ليبيا في 2017.. بين فكّي "داعش" والأطماع الخارجية

تنظيم "داعش" ما زال يملك جيوباً في ليبيا

تنظيم "داعش" ما زال يملك جيوباً في ليبيا

Linkedin
Google plus
whatsapp
الثلاثاء، 26-12-2017 الساعة 11:17


تدخل ليبيا في العام 2018 وما زال الوضع الداخلي متوتّراً والخلاف بين طرفي النزاع السياسي قائماً، في حين تحيط بالبلاد مخاطر جمّة أبرزها وجود تنظيم الدولة، والأطماع الدولية.

ومنذ سقوط نظام العقيد معمر القذافي، في عام 2011، تعيش ليبيا حالة من الفوضى الأمنية، وسط غابة من المليشيات المسلّحة، في حين تتنازع سلطتان البلاد؛ حكومة الوفاق الوطني التي يعترف بها المجتمع الدولي وتتخذ من طرابلس مقراً لها، وسلطة ثانية في شرقي البلاد يدعمها المشير خليفة حفتر.

جهود ووساطات دولية مختلفة دخلت على خط الخلاف الليبي سعياً لإنهائه، لكن وبرغم إبرام اتفاق برعاية أممية، ما يزال الصلح مجرد اتفاق على ورق، وهو ما يؤكده خليفة حفتر في تصريحات له.

وكانت الأطراف الليبية وقعت، في 17 ديسمبر 2015، اتفاقاً برعاية الأمم المتحدة، بعد 14 شهراً من جلسات الحوار في مدينة الصخيرات بالمغرب، على تشكيل حكومة وحدة من المفترض أن يترأسها فائز السراج، وتقود مرحلة انتقالية من عامين تنتهي بإجراء انتخابات تشريعية.

اقرأ أيضاً :

الأمم المتحدة تجلي لاجئين من ليبيا إلى إيطاليا للمرة الأولى

وتضمّنت المسودة الأممية ثلاث نقاط هي: تشكيل حكومة وحدة وطنية توافقية، واعتبار برلمان طبرق الهيئة التشريعية، وتأسيس مجلس أعلى للدولة ومجلس أعلى للإدارة المحلية، وهيئة لإعادة الإعمار، وأخرى لصياغة الدستور ومجلس الدفاع والأمن.

- حفتر ينقلب على التوافق

في 17 ديسمبر 2017، أعلن اللواء المتقاعد حفتر انتهاء صلاحية الاتفاق السياسي الليبي، وفقدان كل الأجسام المنبثقة عنه بصورة تلقائية شرعيّتها المطعون فيها منذ اليوم الأول من مباشرة عملها، بحسب قوله.

وشدد حفتر في كلمة مصوّرة على رفضه القاطع لخضوع "الجيش الوطني" التابع له إلى أي جهة مهما كان مصدر شرعيّتها، ما لم تكن منتخبة من الشعب الليبي، على حد قوله.

حذّر أيضاً من دخول البلاد في مرحلة خطيرة، قائلاً: "مع مطلع يوم 17 ديسمبر نشهد مؤشرات دخول الدولة الليبية في مرحلة خطرة تنذر بتدهور حادٍّ في كافة الشؤون المحلية بلا استثناء، وقد يمتد مداه إلى الأطراف الإقليمية والدولية، ويفتح الأبواب أمام كل الاحتمالات، دون اكتراث أو مبالاة من العالم الذي يدّعي قدرته على إيجاد الحل وفرضه".

تحذير حفتر جاء رداً على بيان لمجلس الأمن كان أكد فيه أن الاتفاق السياسي الليبي الموقع في الصخيرات "يبقى الإطار الوحيد القابل للاستمرار لإنهاء الأزمة السياسية في ليبيا"، وذلك عشية مرور عامين على توقيعه.

وقال: إن "تطبيقه (الاتفاق) يبقى المفتاح لتنظيم انتخابات وإنهاء الانتقال السياسي، مع رفض تحديد آجال من شأنها أن تعرقل العملية السياسية التي ترعاها الأمم المتحدة".

