محاكمة مسؤولي وأثرياء الجزائر.. حرب على الفساد أم امتصاص للحراك؟

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/GrW5PJ

يوجد تخوفات في الشارع الجزائري من أن تكون المحاكمات وهمية

Linkedin
Google plus
whatsapp
الثلاثاء، 23-04-2019 الساعة 12:57

في مشاهد غير مألوفة للجزائريين، رُكنت سيارات تابعة لفرق الدرك، ظهيرة أمس الاثنين، أمام قصر العدالة بسيدي محمد في وسط العاصمة الجزائر، وعلى متنها أغنى رجل في البلاد، إسعد ربراب، وهو في طريقه للمثول أمام القاضي للتحقيق معه في تهم تتعلق بقضايا فساد.

ربراب يصفه الجزائريون بـ"إمبراطور الزيت والسكر"؛ لاحتكاره هذه المواد الاستهلاكية في السوق المحلية، إنتاجاً واستيراداً وتسويقاً؛ من خلال شركته العملاقة "سيفيتال".

ولم يكن رجل الأعمال ربراب الثري الوحيد الذي تم توقيفه، بل طال الأمر "الإخوة كونيناف الأربعة"، وهم مقربون من محيط الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة وحاشيته، وفي مقدمتهم شقيق الرئيس، السعيد بوتفليقة.

وعلى عكس باقي الأثرياء كانت عائلة "كونيناف" تنشط في الخفاء، وبعيداً عن الأضواء، ولم ينفض عنها الغبار إعلامياً إلا بعد بداية الحراك.

وفي قرار الإحالة على القضاء وُجهت لهؤلاء تهم تتعلق بـ"الاشتباه في تورطهم في إبرام صفقات حكومية مع الدولة دون الوفاء بالتزاماتهم التعاقدية، واستغلال نفوذ الموظفين الحكوميين للحصول على مزايا غير مستحقة، وتحويل عقارات وامتيازات عن مقصدها الامتيازي".

من جانبه كشف التلفزيون الرسمي الجزائري أن فصيلة الأبحاث للدرك الوطني بالعاصمة سلمت استدعاء المثول أمام وكيل الجمهورية لمحكمة سيدي محمد لكل من الوزير الأول السابق، أحمد أويحيى، ووزير المالية الحالي محمد لوكال؛ في إطار التحقيق بتبديد الأموال العمومية ومنح مزايا غير قانونية.

وتأتي هذه التطورات بعد إشارات الجيش المتكررة من خلال بيانات قيادة الأركان إلى عمليات نهب عاشتها البلاد، وتبذير مقدراتها الاقتصادية والمالية.

وأكد قائد الجيش الجزائري، أحمد قايد صالح، في بيان له في 2 أبريل الجاري، أن هناك عصابة كوّنت ثروات طائلة بطرق غير شرعية وفي وقت قصير، دون رقيب ولا حسيب، مستغلة قربها من بعض مراكز القرار المشبوهة، مبيناً أنها تحاول تهريب الأموال المنهوبة والفرار إلى الخارج.

وقال صالح: إن "قرارات المتابعات القضائية المتخذة ضدها صدرت عن العدالة من خلال النيابة العامة التي تحركت استجابة لمطالب شعبية ملحّة، حيث تم اتخاذ تدابير احترازية تتمثل في منع بعض الأشخاص من السفر لحين التحقيق".

وأوضح أن الهيئات المخولة لوزارة النقل فعّلت إجراءات منع إقلاع وهبوط الطائرات الخاصة التابعة لرجال أعمال في مختلف مطارات البلاد.

محاسبة الفاسدين

وتعد محاسبة الفاسدين واستقلالية القضاء أحد أبرز مطالب الحراك، إذ طالب الجزائريون في آخر جمعة بضرورة تسريع إجراءات تحويل ملفات الفساد إلى العدالة.

كذلك انتفض القضاة ضد التعليمات الفوقية، رافعين شعارات أبرزها "عدالة مستقلة"، و"القضاة أبناء الشعب"، و"القانون فوق الجميع"، و"القضاء جزء من الشعب".

وتتمتع الجزائر بثروات نفطية هائلة، باحتياطي يتجاوز 4 مليارات طن، مع كونها من أكبر الدول إنتاجاً وتصديراً للغاز باحتياطي يتجاوز 30 ألف مليار متر مكعب، الأمر الذي شجع على استشراء الفساد وانتشار ثقافة الريع.

واستهلكت الجزائر منذ مجيء بوتفليقة إلى قصر الرئاسة أزيد من 1000 مليار دولار في برامج التنمية، إلا أن تلك البرامج لم تُخرج البلاد من معضلة التبعية لعائدات النفط، فصادرات البلاد خارج المحروقات لا تتجاوز 2%.

