسب الكتاب، تأثرت جينا هاسبل بلحظات خاشقجي الأخيرة بسبب مأساويتها، كما دمعت عينا المترجم، وتقطّع صوته.

بعد قتل خاشقجي، كانت خطوة فريق الاغتيال الأولى نزع ملابسه وتسليمها لشبيهه، ليبدأ الطبيقي بعملية التقطيع، التي جرت بغرفة القنصل العتيبي، واستغرقت نصف ساعة.

وساعد الحربي والزهراني في العملية، كما أن الطبيقي سحب من الوريد قسماً من دم خاشقجي، لكي لا يسيل في أثناء التقطيع. وبعد ذلك سُكبت كمية الدماء هذه في مجاري الحمامات. ووفق التسجيلات، سُمعت أصوات آلات لتقطيع العظم والتشريح بشكل متكرر.

كما سُمع صوت الطبيقي وهو يوبِّخ مساعديه: "لماذا تقفون هكذا؟!"، ويصدر تعليماته بتوتر، مفضلاً هذه المرة عدم الاستماع للموسيقى.

جينا هاسبل وبعد فترة الصمت، قالت: "مهما كانت الطريقة التي تم الحصول بها على التسجيلات، فإنها عملية استخباراتية ناجحة، قد يصدف حدوثها مرة أو اثنتين في التاريخ. نبارك لكم هذا النجاح الاستخباراتي"، قبل أن تعود إلى واشنطن وتبلغ البيت الأبيض والرئيس الأمريكي دونالد ترامب ما استمعت إليه.

الكتاب يتناول أيضاً أن رئيس الاستخبارات التركية، هاكان فيدان، لدى لقائه مع رئيس أمن الدولة السعودي عبد العزيز بن محمد الهويريني، لم يقدم له الأدلة فوراً، بل خاطبه بحزم وكشف له عن امتلاك أنقرة تسجيلات صوتية، قائلاً له: "أنتم تعلمون مَن القاتل، وهذا الأمر كالغرغرينا.. عليكم قطع اليد التي تعانيها، وإن تأخرتم فإنها ستسري في بقية الجسد".

وبالمرحلة التالية، وفي فترة طلب تفتيش القنصلية وفقاً لاتفاق فيينا، فإن الادعاء العام التركي طلب التفتيش في 9 أكتوبر 2018، وجرى تمييع الموضوع من الجانب السعودي 10 أيام كاملة، رافضاً استخدام أشعة لومينول (قادرة على الكشف عن وجود وحتى تعقُّب كمياتٍ من الدماء) في التفتيش.

لكن الجانب التركي لم يقبل وأصرّ على موقفه، فواصل الجانب السعودي كسب الوقت وطالب بأسماء فريق التفتيش ومسوغاته.

وبناء عليه، تم السماح لقوى الأمن التركية بدخول القنصلية وتفتيشها، وهكذا كسب السعوديون الوقت ووضعوا خطة تنظيف المكان من أي دلائل قد يُعثر عليها، وتمت عملية التنظيف على أربع مراحل.

كما أن الجانب السعودي طلب التفتيش بالعين المجردة، فردّ الجانب التركي بإصرار بأن "تركيا ليست دولة موز، فريق التفتيش لن يأتي ليشرب الشاي! سيأتي مع أدواته المخبرية الجنائية".

في الجزء الثاني من مراجعة الكتاب: مصير جثة خاشقجي، ولقاء الاستخبارات التركية والسعودية، وفِرق الموت السعودية في تركيا.

مكة المكرمة