كيف تعاملت دول الخليج مع محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا؟

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/DMy7Re

كانت قطر في ليلة الانقلاب أكثر دول العالم تضامناً مع تركيا

Linkedin
whatsapp
الأربعاء، 15-07-2020 الساعة 18:11

مع مرور الذكرى الرابعة لفشل المحاولة الانقلابية في تركيا يستذكر الأتراك ليلة من أصعب لياليهم في الزمن الحاضر، كانت بالنسبة لهم علامة فارقة في التحول السياسي داخلياً وخارجياً، وشاركتهم بذلك شعوب ودول عربية.

وباغتت محاولة الانقلاب العسكري، في 15 يوليو 2016، الكثيرين، وأثارت حالة من الارتباك داخلياً وخارجياً، وزادت من حالة التوتر التي يعيشها الإقليم، خصوصاً في المواقف الدولية، وتحديداً الخليجية، التي كانت بين رافض للانقلاب ومؤيدٍ بخفاء لما حدث.

وكشف الانقلاب العسكري الفاشل في تركيا عن مخططات كبيرة للتخلص من التجربة الديمقراطية في البلاد، وتواطؤ عدد من الدول في هذه العملية، سواء بالتخطيط أو التمويل، أو على الأقل الصمت حيال هذه الأزمة، وهو ما ساهم مؤخراً في التوتر بين أنقرة ودول خليجية.

مواقف خليجية من الانقلاب

لطالما كانت العلاقات التركية الخليجية استراتجية، وبنيت على أساس متين، خاصة في الأعوام الستة قبل الانقلاب، وجمع دول الخليج وأنقرة هدف مشترك هو التخلص من نظام الرئيس السوري بشار الأسد، إلا أنه حدث في تلك الفترة جمود في العلاقات التركية الخليجية، عدا دولة قطر، خصوصاً فيما يتعلق بإسقاط نظام الرئيس المصري محمد مرسي، ودعم دول خليجية لذلك الانقلاب.

وفي ليلة انقلاب يوليو 2016 بتركيا، كانت قطر أكثر دول العالم تضامناً مع الحكومة التركية؛ فبعد ساعات فقط كان أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أول من اتصل بالرئيس التركي معبراً عن وقوفه إلى جانب بلاده، فيما نددت الخارجبة القطرية بالمحاولة الانقلابية.

ي

لم يكن ذلك فقط الموقف القطري؛ فكان وزير الخارجية القطري، الشيخ محمد بن عبد الرحمن، أول مسؤول عربي يزور تركيا، في 30 يوليو، عقب الانقلاب الفاشل؛ من أجل إدانة ما حدث ودعم الموقف التركي داخلياً ودولياً، تبعتها زيارات لرئيس الوزراء القطري وقائد أركان الجيش.

بدورها كانت المملكة العربية السعودية من الدول التي دانت الانقلاب العسكري في تركيا، واعتبرت أن أمن تركيا مهم للمملكة، ودعمت حكومة الرئيس أردوغان.

كما أعلنت الكويت والبحرين والإمارات وسلطنة عمان تضامنها مع حكومة أنقرة وإرادة الشعب التركي، والمحافظة على المكتسبات الدستورية بقيادة أردوغان وحكومته المنتخبة.

وألقت السلطات السعودية القبض على الملحق العسكري التركي في الكويت، ميكائيل غللو؛ على خلفية تورطه في محاولة الانقلاب الفاشلة، وذلك في مطار الملك فهد الدولي بمدينة الدمام، أثناء محاولته الفرار إلى أوروبا قادماً من الكويت، فيما أعلنت أبوظبي القبض على اثنين من القادة العسكرين المتورطين في الانقلاب وتسلميهم إلى أنقرة بعد طلب الحكومة التركية.

