كيف تفننت أجهزة المخابرات في تخريج متطرفين من السجون؟

تعذيب السجناء يدفعهم للالتحاق بالتنظيمات للانتقام

تعذيب السجناء يدفعهم للالتحاق بالتنظيمات للانتقام

Linkedin
Google plus
whatsapp
الأحد، 20-08-2017 الساعة 15:20

"لطالما رددتُ في وجه السجان قائلاً: هُنا يُصنع الفكر الإرهابي، ومن السجون ينطلق، وذلك عندما رأيت التعذيب النفسي والبدني للسجين"، فالممارسات المتبعة في السجون العراقية تدفع السجين بعد خروجه من المعتقل للانضمام إلى التنظيمات المتطرفة ليأخذ بثأره، و"هذا ما فكرت فيه منذ كنت بالمعتقل".

 

عبد الرحمن الزبيدي، معتقل عراقي سابق في مديرية مكافحة الإرهاب بمدينة الكوت جنوبي العاصمة العراقية (بغداد)، كان مسجوناً عند عناصر من الطائفة الشيعية، ووصف لـ"الخليج أونلاين" ظروف سجنه وصعوبتها، وتفكيره إثرها بالانضمام إلى التنظيمات المتطرفة.

 

6

 

وبحسب الزبيدي، فإنه من المثير بعد كل هذا التعذيب أن "السجين يُسأل قُبيل الإفراج عنه بالعراق: (إلى أي تنظيم إرهابي سوف تنتمي بعد خروجك لتنتقم من الضابط أو الجندي الفلاني أو من شيخ العشيرة الفلانية؟) بحجة المزاح.. ما يدفع الشباب التي لا عقول لها إلى المحرقة التي تحصد العراقيين جميعاً".

 

سجن1

 

- فن تخريج المتطرفين

 

وتتشابه بعض أنظمة الدول في ممارساتها ضد السجناء، وهذا ما أكده إبراهيم العلبي، المحلل السياسي والسجين السابق في سجون النظام السوري، حين قال: "للسجون أثر كبير في تكوين الأنظمة المتطرفة؛ إذ تُتقن فن تخريج المتطرفين والشاذين فكرياً، والذين يخرج منهم أعمال إرهابية فيما بعد".

 

وفي ظل ظروف معينة يقبع تحتها السجناء، صُدّرت الكثير من الأفكار المتطرفة التي تطورت إلى ممارسات إرهابية بعد الإفراج عنهم. وهذا ما أكده معتقلون سابقون لدى أنظمة عربية استبدادية.

 

وعن ممارسات النظام السوري بالسجون، قال العلبي لـ"الخليج أونلاين": "تساءلت عندما كنت في سجن صيدنايا عن سبب وضع الإسلاميين بعضهم مع بعض؛ إذ كان يوجد في الطابق 12 مهجعاً، وهناك اثنان منهم للإسلاميين، ومهاجع أخرى لها علاقة بقضايا أمن الدولة مثل التجسس وغيرها، وكنت أستغرب من جمع الإسلاميين وتلبية طلباتهم، على الرغم من اعتبارهم مصدر خطر ويجب القضاء عليهم!".

 

4

 

وبيّن أن "إدارة السجن كانت تتغاضى عما يفعله الإسلاميون من احتجاجات، ما يعطيهم الثقة والتشجيع لتكوين تنظيم داخل السجن وخارجه بعد الإفراج عنهم".

 

 

- لعب بالنار!

 

وعن هدف السلطات من هذه التصرفات بالسجون، قال العلبي: "هذه ألعاب أمنية مخابراتية، تخلق المخابرات من خلالها خطوطاً أمامية من تنظيمات صُنعت تحت إشرافهم المباشر، دون أن يحتاجوا لتجنيد خلاياجديدة؛ إذ ينشئ الأشخاص الذين في السجن تنظيمات لهم، وبعد خروجهم يتم تتبُّعهم وتأخذ المخابرات المعلومات منهم بشكل غير مباشر من خلال الخلايا التي زرعتها بينهم".

 

وتابع: "صحيح أن هدف المخابرات حصر التنظيمات، ولكن في الوقت ذاته تسعى لزرع خلايا تعمل لصالحها".

