كوّن جهازاً استخبارياً سرياً في الجزائر.. من هو الجنرال الغامض؟

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/GBxpBn

رغم إقالته تمثل خلايا الجنرال توفيق الاستخباراتية جهازاً مرعباً وفعالاً

Linkedin
Google plus
whatsapp
الأربعاء، 17-04-2019 الساعة 18:15

لم يهدأ طموح "رجل الظل" الفريق محمد مدين، المعروف بـ"الجنرال توفيق"، رغم إقالته من منصبه عام 2015، بسبب معارضته لترشح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لولاية رابعة، حيث يُعتبر جهاز المخابرات سلطة موازية للرئاسة، ويحتفظ بخلايا استخبارية مرعبة في معظم أرجاء العالم.

فبعد إعلان بوتفليقة تخليه عن الترشح لولاية رئاسية خامسة يوم 11 مارس 2019، يبدو أن الجنرال توفيق عاد إلى الواجهة مجدداً وبدأ بالتحرك سريعاً داخل المؤسسات الأمنية دون إحداث ضجيج، لكن تصريحات رئيس الأركان الجزائري، أحمد قايد صالح، ألقت الضوء على هذه التحركات من جديد.

واعتبر قايد صالح أن تحركات الجنرال توفيق "المشبوهة"، التي تُعقد في الخفاء، هدفها "التآمر على مطالب الشعب وعرقلة مساعي الجيش الوطني الشعبي ومقترحاته لحل الأزمة".

رغم إقالته تمثل خلايا الجنرال توفيق الاستخباراتية جهازاً مرعباً وفعالاً

واعتبر صالح -في كلمة ألقاها جنوبي البلاد، الثلاثاء (16 أبريل 2019)- أن "هناك أطرافاً لا تزال تنشط ضد إرادة الشعب وتعمل على تأجيج الوضع، والاتصال بجهات مشبوهة والتحريض على عرقلة مساعي الخروج من الأزمة"، موجهاً تحذيره مباشرة إلى "الجنرال توفيق".

وأضاف أن في مقدمة هذه الأطراف رئيس دائرة الاستعلام والأمن السابق الجنرال توفيق، قائلاً: "أوجِّه إلى هذا الشخص آخر إنذار، وفي حال استمراره في هذه التصرفات، ستُتخذ ضده إجراءات قانونية صارمة".

صالح شدد أيضاً على أن كل الآفاق الممكنة تبقى مفتوحة في سبيل التغلب على مختلف الصعوبات وإيجاد حل للأزمة في أقرب الأوقات، بما يخدم المصلحة العليا للوطن بغض النظر عن مصلحة الأشخاص.

من هو الجنرال توفيق؟

محمد الأمين مدين وُلد في الـ14 من مايو عام 1939م، في قنزات بولاية سطيف وسط الجزائر، ويُعتبر رجلاً عسكرياً غامضاً ولا يُعرف عنه إلا القليل، وفق ما يصفه الجزائريون.

وتلقى مدين تدريبه في المخابرات السوفييتية "كي جي بي" بستينيات القرن الماضي، في حين لا يُعرف هل أُقيل أم "تقاعد"، لكن خروجه من منصبه وضع عديداً من علامات الاستفهام حول تخلي بوتفليقة عن أهم رجاله الأمنيين، لا سيما أنه أقدمُ في منصبه من الرئيس.

رغم إقالته تمثل خلايا الجنرال توفيق الاستخباراتية جهازاً مرعباً وفعالاً

ويبدو أن هناك صعوبة في جمع المعلومات عن الرجل الذي أدار جهاز المخابرات الجزائرية طوال 25 عاماً، بينما ركز عمله في المقابل على إخفاء جميع آثاره، ويكاد لا يُعرف شيء عن هذه الشخصية المثيرة إلا من خلال الحلقات الضيقة من صناع القرار في البلاد.

وشغل "العسكري المجهول" منصب مدير دائرة الاستعلام والأمن (جهاز المخابرات) منذ 1990 حتى إحالته إلى التقاعد في سبتمبر عام 2015. 

وطوال هذه الفترة لم يسبق أن ظهر في الإعلام ولم يتعرف الجزائريون عليه، ورغم أنه ركز معظم جهوده على توسيع نفوذه داخل المؤسسات الأمنية بشكل حذر جداً، فإنه لم يخفِ في المقابل ولاءه لمؤسسة الرئاسة أو المؤسسات الحكومية الأخرى.

ويبدو أن تحركات "رجال الظلام" لم تخفَ على الرئيس بوتفليقة، إذ شرع في "تطهير" الأجهزة الأمنية الحساسة من الرجال المنافسين و"المزعجين" كما كان يصفهم، فبدأ بالجنرال حسان عام 2013 فأحاله إلى التقاعد، ثم في 2015 أقال الجنرال توفيق، ليستعيد السيطرة على جهاز المخابرات.

كما أقال بوتفليقة الجنرال عمار بهلولي من قيادة الدرك الوطني الجزائري يوم 12 أكتوبر عام 2017، بسبب زيارته الجنرال توفيق وعدداً من الجنرالات الذين وضعتهم الحكومة تحت الإقامة الجبرية والموالين لـ"رجل الظل"، الذي لم تمنع إقالته من منصبه تحركه داخل الأجهزة الأمنية، بحسب ما ذكرته مجلة "موند أفريك" الفرنسية.