اتهامات مباشرة لدول خليجية

ورغم الموقف الرسمي لبعض الدول الخليجية، وفي مقدمتها الإمارات الرافضة للانقلاب، فإن ذلك لم يشفع لها لدى الأتراك، خصوصاً مع تصدر وسائل إعلام خليجية، وفي مقدمتها قناتا "سكاي نيوز" و"العربية"، التي بدت محتفية بذلك الانقلاب، وترويج لجوء أردوغان إلى ألمانيا.

ص

لم يتوقف الأمر عند ذلك؛ فخلال السنوات الماضية اتهمت تركيا دولاً عربية بينها خليجية بدعم الانقلابيين، وقال أردوغان في خطاب عام 2017: إن بلاده تعلم "من كان سعيداً من بين دول الخليج عندما كانت تركيا تتعرض لمحاولة انقلاب (..) ونعلم من دفع الأموال لإنجاح هذا الأمر".

في 12 يونيو 2017، نقلت وسائل إعلام تركية عن وزير الخارجية التركي، تشاووش أوغلو، خلال اجتماعه بصحفيين قوله إن الإمارات أرسلت 3 مليارات دولار لمدبري الانقلاب.

وفي فبراير 2020، اتهم وزير الداخلية التركي، سليمان صويلو، الإمارات بالسعي للنيل من تركيا وإثارة الفوضى بداخلها، قائلاً إن محمد دحلان، القيادي السابق في حركة فتح الفلسطينية، والذي يعمل حالياً مستشاراً أمنياً لولي عهد أبوظبي محمد بن زايد، "شخص يسعى لزرع الفتنة، ونتعامل معه كإرهابي على خلفية إرساله أموالاً لتنظيم غولن الذي يقف وراء الانقلاب".

نتائج الانقلاب

يقول المحلل السياسي اللبناني محمود علوش إن معظم دول الخليج أبدت دعمها للحكومة في تركيا بعد محاولة الانقلاب العسكري، مشيراً إلى أن ذلك الدعم تراوح حينها بين دعم فعلي من قطر، وآخر بروتوكولي من السعودية.

ويشير إلى أن الإمارات لم تُقدّم أياً من هذين الدعمين، وهو ما اعتبره "تفسيراً إلى حد كبير للخلاف التركي الإماراتي بعد ذلك، والاتّهامات الضمنية التي دأب المسؤولون الأتراك على توجيهها لأبوظبي بالضلوع في المحاولة الانقلابية وتمويلها".

ويضيف لـ"الخليج أونلاين": "بغض النظر عما إذا كان لدول خليجية دور في محاولة الانقلاب العسكري أم لا فإن إحباطها ترتّب عليه نتائج كبيرة على السياسة الخارجية التركية في المنطقة بعد عام 2016، والخليج من بين الساحات الإقليمية التي تأثّرت بهذه النتائج".

س

وتطرق علوش إلى دعم تركيا لقطر في أزمتها مع الدول الأخرى، ونشرها قوات في الدوحة، وإقامة قاعدة عسكرية، مضيفاً: "في الوقت الراهن تقود تركيا إلى جانب قطر تحالفاً إقليمياً في مواجهة تحالف إقليمي آخر تقوده كل من السعودية والإمارات ومصر".

وتابع: "الاستقطاب الخليجي إزاء الموقف من تركيا بات أكثر وضوحاً بعد الأزمة السعودية التركية على خلفية قضية خاشقجي، وقد تحوّل إلى صراع على الزعامة في العالم الإسلامي. وفي الواقع فإن كل هذه التحوّلات الكبيرة في الدور التركي بالمنطقة ما كانت لتحصل لولا نجاح أردوغان في إحباط محاولة الانقلاب".

تركيا والخليج حالياً

وشهدت السياسة الخارجية التركية محطات مهمة مع دول الخليج في الأعوام الأربعة بعد الانقلاب عكست حالة الخلاف مع بعض تلك الدول، فقد وقفت إلى جانب قطر عقب الأزمة والحصار من قبل الإمارات والسعودية والبحرين ومصر، كما أرسلت قواتها إلى الدوحة، منتصف العام 2017.