- رفض خارجي

تصريحات حفتر واجهت عدم القبول من قبل أطراف داخلية وخارجية، ففي حين رفض رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الليبية، فائز السراج، أي إعلان عن نهاية اتفاق الصخيرات السياسي، مؤكداً استمرار المجلس الرئاسي وحكومته لحين انتخاب البديل، قال وزير الخارجية الفرنسي، جان إيف لودريان، إنه أبلغ حفتر بأنه ينبغي عليه احترام عملية السلام التي ترعاها الأمم المتحدة لإعادة الاستقرار إلى ليبيا.

وصرّح لودريان للصحفيين في بنغازي: "قلت إنه لا بديل لخطة الأمم المتحدة أمامك، ولا بد أن تضع نفسك في خدمة بلادك".

- أمريكا تحذّر

بدورها حذرت الولايات المتحدة من عواقب فرض حل عسكري أو تجاوز العملية السياسية في ليبيا.

وقال بيان للخارجية الأمريكية، مطلع ديسمبر 2017، عقب لقاء الوزير ريكس تيلرسون برئيس حكومة الوفاق الوطني فائز السراج، إن الاتفاق السياسي الليبي هو الإطار الوحيد الممكن لحل سياسي.

وفي تحذير بدا موجّهاً للّواء خليفة حفتر وداعميه، أضاف البيان أن "محاولات تجاوز العملية السياسية التي تدعمها الأمم المتحدة أو فرض حل عسكري سيزعزع استقرار ليبيا، ويتيح فرصاً لتنظيم الدولة الإسلامية، الذي ساعدت الضربات الجوية الأمريكية في إخراجه من مدينة سرت الليبية العام الماضي".

وجدد البيان دعم الولايات المتحدة الكامل لحكومة الوفاق الوطني، مطالباً جميع الأطراف الليبية والدولية بدعم مهمة المبعوث الأممي الخاص، غسان سلامة، والخطة التي طرحها بهدف الدفع بعملية المصالحة السياسية، والتمهيد لإجراء انتخابات وطنية ناجحة في ليبيا.

- "داعش" قلق آخر

الخلاف بين الأطراف السياسية الحاكمة في البلاد ليس الوحيد الذي يسيطر على المشهد الليبي، فتنظيم الدولة الذي تكبّد خسائر كبيرة؛ أبرزها خسارته مدينة سرت التي كانت معقلاً مهماً له، ما زال يملك جيوباً في جنوب وجنوب شرقي وغربي البلاد، مستغلاً المساحات الصحراوية الشاسعة، في حين أن خلاياه تؤكد أنها موجودة في داخل المدن.

ففى إصدار مرئي جديد نشرته وكالة أعماق الإخبارية، الذراع الإعلامية لتنظيم الدولة، في 25 سبتمبر 2017، لوّح فيه التنظيم باستمرار عناصره في القتال في ليبيا، وأظهر فيه مشاهد لبعض المعسكرات التدريبية في الصحارى الليبية.

كما أظهر الإصدار الذي جاء بعنوان: "فما وهنوا لما أصابهم"، مشاهد من عملية نفّذها عناصر التنظيم في مدينة الجفرة، وعملية انتحارية أخرى، وسبق هذا الإصدار إصدار آخر أظهر عملية انتشار ودوريات لعدد من عناصر التنظيم في منطقة أبو قرين (شمال غرب)، ومحافظة الجفرة وسط ليبيا، وتأكيده تنفيذ عمليات استهدفت مواقع عسكرية.

وتشير أغلب التوقّعات، بعد الإطاحة بالمدن التي سيطر عليها التنظيم، إلى فرار عناصره نحو الصحراء الليبية التي تمثّل بيئة مناسبة له تمكّنه من إعادة تشكيل صفوفه في الصحراء، التي ستكون مصدر خطر كبير محلياً وإقليمياً؛ لا سيما في ظل وجود حدود طويلة تتشارك فيها ليبيا مع 6 دول أفريقية أغلبها تعاني من مشاكل أمنية.

رئيس التحقيقات في مكتب المدعي العام الليبي، الصديق الصور، أكد هذه التوقعات، وذلك خلال مؤتمر صحفي عقده بطرابلس، في وقت سابق، وقال: إن "المحققين علموا أن تنظيم داعش أسّس جيشاً في الصحراء بقيادة المتشدد الليبي المهدي سالم دنقو، الملقب بأبو بركات. ويضم ذلك الجيش ثلاثة كتائب تحت قيادة دنقو ولكل منها قائد". وقال: إن "هذا الجيش تم تأسيسه بعد تحرير مدينة سرت. والآن هم متواجدون في الصحراء الليبية".

