محاكمة رموز بوتفليقة.. عدالة أم مراوغة لتمرير الانتخابات؟

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/yZa559

أحكام وصل بعضها إلى 15 عاماً

Linkedin
Google plus
whatsapp
السبت، 14-12-2019 الساعة 09:59

تعيش الجزائر على صدى وقائع متسارعة بعيد الحراك الشعبي الذي عمّ الشوارع والمدن الكبرى محاولاً إسقاط نظام العسكر الذي قاده الرئيس المستقيل، عبد العزيز بوتفليقة، وهو على كرسيٍّ متحرك، ويتحكم به الجنرالات العسكريون وبعض الشخصيات المتنفذة.

وقبل أيام من الانتخابات الرئاسية، التي أجريت في يوم الخميس (12 ديسمبر 2019)، وسط رفض شعبي واسع لإجرائها في ذلك الوقت، أصدرت محكمة جزائرية أحكامها المختلفة على رموز نظام بوتفليقة المتهمين بالفساد واستغلال الوظيفة الحكومية.

أحكام سريعة

ومن عادة مثل هذه المحاكمات أن تستمر لفترات طويلة، وتُجمع فيها أبرز الأدلة والبراهين، ويبحث عن الأموال المنهوبة وحجم الفساد، والقرارات المضرّة بالبلاد التي اتخذت خلال فترة حكمهم.

وقضت محكمة "سيدي أمحمد" في العاصمة الجزائرية، يوم الثلاثاء (10 ديسمبر 2019)، بسجن رئيسي الوزراء السابقين؛ أحمد أويحيى وعبد المالك سلال تباعاً بـ15 و12 عاماً نافذاً؛ في قضايا متعلقة بالفساد ومنح امتيازات غير مستحقة لبعض رجال الأعمال، والتمويل الخفي لحملة بوتفليقة.

وتم تغريم المتَّهَم الأول بـ20 ألف دولار، ومنع أويحيى من حقوقه المدنية والسياسية، وصدر قرار بالحجز على أملاكهما.

في ذات الوقت حكم بالسجن غيابياً لمدة 20 عاماً على وزير الصناعة الأسبق، عبد السلام بوشوارب، مع إصدار مذكرة توقيف دولية بحقه.

كما قررت المحكمة سجن يوسف يوسفي، ومحجوب بدة، وهما وزيرا صناعة سابقان، لمدة 10 سنوات، مع تغريم كل منهما بـ10 آلاف دولار، و5 سنوات على وزيرة السياحة السابقة، يمينة زرهوني.

في المقابل برّأت المحكمة وزير النقل والأشغال العمومية، عبد الغني زعلان، من تهمة التمويل الخفي للحملة الانتخابية لبوتفليقة.

كما أصدر القاضي أحكاماً متفاوتة في حق متهمين آخرين، بينهم عدد من رجال الأعمال.

ويحق للمتهمين الطعن في منطوق الأحكام الصادرة ضدهم في غضون 10 أيام لدى المحكمة العليا.

وسجن المتهمون بشكل مؤقت على قيد التحقيق في ملابسات ملفات فساد كبرى؛ من بينها ملف فتح مصانع تجميع سيارات بقطع غيار مستوردة، يقول مسؤولون إنها كانت طريقة لتهريب العملة الأجنبية نحو الخارج.

وخلال الربع الأول من العام 2019، بلغت فاتورة استيراد هذه الأجزاء قرابة 920 مليون دولار، حسب أرقام رسمية.

ووجهت لكل الموقوفين في هذه القضية تهم "إساءة استغلال الوظيفة"، و"الثراء غير المشروع"، و"تبديد المال العام"، و"منح امتيازات غير مستحقة".

ومطلع 2018، منعت السلطات الجزائرية استيراد السيارات من الخارج بصفة نهائية، وشرعت في منح تراخيص لرجال أعمال من أجل إقامة مصانع لتجميع السيارات.

وحملت المحاكمة التي أطلق عليها "محاكمة القرن"، والمحاكمة "التاريخية"، بعضاً من الجلبة على وسائل الإعلام، إذ تناقل ناشطون مقطعاً مصوراً لعبد المالك سلال أثناء كلامه مع قاضي المحكمة ودفاعه عن نفسه معتبراً أنه ليس فاسداً.

وغلبت سلال دموعه ليقول راجياً القاضي: "أرجوك يا سيادة القاضي أنا أبلغ من العمر 71 عاماً، ولم يتبقَّ لي الكثير في الحياة، أنا بريء، أقسم بالله العلي العظيم أنا بريء".

وفي سياق آخر أعلنت وزارة العدالة الجزائرية، يوم الأربعاء (11 ديسمبر 2019)، أنها عازمة على تسريع محاكمات الفساد، في حين يُنتظر أن تبدأ محاكمة عبد الغني هامل، المدير العام للأمن الوطني الأسبق، في قضايا فساد وثراء فاحش.

ويرى مراقبون أن هؤلاء المسؤولين كانوا في هرم السلطة يوماً ما، وعاشوا على الفساد، والأحكام التي نالوها عادية ولا تقارن بما نهبوه من مال عام.

ونقلت شبكة "بي بي سي" عن مديرة صحيفة الفجر الجزائرية، حدة حزام: "إن الكثير من الجزائريين عبّروا عن عدم رضاهم عن تلك الأحكام عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إذ وجدوها متسامحة بالمقارنة مع الأضرار التي خلّفها من صدرت بحقهم الأحكام في الاقتصاد الجزائري".

وأضافت: "أرى أن مجرد مثول هؤلاء أمام القضاء هي خطوة مهمة قطعتها العدالة في الجزائر، إلا أنها ينبغي أن تكون أكثر صرامة".