وظلت تركيا تدعو لحل الأزمة الخليجية، كما أشارت في تصريحات، كان آخرها لوزير الخارجية التركي، إلى أن ما حدث "أزمة مصطنعة من الدول الأربع".

وتصاعدت الخلافات بين أنقره والرياض بعد قتل الصحفي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده في إسطنبول (2 أكتوبر 2018)، وأعقبها اتهامات متبادلة وتصعيد بين الطرفين.

وفي ليبيا دخلت تركيا على خط الحرب هناك بعدما استنجدت بها الحكومة المعترف بها دولياً لقتال قوات اللواء المتقاعد المتمرد، خليفة حفتر، المدعوم من الإمارات والسعودية ومصر، وساعدت أنقرة حكومة طرابلس في استعادة عدة مدن، خلال الشهرين الماضيين.

وتبنت وسائل إعلام إماراتية، وسعودية، وبحرينية، خلال الأعوام الأخيرة، حملات إساءة ضد تركيا، وفي مقدمتها اتهامات لأنقرة "بقمع المعارضين من العسكريين والسياسيين"؛ على خلفية اعتقال السلطات التركية لمتهمين ساهموا في محاولة الانقلاب. 

أطول يوم بتاريخ تركيا

بالنسبة ليوم 15 يوليو 2017 كان أطول يوم في تاريخ تركيا والأتراك، وهو ما يؤكده الأتراك أنفسهم؛ فهم يعتبرون أن ما جرى ليس فقط محاولة انقلاب، بل محاولة احتلال، بحسب ما يصف هذا اليوم الباحث والمحلل السياسي جاهد طوز.

هذه المحاولة مختلفة عن كل المحاولات السابقة وعن كل الانقلابات التي حدثت في تركيا، يقول جاهد طوز في حديثه لـ"الخليج أونلاين".

يرى طوز أن هناك "ديناميات" خارجية وداخلية أخذت دوراً في ليلة 15 يوليو، مشيراً إلى أن جماعة فتح الله غولن "الإرهابية" أدت دوراً رئيسياً لما تملكه من وجود كبير ومؤثر في الدوائر الرسمية، وتحديداً في الجيش، مؤكداً أن ما جرى كان يستهدف إرادة الشعب التركي وليس الرئيس رجب طيب أردوغان.

بالنظر إلى الانقلابات السابقة جميعها كانت تعتمد على الدينامية الداخلية ودعمها من قبل الديناميات الخارجية، وبحسب قوله فإن "هناك الكثير من الديناميات الخارجية لها يد في هذه المحاولة".

دور خليجي

بالنسبة لدول الخليج يتطرق طوز إلى تصريحات أدلى بها الرئيس أردوغان أوضح من خلالها أن بعض دول الخليج عبرت عن ارتياحها لهذه المحاولة، يقول إن قصد أردوغان بالدرجة الأولى كان الإمارات.

واستدل بتصريح وزير الخارجية التركي، مولود تشاووش أوغلو، في لقاء مع الصحفيين "ذكر فيه أن هناك الكثير من الأدلة أو المعلومات تؤكد دعم الإمارات مادياً تحديداً لجماعة فتح الله غولن الإرهابية لتنفيذ عمليات مثل هذه في داخل تركيا".

كما استدل المحلل السياسي من جانب آخر بالقبض على شخصين من قبل المخابرات التركية، في 2017، قال إنهما يعملان لمصلحة الإمارات، أحدهما أكد وجود دور في محاولة الانقلاب للقيادي في حركة فتح الفلسطينية المدعوم إماراتياً، محمد دحلان.

وأضاف: "هذه المؤشرات وغيرها مؤشرات أخرى تؤكد وجود دور للإمارات في هذه المحاولة، ونحن نعلم أن الإمارات في الفترة الأخيرة تدعم منظمات إرهابية، وأيضاً تدعم أنظمة إرهابية؛ كما دعمت في مصر السيسي، وتدعم حالياً حفتر، وجهات في بلدان أخرى".