- الأطماع الإيطالية حاضرة في المشهد الليبي

تاريخياً كانت ليبيا مستعمرة إيطالية بين عامي 1911- 1945، وجغرافياً فإن المسافة الفاصلة بين جنوب إيطاليا وشمال ليبيا تبلغ فقط نحو 300 كم.

التطوّرات الأمنية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بعد "الربيع العربي" نهاية عام 2010، أثارت المخاوف الإيطالية بوجود تداعيات سلبية على الأمن القومي الإيطالي وعلى فعالية الدور الإيطالي في المنطقة، والأهم من هذا المصالح الإيطالية بليبيا؛ وكانت تلك المخاوف السبب في تدخّل روما بالشأن الليبي.

وتربط إيطاليا بليبيا مصالح اقتصادية قوية؛ إذ يذهب نحو 32% من إنتاج النفط الليبي إلى إيطاليا ليمثّل 25% من وارداتها، وأيضاً تستورد إيطاليا نحو 12% من احتياجاتها من الغاز من ليبيا أيضاً، وتتنوّع شبكة المصالح التجارية؛ بدءاً من قطاعات البنوك، والمنسوجات، والسيارات، والمقاولات، والسكك الحديدية.

تلك المصالح وراء تدخّل روما لحل نزاعات قبليّة، فقد رعت في مارس 2017، توقيع اتفاقية صلح بين قبيلتي "التبو" و"أولاد سليمان"، في العاصمة الإيطالية روما، بعد ثلاثة أيام من المفاوضات رعتها منظمة أربتشي الإيطالية.

وتواجه إيطاليا أزمة الهجرة؛ إذ يتدفّق إليها مهاجرون فارّون من مختلف النزاعات تمهيداً للانتقال إلى دول أوروبية أخرى، بمعدل يبلغ 400 مهاجر كل يوم، ويمرّ 80% منهم عبر الأراضي الليبية.

وتحوّلت ليبيا منذ الإطاحة بالنظام الجماهيري من قبل حلف الناتو إلى مركز جذب للآلاف من الراغبين في الهجرة من بلدانهم نحو أوروبا، خاصة المنحدرين من الدول الأفريقية الفقيرة.

- لفرنسا أطماع أيضاً

من الصعب على فرنسا أن تفرّط بفرصة سهلة تمدّ من خلالها نفوذها في ليبيا، لا سيما أن الجنوب الليبي كان في فترة من الفترات ضمن مستعمراتها في الشمال الأفريقي.

ففي يوليو 2017، وافق فائز السراج وخليفة حفتر على مبادرة الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، لحل الأزمة الليبية.

وتسبّبت هذه المبادرة بامتعاض إيطاليا؛ إذ إن المعنى الحقيقي لدخول باريس على خط "الصلح السياسي" الداخلي بليبيا نجاح فرنسي في التدخّل بالشأن الليبي يتيح تحقيق مصالح خاصة.

وظهر هذا الامتعاض جلياً عبر الصحافة؛ إذ قالت صحيفة "لاريبوبليكا" الإيطالية إن فرنسا ليس لديها أي أهداف في ليبيا سوى حماية مصالحها، خاصة حماية مناجم اليورانيوم في النيجر.

في حين قال وزير الخارجية الإيطالي، أنجلينو ألفانو: "يوجد الكثير من الأسئلة المفتوحة بشأن ليبيا (..) وعدد كبير من الوسطاء وعدد كبير من المبادرات. نريد توحيد جهودنا وتركيزها على مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا، غسان سلامة".

بعد ذلك، وفي تأكيد للامتعاض الإيطالي من التدخّل الفرنسي، دخلت قوات البحرية الإيطالية المياه الإقليمية الليبية بذريعة دعم خفر السواحل الليبي.

وتأكيداً لتلك الأطماع، تشير صحيفة "بوليتيكو" الأمريكية إلى أن الهدف الحقيقي وراء اهتمام إيطاليا بليبيا هو حماية شركة إيني النفطية، والحفاظ على بقائها للسيطرة على تجارة النفط داخل ليبيا بعيداً عن فرنسا وبريطانيا.

مكة المكرمة