ما حقيقة الانسحاب الإماراتي من اليمن للمرة الثانية؟

زرعت فوضى أمنية وغادرت..
الرابط المختصرhttp://khaleej.online/DwzkDY

انسحاب القوات الإماراتية من اليمن

Linkedin
whatsapp
الأحد، 09-02-2020 الساعة 20:15

لم يكن انسحاب الإمارات من اليمن سببه التوجه نحو استراتيجية السلام كما يدعي المسؤولون فيها، بل تشير الحقائق إلى أنّ هذه الاستدارة ناتجة عن مخطط أبوظبي لإغراق اليمن أكثر في مستنقع الحروب والاقتتال الداخلي.

ولا يبدو أن الإمارات عازمة على ترك اليمن، بل إنها مصممة على أن تظل لاعباً رئيسياً، وذلك من خلال الجهود التي تبذلها لمحاربة من يخالفها هناك، وتوطيد النفوذ عبر وكلائها.

وحتى مع انسحاب معظم القوات الإماراتية سيبقى على الأراضي اليمنية قرابة 90 ألف مقاتل يمني مُدرّب على يد أبوظبي من الانفصاليين، إضافة إلى مرتزقة أجانب تستخدمهم بين الحين والآخر لتنفيذ مهمات توصف بـ"القذرة" في البلاد، من بينها الاغتيالات.

واحتفى المسؤولون الإماراتيون ووسائل إعلامهم بعودة القوات، رغم ما تسببوا به من فوضى أمنية عارمة، وزرع بذور تقسيم اليمن وتفتيت مناطقه عبر المليشيات المناوئة للشرعية.

انسحابات تدريجية

في 9 فبراير 2020، أعلنت الإمارات بدء عودة قواتها من اليمن، حيث أطلقت القنوات الإماراتية بثاً مشتركاً، احتفاء بعودة القوات، وفق ما أفادت وكالة الأنباء الإماراتية الرسمية "وام".

وأعلن ولي عهد أبوظبي والحاكم الفعلي للدولة، محمد بن زايد، في تغريدة على حسابه بـ"تويتر"، عودة جنود الجيش الإماراتي، واستعداد بلاده للاحتفاء بهم، في حين وجه أمير دبي محمد بن راشد، في تغريدة له، تحية لقوات بلاده بمناسبة عودتهم.

لم يكن هذا هو الإعلان الأول لسحب تلك القوات، ففي شهر أكتوبر 2019 ذكرت وسائل إعلام سحب الإمارات والسودان عدداً كبيراً من الدبابات والعربات العسكرية من عدن، بالتزامن مع وصول قوات سعودية.

وأعلنت قيادة الجيش الإماراتي عودة ما أسمتها بـ"قوة الواجب الإماراتية المشتركة العاملة في محافظة عدن باليمن، بعد إنجازها مهامها العسكرية المتمثلة بتحرير عدن وتأمينها وتسليمها للقوات السعودية واليمنية الشقيقة".

وفي 8 يوليو 2019، أعلنت الإمارات عزمها تخفيض وإعادة نشر قواتها في اليمن، لتتحول- كما زعمت- من استراتيجية "القوة العسكرية أولاً" إلى استراتيجية "السلام أولاً".

لا انسحاب حقيقي

يقول الباحث اليمني في العلاقات الدولية، عادل المسني، إن هذه ليست المرة الأولى التي تعلن فيها الإمارات سحب قواتها من اليمن، مشيراً إلى أن أبوظبي "دولة لا يمكن الوثوق بأقوالها ولا أفعالها فهي تمارس أكاذيب لا حدود لها".

وأشار، في حديثه لـ"الخليج أونلاين"، إلى أنه لا يتصور انسحابها من إدارة الحرب في اليمن، مضيفاً: "ما يجري في سقطرى وشبوة من محاولة التمرد على الشرعية، يؤكد عدم اليأس من السيطرة والهيمنة على أرخبيل سقطرى وغيره من المنافذ الحيوية في اليمن".

وأضاف: "الإمارات لها أطماع، وأنفقت الملايين لبناء كتائب أمنية لهذا الغرض، والمعركة سجال بين أدوات أبوظبي والشرعية التي استطاع جيشها إفشال محاولاتها في الانفصال بمعركة شبوة التي كانت نقطة تحول في تاريخ الصدام المباشر مع أجندات الإمارات".