ودائماً ما تصنَّف الجزائر ضمن الدول الأكثر فساداً في العالم، حيث احتلت المرتبة 112 من بين 180 دولة، وفق مؤشر مدركات الفساد الذي تعده منظمة الشفافية الدولية الصادر في 2018، بينما كانت تحتل المرتبة 86 سنة 2016.

ويستند المؤشر الذي تصدره منظمة الشفافية الدولية بشكل سنوي على التصورات المتعلقة بانتشار الفساد في الدول من خلال مجموعة من الاستقراءات والتقييمات المعنية بالفساد.

قلق ومخاوف

الحراك الشعبي اعتبر عمليات التوقيف والإحالة التي تمت، أمس الاثنين، مؤشراً إيجابياً، وربما بداية للاستجابة لمطالبهم، لكن بالمقابل برزت مخاوف من أن تكون هذه الإجراءات مجرد مسرحية لتنويم المحتجين، ومحاولة لكسب مزيد من الوقت للتعامل مع ضغط الشارع.

ويتخوف قادة الحراك من إمكانية توظيف القضاء لخدمة مصالح أو أهداف معينة، خاصة في ظل التصريحات والتهم المتبادلة ضمن إفرازات الحراك الشعبي الذي انطلق يوم 22 فبراير.

وقال رئيس حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، محسن بلعباس: "أردناها مرحلة انتقالية بعدالة انتقالية، جعلوها مرحلة تضليلية بعدالة انتقامية".

وأضاف بلعباس في منشور عبر حسابه في موقع "فيسبوك": "التحقيقات حول الفساد المتفشّي منذ 20 سنة تستوجب استدعاء العدالة لكل المسؤولين؛ بداية من بوتفليقة ومحمد مدين المدعو توفيق، وإلا ففيها إنّ".

الناشط الحقوقي والسياسي محمدي طارق عبر عن تخوفه من أن تتحول العدالة إلى "وسيلة للتجاذبات السياسية بين العصب".

وشدد طارق في حديثه لـ"الخليج أونلاين" على ضرورة "إرساء دعائم دولة القانون، والالتزام بضرورة كون كل الاستدعاءات وفقاً للقانون وليست لتصفية الحسابات بين العصب".

ويرى الخبير الاقتصادي سليمان ناصر استدعاء كل من رئيس الوزراء الأسبق "أويحيى"، ومحافظ بنك الجزائر السابق "لوكال" للتحقيق أمراً إيجابياً، وبوادر على قرب تحرر العدالة واستعادة استقلاليتها، وأداء مهامها تدريجياً.

وقال ناصر في حديث لـ"الخليج أونلاين": "رغم الرفض لمن يشغل وزير العدل نرجو أن يفرز التحقيق ويسفر عن أحكام فعلية، ولا يكون الاستدعاء لمجرد السماع ولامتصاص مطالب الحراك".

وأوضح أن التهم الموجهة والمعلنة هي منح امتيازات غير مشروعة، ولكن توجد تساؤلات حول المبالغ الكبيرة من القروض التي مُنحت لكبار رجال المال الفاسد.

واستطرد بالقول: "من وافق عليها وهي تكسر قواعد العمل المصرفي والمعايير الاحترازية؟ وما هي الضمانات المقبوضة مقابلها؟ هذا بالإضافة إلى التسهيلات الممنوحة في مجال نهب العقار، ومصانع تركيب السيارات".

الكاتب والإعلامي نجيب بلحيمر حذر من إغفال الحراك هدفه المتمثل بإحداث تغيير جذري ومنظم. وكتب بلحيمر عبر صفحته الرسمية في "فيسبوك": "لا يمكن لتحريك العدالة ضد أشخاص تحوم حولهم شبهات الفساد أن يكون بديلاً عن تفكيك نظام الفساد، وبناء قضاء مستقل يحرر القضاة من كل قيد باستثناء القانون وضمائرهم".

واستقال بوتفليقة، قبل أسبوعين، بعدما قضى 20 عاماً في السلطة، وجاءت استقالته استجابة لضغوط من الجيش ومظاهرات مستمرة منذ أسابيع يخرج فيها بالأساس شبان يطالبون بالتغيير.

وتولى رئيس مجلس الأمة، عبد القادر بن صالح، منصب الرئيس المؤقت خلفاً لبوتفليقة لمدة 90 يوماً؛ لحين إجراء انتخابات رئاسية في الرابع من يوليو المقبل.

مكة المكرمة