وتشير المجلة الفرنسية إلى أنه رغم إعفائه من منصبه عام 2015، فإنه "لا يزال يعمل داخل الجهاز بصفة سرية"، وعلى ما يبدو قد شكل قبيل إقالته، جهازاً استخبارياً يعمل لصالحه داخل جهاز المخابرات الرسمي.

أزمات داخلية وتعزيز نفوذ

ورغم أن بوتفليقة كان عندما يحيل أحد رموز جهاز المخابرات إلى التقاعد يضعه تحت المراقبة القضائية، فإن هذا الإجراء لم ينفع مع الجنرال حسان، الذي أُلقي القبض عليه وسُجِن في ظروف غامضة في أغسطس عام 2015، في حين لم يجرؤ الرئيس على اعتقال أو تقييد حركة الفريق محمد مدين.

ولم يسبق أن صرح الجنرال توفيق لأي وسيلة إعلامية، وحتى خلال حضوره المراسم الرسمية، تحرص الكاميرات التلفزيونية على عدم تصويره. لكن مؤخراً تداولت وسائل إعلام محلية صورة قديمة له نشرها وزير الدفاع السابق خالد نزار في مذكراته، ويظهر الرجل بالزي المدني والشيب يكسو شعره وبنظارة شمسية تخفي معظم ملامح وجهه.

وبعد تسلمه المنصب بعامين، واجه الجنرال توفيق أزمة حقيقية معقدة بعد إلغاء الانتخابات البرلمانية التي فازت بها "جبهة الإنقاذ" عام 1992. أعقب ذلك اندلاع حرب أهلية راح ضحيتها أكثر من 200 ألف جزائري، حيث وجُهت مهام جهاز المخابرات الذي يقوده الفريق محمد مدين، إلى القضاء على المعارضين، بدعوى مكافحة الإرهاب.

رغم إقالته تمثل خلايا الجنرال توفيق الاستخباراتية جهازاً مرعباً وفعالاً

لكن في السنوات الأخيرة، اشتهر الجهاز بفتح ملفات الفساد التي لا تجرؤ على التقرب منها أي جهة حكومية أخرى، لا سيما شركات إنتاج النفط، لتشمل ملاحقاته وزير النفط شكيب خليل، وهو أحد أكثر المقربين من الرئيس بوتفليقة.

تحركات أمنية

وضع جنرالات من المؤسسة الأمنية تحت الإقامة الجبرية وإحالتهم إلى التقاعد أو إقالتهم، لم ينفعا في تحجيم نفوذ "الجنرال القوي"، المدعوم أمريكياً وغربياً، حيث أقدمت الحكومة الجزائرية، في سبتمبر 2016، على حل دائرة الاستعلام والأمن (المخابرات)، ليحل محلها جهاز استخباري جديد اسمه دائرة الشؤون الأمنية؛ وهو الأمر الذي دفع المخابرات الأمريكية إلى تعزيز صِلاتها مع الجنرال توفيق ورفاقه.

ولم تُقْدم السلطات الجزائرية على حل أكثر الأجهزة الأمنية حساسية، إلا بعد أن تحوَّل منزل الجنرال توفيق، الواقع في منطقة حي الصنوبر الساحلية، إلى مركز لعقد لقاءات سرية مع كبار المسؤولين في الجزائر، وهو الأمر الذي أسهم في إعادة علاقات الرجل القوي مع المقربين من بوتفليقة، كما فتحت هذه المرحلة الباب مجدداً أمام مصالحة مع أقطاب قصر المرادية الرئاسي.

رغم إقالته تمثل خلايا الجنرال توفيق الاستخباراتية جهازاً مرعباً وفعالاً

ورغم إقالته، تمثل خلايا الجنرال توفيق الاستخباراتية، بحسب المجلة الفرنسية، جهازاً مرعباً وفعالاً داخل الجزائر وخارجها، لا سيما على الحدود الجزائرية مع ليبيا وفي مالي وسوريا وأفغانستان والسودان وبلدان أخرى.

واستطاع "الرجل الغامض" أن يجمع حوله نحو 1200 عميل استخباراتي، من خلال خطابه الأخير وتأكيده الاحتفاظ بمصادر المعلومات الخاصة، والعمل على حماية المخابرات من أي اختراق خارجي.

وتذكر "موند أفريك" أنه زود المخابرات الأمريكية بتقرير مفصل عن هجمات إرهابية محتملة داخل الولايات المتحدة عام 2001، وذلك عن طريق معلومات استخبارية لعملائها في أفغانستان والسودان، لكن الأمريكيين أهملوا هذا التقرير قبل أن يتعرضوا لهجمات 11 سبتمبر.

وفي ظل كل ما تقدم، تشير تقارير أمنية إلى أن بوتفليقة كان يعلم بتحركات الجنرال توفيق السرية منها والعلنية، بل تلمح بعض المصادر إلى أنه كان مستشاراً خاصاً للرئيس، رغم إقالته رسمياً من منصبه عام 2015، وذلك لطمأنة الشركاء الغربيين والأمريكيين بشأن استمرار التعاون الأمني إقليمياً ودولياً.

مكة المكرمة