الإمارات

وأشار إلى أن الشرعية اليمنية "تبدو متماسكة ومنتبهة أكثر من أي وقت مضى، وهو ما يعقد المشهد أكثر أمام استمرار الإمارات في التآمر والغدر، بعد أن كان متاحاً في سنوات الغفلة السابقة".

أما المحلل السياسي اليمني ناصر الماوري فيقول إن الإمارات كان لديها، إلى جانب السعودية، أهداف معلنة تتمثل في "إعادة السلطة الشرعية، ودحر الانقلاب الحوثي"؛ لكن الاستراتيجية الإماراتية جاوزت ذلك بإنشاء مليشيات مسلحة مستقلة عن السلطة الشرعية، حسب قوله.

وأضاف، في حديث لـ"الخليج أونلاين": "لن يؤدي هذا الانسحاب، على الأرجح، إلى وقف الحرب قريباً، بل سيزيد الأمور سوءاً بتدخلاتها في اليمن".

حجم القوات الإماراتية باليمن

كانت القوات الإماراتية التي شاركت في حرب اليمن منذ انطلاق العملية العسكرية الموسومة بـ "عاصفة الحزم"، في 26 مارس 2015،  تُقدَّر بنحو 5000 جندي، تتمركز داخل قواعد عسكرية ومراكز قيادة وتدريب خاصة بها، في عدة مناطق ساحلية، تقع على خليج عدن والبحر الأحمر، فضلاً عن قاعدة صرواح التي تقع بمحافظة مأرب شمالاً.

وهذه القواعد التي كانت بها هي: البريقة (عدن الصغرى) التي تعدّ المركز الرئيس للقوات الإماراتية في اليمن ، والريان (مطار الريان بالمكلّا) بمحافظة حضرموت (الساحل)، وبلحاف بمحافظة شبوة، والمخاء (ميناء) بمحافظة تعز، والخوخة بمحافظة الحُديدة.

كما كانت تنتشر مجاميع محدودة العدد من القوات الإماراتية في مناطق مختلفة من عدن، ولحج، وشبوة، وحضرموت، والمهرة، ومناطق من الساحل الغربي.

لم تشارك القوات الإماراتية في المعارك، واكتفت بالبقاء في مواقع القيادة والسيطرة، ورغم سقوط قتلى وجرحى من تلك القوات فإن جميعهم قتلوا في أماكن بعيدة عن المواجهات، كما حدث في مأرب، حين قتل أكثر من 50 جندياً إماراتياً في 4 سبتمبر 2015، في قصف صاروخي استهدف قاعدة عسكرية تبعد عشرات الكيلومترات عن مناطق القتال.

اليمن

مرتزقتها في اليمن

يتمثل دور القوات الإماراتية في القيادة والسيطرة على التشكيلات المسلحة التي أنشأتها، حيث غدت هذه القوات ركيزة أساسية للاستراتيجية الأمنية الإماراتية في اليمن.

أنشأت أبوظبي تشكيلات أمنية جنوبية تنتشر في محافظات عدن، ولحج، وأبين، والضالع، وانقلبت على الشرعية في أغسطس 2019، وسيطرت على مدن جنوبية، فيما يشارك عدد منها في النسق الثاني للقوات المهاجمة في الساحل الغربي، مثل اللواء 20، واللواء الثالث دعم وإسناد.

وتعد "قوات الإسناد والدعم" الكيان الجامع لقوات الحزام الأمني وغيرها من ألوية الدعم والإسناد، إلا أن تسمية "قوات الحزام الأمني" طغت على تسمية "قوات الإسناد والدعم"؛ من جراء النشاط الميداني البارز لقوات الحزام.

وهناك تشكيلات يطلق عليها اسم "النخبة"، ينتشر منها في محافظة حضرموت الساحل "النخبة الحضرمية"، وفي محافظة شبوة "النخبة الشبوانية". وقد فشلت محاولات تشكيل قوات النخبة بمحافظة المهرة وجزيرة سقطرى.

أما القوات المشتركة فتتألف من وحدات مستقلة، وهي- في الأساس- مليشيات جنوبية وشمالية، تضم كلاً من: ألوية العمالقة، وألوية المقاومة التهامية، وألوية حراس الجمهورية التابعة لطارق نجل شقيق الرئيس السابق علي عبد الله صالح.