 

ووصف العلبي لعبة المخابرات بـ"الخطيرة" و"لعب بالنار"، وقال: إنها "لعبة قذرة، يكون للمخابرات هدف استراتيجي، من الصعب جداً تحقيقه إلا بهذه الأدوات"، وبيّن أنه "إما أن يلعب النظام هذه اللعبة وإما ينتظر مصيراً أيضاً لنفسه".

 

اقرأ :

"بوكا" و"صيدنايا" يحكيان تحول المعتقلات لمدارس تخرّج قادة "داعش"

 

ومن خلال دخول النظام السوري وغيره من الأنظمة لهذه الألعاب، "يستطيع الدخول لمفاوضات إقليمية دولية على مستويات معينة، ويبدي نفسه شريكاً موثوقاً بالتعاون الأمني، وأنه يستطيع كشف معلومات هامة للمخابرات العالمية"، وفق العلبي.

 

وعن مدى نجاعة هذه اللعبة واحتمالية فشلها، يضيف المحلل السياسي أنه "في نظر النظام، مهما صار هناك تمرد فهو يمسك خيوط اللعبة من كل الأطراف، ولو تعرض لخطر جزئي فهو قادر على تحمّله، ويبقى الضحايا هم الشباب".

 

– صناعة الإرهاب

ووجود هذه الألعاب، يؤكدها حديث الحقوقي المصري في منظمة العفو الدولية، سامي أحمد؛ إذ قال: إن "التفكير الإرهابي في الفترة الحالية أصبح صناعة لبعض الأنظمة أو داعميها من أصحاب رؤوس الأموال في إيجاد نوع من الشباب المتحمس ويتم استغلالهم لقضايا معينة، ويكونون ذوي خلفيات إجرامية".

 

وبيّن الحقوقي لـ"الخليج أونلاين"، أن "معظم العمليات التي حصلت مؤخراً في أوروبا، ارتكبها شباب ذوو خلفيات جنائية وليس لهم علاقة بالدين، أخرجتهم أجهزة تعمل لمصلحة المخابرات، وتتوقف التحقيقات عند النقطة الجنائية ولا أحد يعلم من دفعهم".

 

وأكد أحمد أن "هناك دولاً تستغل الشباب لأغراض سياسية غير معروفشيء، سواء كانت تأجيج صراع، أو نشر الفتن وغيرها".

 

- أنواع شباب السجون

 

وصنف العلبي الشباب في السجون إلى ثلاثة أصناف: الأول له خلفية دينية نشأت من المساجد وهو شبه محصن من الفكر المتطرف، ويسمع في السجن أفكاراً مختلفة عما تعلّمه وينفر منها؛ ما يزيده كرهاً للتطرف.

 

وقسم آخر لا يوجد له خلفية أيديولوجية، يضيف العلبي، "ومن السهل له الاندماج بأي شيء، المهم أن يكون ضد النظام. والثالث الذي ينتمي إلى تنظيمات معينة، وتحت الضغط العام الموجود في السجن يُجبر على الانتماء إلى التنظيمات المتوافرة".

 

3

 

وأكد العلبي أن "الكشف عن الوقائع والأحداث بالسجون يسلط الضوء على جانب مظلم لا أحد يعرفه عن نشأة هذه التنظيمات"، وأضاف أن "البعض حين نقول له إن إنشاء التنظيمات من المخابرات، يرد بأنها نشأت رداً على الجرائم التي ارتُكبت ضدهم؛ إلا أنهم يغفلون دور المخابرات القذر جداً الذي يلعب بالناس".

 

– غياب التوجيه والدمج وتولّد الإرهاب

الخبير في شؤون الجماعات الإسلامية، حسن أبو هنية، قال: إنه "من الواضح تاريخياً أن السلفية الجهادية أصبحت أكثر تطوراً وشراسة في تجربة السجون، وعند الجهاديين هناك تعبير اسمه المدرسة اليوسفية، بأن يتكون المناضل فكرياً".

 

والتهم الموجهة للشباب الذين يذهبون ضحية لها بالسجون، "عادة تكون تهماً بالترويج لتنظيم أو الانتماء إليه؛ ومن ثم تأخذ في العالم العربي أو الغرب أحكاماً بالسجن لأشهر أو 5 سنين"، بحسب أبو هنية.

 

وبيّن في حديثه لـ"الخليج أونلاين"، أن "عدم وجود برامج في السجون تتكامل مع المقاربة الجنائية والأمنية والمحاكم، يؤدي إلى تحوّل هذه السجون إلى مدرسة، ويتطوّر الفرد بالأفكار المتطرفة بعد أن كان مبتدئاً".