وقالت الصحفية الجزائرية، ياسمين السبع: إن "البلاد تشهد مرحلة تاريخية حاسمة، لكن الشارع منقسم بخصوص هذه المحاكمات، ويرى الكثيرون أنها ليست رادعة مقارنة بالجرائم المرتكبة، ولا تتناسب مع مقدار ما نُهب من الخزينة العمومية"، بحسب الشبكة.

كما تقول: "إن الشارع الرافض لإجراء هذه الانتخابات الرئاسية يرى في أحكام اليوم محاولة من النظام لتبييض صورته، خاصة أنها جاءت قبل يومين من موعد الانتخابات".

ولفتت إلى أن البعض يرى "هذه الخطوة غير كافية لبناء نظام جديد، خاصة أنها لم يتبعها فتح ملفات فساد أخرى كبيرة".

توقيت سياسي

ولعل أوقات المحاكمات قبل يومين فقط من إجراء الانتخابات الرئاسية، التي تحمل رفضاً شعبياً ومطالبات بتأجيلها إلى فترة أخرى لحين استقرار الأوضاع في البلاد ومحاسبة جميع الفاسدين، وإسقاط الدولة العميقة، تحمل في طياتها مؤشرات سياسية.

ورغم الحالة الأمنية المشددة في العاصمة الجزائرية ومدن أخرى، خرجت مظاهرات واسعة، يومي الثلاثاء والأربعاء (10 و11 ديسمبر 2019)، رفضاً للانتخابات الرئاسية، وجاء ذلك بالتزامن مع دعوات من شخصيات وأحزاب سياسية لمقاطعة الانتخابات.

وجاب الآلاف من الطلبة والناشطين والمواطنين شوارع العاصمة، يوم الثلاثاء، حيث تجمعوا في ساحة الشهداء، قبل بدء مسيرة حاشدة إلى ساحة البريد المركزي والجامعة.

كما كان لوجود الصحافة الأجنبية التي جاءت لتغطية الانتخابات في شوارع العاصمة فرصة لإبراز الشباب المتظاهرين رفضهم لإجراء "الرئاسيات" في ظل الوضع الحالي.

ولم يمنع اقتراب الانتخابات الشرطة والأمن الجزائري من استخدام بعض القوة والعنف لتفريق المحتجين، ما أدى إلى إصابة أعداد منهم، إلا أن أعدادهم الغفيرة لم تمكن السلطات من تفريقهم.

ومنذ فبراير 2019، يؤكد المتظاهرون في شوارع الجزائر إصرارهم على تحقيق الحراك الشعبي لأهدافه كاملة، وليس تبديل وجوه وجلب أخرى مع احتفاظ الدولة العميقة بامتيازاتها وصلاحياتها.

وجدّد المتظاهرون المطالبة برحيل رئيس الحكومة، نور الدين بدوي، وهاجموا رئيس الأركان، أحمد قايد صالح، مشددين على مطلب الدولة المدنية لا العسكرية.

في المقابل دفعت السلطات الجزائرية بمئات الأشخاص للخروج إلى الشوارع لإبداء التأييد لإجراء الانتخابات، كردٍّ على الأصوات الرافضة، والتي يبدو أن صوتها أشد ارتفاعاً في مدن البلاد.

تجييش ضد الانتخابات

ويوم الاثنين (9 ديسمبر 2019)، أصدرت 19 شخصية سياسية معروفة بياناً أعلنت فيه رفضها الانتخابات الرئاسية، الخميس، فيما صدر بيان آخر وقّعته مجموعة أحزاب سياسية وقوى مدنية دعت فيه للمقاطعة الشعبية للانتخابات.

وشدد بيان الشخصيات السياسية على أن موعد 12 ديسمبر "يعد محطة من محطات عديدة سيجتازها الحراك الشعبي بنجاح بفضل وعيه وسلوكه الحضاري حتى يحافظ على سلميته بعد هذا التاريخ".

وكان بين الموقعين على البيان وزير الخارجية السابق، أحمد طالب الإبراهيمي، ورئيس الحكومة الأسبق أحمد بن بيتور، والدبلوماسي عبد العزيز رحابي، والناشط الحقوقي عبد الغاني بادي، وآخرون.

وطالب الموقعون السلطة بـ"الابتعاد عن الخطابات الاستفزازية ولغة التهديد وتخوين كل من يخالفها الرأي في كيفية الخروج من الأزمة، ونحملها مسؤولية أي انزلاق قد تؤول إليه الأمور".

فيما عبّر بيان الآخر، الذي يضم تنظيمات مدنية ومستقلين، عن رفضهم لما اعتبروها "المهزلة الانتخابية التي تستهدف تجديد النظام لنفسه".

ودعا البيان "الجزائريات والجزائريين في الداخل والمهجر للرفض وبأي وسيلة سلمية المهزلة الانتخابية في 12 ديسمبر، مع التحلي باليقظة".

في سياق آخر عملت السلطات، بدءاً من ليلة الأربعاء (11 ديسمبر 2019)، على نشر أكثر من 180 ألف رجل من قوات الأمن والشرطة في العاصمة والمدن والبلدات من أجل تأمينها لمراكز الانتخابات.

وتحدثت الصحافة الجزائرية عن توزيع نحو 120 ألف دركي في المناطق البعيدة والبلدات الصغيرة التي لا تضم مراكز شرطة، مع حالة تأهب ويقظة لأفراد الجيش، مع تأمين مضاعف للحدود والمناطق الجبلية في إطار منع حدوث ما يؤرق سير العملية الانتخابية.

مكة المكرمة