عدن

وتنتشر هذه القوات في الساحل الغربي على البحر الأحمر، في المنطقة الممتدة من مضيق باب المندب إلى مطار الحديدة.

ثمة قوات أخرى يطلق عليها اسم "كتائب أبي العباس"، نسبة إلى مؤسسها وقائدها "أبي العباس"، عادل عبده فارع، وكانت حتى أواخر أبريل 2019 تسيطر على أحياء من مدينة تعز، وتمارس أدواراً سلطوية موازية لسلطات الحكومة الشرعية.

مرتزقتها من الخارج

برز دور القوات السودانية في معارك الساحل الغربي، التي كانت تستخدمها الإمارات في القتال، قبل أن تبدأ تلك القوات بالانسحاب تدريجياً وبشكل كبير خلال الأشهر القليلة الماضية.

واستخدمت الإمارات إلى جانب ذلك مرتزقة أجانب، ونشرت صحفٌ- بينها "التايمز البريطانية"- في 2017، تجنيد أبوظبي مقاتلين من القبائل العربية في أفريقيا، بتشاد والنيجر.

كما استعانت الإمارات بمرتزقة من كولومبيا منذ عام 2014، حيث أشارت وسائل إعلام إلى أن عدد المرتزقة الكولومبيين باليمن 800 مقاتل، تم نشرهم في الخطوط الأمامية باليمن، و100 منهم تم نشرهم في ميناء عدن الخاضع لسيطرة التحالف.

اليمن

ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل استأجرت الإمارات مرتزقة أجانب لتنفيذ عمليات اغتيال لصالحها، حيث نشر تحقيق وثائقي لقناة "الجزيرة" صورة من عقد لشركة "سبير أوبريشن" الأمريكية، حصلت بموجبه على 1.5 مليون دولار، إضافة إلى علاوات عند تنفيذ أي عملية بنجاح.

إسقاط الشرعية وتدمير البلاد

ويقول الدكتور عادل المسني، إن أهداف الإمارات في اليمن "واضحة، تتلخص بإسقاط الشرعية، وإحلال الانتقالي الموالي لها، والتخادم مع الحوثيين شمالاً لتمزيق اليمن وإنهاك الشرعية في دوامة من الصراعات المستمرة في الشمال والجنوب والغرب".

وأضاف، في حديثه لـ"الخليج أونلاين": "رغم كل محاولاتها، لكنها عجزت من النيل من الجيش الوطني وتحقيق أهدافها في الانفصال عبر الحسم العسكري الذي تكسر في معركة شبوة الشهير".

ويشير الباحث في العلاقات الدولية إلى أن الإمارات "تبدو حالياً أكثر انكشافاً مع تمرد مليشياتها جنوباً ضد الشرعية التي تواجه أعنف هجوم حوثي في الشمال"، مؤكداً في الوقت ذاته أن اليمنيين "أصبحوا أكثر وعياً بأهداف الإمارات".

الانتقالي

ويضيف: "المتأمل بحصاد سنوات الحرب يدرك بجلاء حجم الخراب الذي لحق باليمن جراء السياسات الممنهجة على كل المستويات الاقتصادية والعسكرية والاجتماعية، فقد ترك التحالف بصمته على كل بيت، وساهم في تفشي الجهل والفقر والمرض خدمة لمشاريع الانفصال والإمامة والتنكيل بمشروع التغيير الهادف لبناء يمن اتحادي قوي".

أما المحلل السياسي ناصر الماروي فيرى أن المليشيات التي دعمتها الإمارات في اليمن "تحولت إلى عائق أكبر أمام عودة الشرعية، وإنهاء انقلاب الحوثيين".

وأشار، في حديثه لـ"الخليج أونلاين"، إلى أن إحدى أهم أولويات الإمارات المتحدة رغم انسحابها، تتمثل في "تعزيز دورها في جنوب اليمن والبحر الأحمر، من خلال طريقة نشر مرتزقتها في السواحل الغربية والجنوبية وباب المندب، وهو المخطط الرئيسي الذي بنت عليه تدخلها في اليمن عام 2015".

مكة المكرمة