 

2

 

وقال: إن "معظم السجون لا تفتقر إلى برامج التوجيه والدمج فقط، وإنما في الوقت ذاته تمارس انتهاكات صارخة، مثل نموذج العراق؛ إذ إن معظم الذين يقاتلون في تنظيم الدولة كانوا سجناء عند الأمريكان في سجن أبو غريب، أو في السجون العراقية، وهناك بدأت تحولاتهم وتكوينهم الجهادي".

 

وينطبق ذلك على "سجن أبو سليم في ليبيا، وسجن سواقة بالأردن، وسجن العقرب في مصر، والسجون الأوروبية"، وفق هنية.

 

5

 

خبير شؤون الجماعات الإسلامية، قال إن هناك عدداً من الحركات الجهادية المنظمة في السجون، وعندما يجد الشباب أنفسهم داخل هذه السجون يندمجون، تلقائياً، في فروع التنظيمات، ويصبحون "مناضلين" في غياب برامج إعادة تكوينهم. ومن ثم، هناك عوامل متعددة تخلق بيئة متطرفة بالسجون، سواء كانت متعلقة بطبيعة السجون والانتهاكات أو غياب البرامج، وطبيعة الحركات الجهادية التي أصبح لها مقرات دائمة في السجون.

 

أبو هنية، قال: إن "عوامل عدة تصدّر الفكر المتطرف، وأحياناً لم يكن هناك انتباه لأهمية السجون في تكوين هذه الأفكار، وغابت أي برامج للتأهيل والإصلاح. ومع تزايد الأعداد، نشأت بعض البرامج في الدنمارك وألمانيا وبريطانيا؛ لإعادة التوجيه والدمج بالتعاون مع الشرطة المحلية والمجتمع المدني، ولكن في هذه الدول أعداد السجناء التابعين للتنظيمات محدودة".

 

ومع اتساع ظاهرة تنظيم الدولة، قال أبو هنية: "أصبح هناك الآلاف من السجناء، مع ازدياد الحاجة لموارد ومخصصات وكوادر مختصة، ولا تتوافر. إذا علمنا أن أكثر من 25 ألف مشتبه فيهم تحت المراقبة في بريطانيا وفرنسا، هؤلاء يحتاجون لأعداد كبيرة، فضلاً عمن هم في السجون، وهناك قصور في برامج السجون، وهذا ما نص عليه القرار 2178 بالأمم المتحدة عام 2014".

 

وأشار إلى أن هناك تركيزاً على الشق الأمني والعسكري "ودفع وسخاء على الحروب بالمليارات، ولكن لا يوجد تركيز على العمليات الأيديولوجية والفكرية والدمج وإعادة التوجيه، وعدم وجود مخصصات وموارد".

 

25766464

 

وعن توزيع الشباب داخل السجون، قال: "للأسف، لا يوجد هناك عملية فرز، ويكون شاب مراهق أو جامعي (متوسط أعمارهم ما بين 16 و24)، لربما غاضب أو لديه بعض الاحتجاجات أو علق على بعض المنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، وخصوصاً بعد قوانين الإرهاب المتعلقة بالإنترنت، ويتم وضعهم مع أيديولوجيين ويطورونهم داخل السجون".

 

وبيّن المحلل السياسي أن "عملية السجون يجب ألا تقتصر على إعادة التأهيل، وإنما بعد خروجهم من السجن يجب إدماجهم بالمجتمع وتوفير فرص العمل لهم، ولكن نجد معظم هؤلاء الأشخاص بالعالم العربي عندما يخرجون لا يجدون أنفسهم إلا في إطار هذه التنظيمات، ولا يتم توظيفهم وإنما تهميشهم، وتصبح خياراتهم ضيقة، ومن ثم يكون طريقهم نحو التطرف والتطرف العنيف ميسَّراً تماماً".

 

وأكد أنه "ينبغي أن يكون هناك مبادئ عامة حاكمة للتعامل مع هذه الظاهرة، ولا بد من أن تتعاون الحكومة مع القطاع الخاص والمجتمع المدني لإيجاد حلول، وينبغي أن يكون هناك مقاربات غير العسكرية والأمنية، تمنع التطرف من جذوره".

مكة المكرمة