كيف تحاول إسرائيل استثمار عملية القدس سياسياً؟

اسرائيل تسوق نفسها للعالم كضحية

اسرائيل تسوق نفسها للعالم كضحية

Linkedin
whatsapp
الأربعاء، 19-11-2014 الساعة 14:41


لم تنسَ حكومة الاحتلال الإسرائيلي استغلال عملية القدس –التي اعتبرتها أجهزة الأمن الأصعب منذ سنوات- من أجل خدمة أهداف متنوعة، داخلية وإقليمية ودولية. هذا على الرغم من حرصها –وفقاً للقانون- على فرض التعتيم الإعلامي على مكان حدوث العمليات التي تتسبب بمقتل إسرائيليين بدعوى الحفاظ على حق خصوصية المصابين والقتلى، وحماية المشاهد من المناظر "البشعة".

على عكس السياسة المتبعة في هذه الحالات، ذكرت صحيفة "هآرتس" في تقرير نشر اليوم، أن المكتب الإعلامي الحكومي سارع بإرسال مصوّر خاص لقلب الحدث من أجل التقاط صور حصرية وخاصة لم يستطع غيره من المصوّرين الحصول على شبيه لها؛ ومن ثم اتخذت اللجنة الإعلامية لمكتب رئيس الحكومة "بنيامين نتنياهو" قراراً بتوزيع هذه الصور على جميع وسائل الإعلام مع طلب نشرها على أوسع نطاق.

يبدو أن العملية التي نفذّها فلسطينيون في كنيس يهودي بالقدس صباح أمس، كانت كبيرة بما يكفي ليسارع الاحتلال باقتناصها كفرصة لتحقيق أهداف لم يكن التفكير بها ممكناً في الفترة السابقة؛ فعلى سبيل المثال اتخذت الصور وسيلة لتبرير الخطاب السياسي السائد في الفترة الأخيرة، والذي غلبت عليه نبرة التهديد تجاه الفلسطينيين، إضافة لتوجيه الاتهامات للسلطة الفلسطينية ولأبو مازن بالاسم بالتحريض والتسبب بإشعال الشارع.

يأتي ربط اسم "أبو مازن" بصور العملية التي روّعت الإسرائيليين بتهمة "التحريض" محاولة لعرقلة الخطوة الفلسطينية بالتوجّه للأمم المتحدة، عن طريق إظهار السلطة الفلسطينية كجهة داعمة "لأعمال العنف" وغير ملتزمة بعملية السلام، وعليه لا يمكن استمرار تعاطف المجتمع الدولي معها.

وتشير التقديرات إلى أن هذا النوع من الربط يدل على التخوفات الحقيقية لدى الجانب الإسرائيلي من الدعم الذي اكتسبته السلطة الفلسطينية بالفترة الأخيرة، والتي ظهرت عن طريق اعتراف عدة دول بفلسطين كدولة، ومع توارد أنباء عن نيّة الاتحاد الأوروبي دعم المساعي الدولية الفلسطينية (بحسب ما ورد في وثيقة "الخطوط الحمراء" التي نشر محتواها "الخليج أونلاين منذ أيام").

الهدف الآخر الذي حاولت إسرائيل الوصول إليه هو العودة لاكتساب التعاطف الدولي مع إسرائيل بعد أن خسرته بشكل كبير في أثناء العدوان الأخير على غزة، وبعد القرارات الحكومية باستئناف النشاط الاستيطاني على الرغم من التحذيرات الأوروبية والاعتراض الأمريكي على هذه الخطوة.

لذلك فإن نشر صور تظهر الجانب الإسرائيلي كـ"ضحية" لعمليات فلسطينية ضد "مصلّين يهود أبرياء"، إضافة لتسويق إعلام الاحتلال للعملية بأنها جاءت على أساس ديني وليس سياسياً أو قومياً، يعتبر محاولة إسرائيلية لربط العملية بالماضي الذي عاشه يهود أوروبا فيما يسمى بـ"الهولوكوست"، والذي أكسبهم في حينه تعاطف العالم؛ هذا ما حاول كل من النائبة عن حزب البيت اليهودي "ميري ريجيف" ووزير المالية "يائير لبيد" التشديد عليه خلال تصريحاتهما أمس لوسائل الإعلام المختلفة، والتي قالوا فيها إن الصور تذكرهم بالعصور المظلمة لليهود في أوروبا.

وفي هذا السياق صرّح مسؤولون من اللجنة الإعلامية لمكتب رئيس الحكومة لصحيفة "هآرتس" تصريحات تؤكد ما سبق، إذ قالوا: إن "الهدف من النشر هو خدمة المصلحة الدعائية الإسرائيلية في العالم".

يذكر أن نشر هذا النوع من الصور كان دارجاً منذ عشر سنوات تقريباً عندما كثرت العمليات التفجيرية وأوقعت العديد من القتلى في الجانب الإسرائيلي، وقد استخدم نشر الصور في حينه للغرض نفسه.

الهدف الثالث الذي لأجله نشرت الصور؛ هو معالجة الشأن الداخلي الإسرائيلي عن طريق بث صور تروّع الجمهور –الذي لم يألف مشاهدة صور الجثث والدم بسبب حظر النشر- ومن ثم الحث على تكاتف أطياف المجتمع الإسرائيلي كافة متعدد التركيب، في مواجهة عدو خارجي.

إضافة لذلك، تم استخدام الصورة كوسيلة لرأب تصدعات الحكومة شبه المنهارة، والتي مرّت بالفترة السابقة بعدة أزمات أدت إلى زيادة احتمال حلّها وإجراء انتخابات مبكرة؛ وجاءت في هذا السياق عدة تصريحات تدعم هذا التحليل، إذ غلب على تصريحات القادة السياسيين والعسكريين دعوات "نبذ الخلافات السياسية الداخلية جانباً"، إضافة لدعوة "نتنياهو" عن طريق رئيس الائتلاف الحكومي الإسرائيلي "زئيف ألكين" أمس، رؤساء أحزاب المعارضة الانضمام إلى "حكومة وحدة لحالة الطوارئ".

على الرغم من استثمار الجانب الإسرائيلي لهذه العملية لتحقيق مكاسب سياسية وتبرير الخطوات العقابية المعتزم اتخاذها ضد المقدسيين، إلا أن التقديرات تشير إلى أن هذه المحاولات لن تجلب الكثير من النجاحات للحكومة الإسرائيلية، وإن جلبت فستكون إنجازات مؤقتة ستمحوها سياسة "القبضة الحديدية" التي تصرّ الحكومة على اتباعها في قمع التحرّك الفلسطيني الشعبي، واستمرار الاستيطان.

مكة المكرمة