المختص بالشأن التركي يعقتد أن للسعودية دوراً في محاولة الانقلاب، لكن هذا الدور بحسب رأيه "على مستوى محمد بن سلمان"، مشيراً إلى أن هذا الدور "ربما يكون بطريقة غير مباشرة".

ويجد أن ولي العهد السعودي "يدعم أو على أقل تقدير يريد إسقاط أردوغان ونجاح الذين أرادوا القيام بهذه المحاولة الاحتلالية".

من جانب آخر يتحدث طوز حول الدور الذي أدته وسائل إعلام سعودية وإماراتية ومواقع تواصل للبلدين في تناول محاولة الانقلاب، مؤكداً: "كانت واضحة تدعم هذه المحاولة، وتحديداً أخبار العربية، والعربية الحدث، وسكاي نيوز".

كل هذه "المعلومات" وفق طوز تمثل "صورة واضحة" لوجود دعم إماراتي لمحاولة الانقلاب.

أدلة كثيرة

فضلاً عن هذا كله فإن المحلل السياسي التركي يؤكد أن هناك أدلة كثيرة أخرى على تورط الإمارات والسعودية في محاولة الانقلاب.

من هذه الأدلة "دعم منظمة غولن، أو أخذ موقف ضد تركيا في المنطقة كلها"، مفيداً بوجود اتصالات مكثفة بين بعض صناع القرار في الإمارات وغولن من جهة، وبين محمد دحلان وغولن من جهة أخرى.

واستدل أيضاً باستضافة تلفزيون الغد الممول إماراتياً لفتح الله غولن في حلقات تلفزيونية بعد محاولة الانقلاب.

وأشار إلى أن الإمارات لا تدعم فقط جماعة غولن، بل تدعم مليشيا "pyd" الكردية، وحزب العمال الكردساتاني، "هذه منظمات إرهابية تحارب تركيا منذ 40 عاماً"، وفق قوله.

ولا شك عند جاهد طوز بأن هناك أدلة استخبارية لا يمكن الكشف عنها تملكها السلطات التركية، ودليل ذلك -بحسب قوله- ما ذكره أردوغان حين قال إن هناك دولاً خليجية فرحت بمحاولة الانقلاب.

موقف مستمر

يرى طوز أنه حتى الآن تستمر الإمارات والسعودية "بدعم الجهات المعادية لتركيا"، لكنه في حديثه عن السعودية يقول بأنه يقصد ولي العهد محمد بن سلمان وليس السعودية الدولة أو الشعب، مفيداً بأن "السعودية دولة مهمة، وأن الشعبين السعودي والتركي شقيقان".

وتابع: "لكن على مستوى بن سلمان، وتحديداً بعد حادثة خاشقجي، انكشف بشكل واضح موقفهم من تركيا، وأن هدفهم الرئيسي كان تركيا".

طوز تحدث عن إلغاء منصة "تويتر" آلاف الحسابات المدعومة من الإمارات ومصر والسعودية؛ "بتهمة تلفيق أخبار كاذبة ضد تركيا، وقبل أيام أعلن رسمياً بأن الإمارات تمول بعض الأقلام لتكتب ضد تركيا".

من جانب آخر يقول طوز إن مصر أصبحت مركزاً لجماعة فتح الله غولن، "تحديداً إعلامياً".

أما الموقف تجاه السعودية والإمارات فيقول طوز إن تركيا تدرك أن الزعماء في هاتين الدولتين "جاؤوا بتعيينات من أطراف أخرى"، مشيراً إلى أن ما يهم تركيا العلاقات بين الشعوب، وأن تركيا تستمر في "سياسة الحكمة"، ولم يستبعد أن تتخذ بلاده "خطوات حاسمة" في حال حاولت هذه الدول إلحاق ضرر يستدعي اتخاذ خطوات أكبر من قبل تركيا.

مكة المكرمة