مرة أخرى.. إيران تسجّل هدفاً سياسياً بمرمى السعودية في العراق

إيران شجعت العراق على الاستجابة للرغبة الأمريكية في التقارب مع السعودية

إيران شجعت العراق على الاستجابة للرغبة الأمريكية في التقارب مع السعودية

Linkedin
Google plus
whatsapp
الأحد، 14-01-2018 الساعة 17:18


لطالما ردّد المسؤولون السعوديون بأن العراق عاد إلى حضنه وعمقه العربي والإقليمي بجهود المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات، بينما تبحث مع الشيعة العراقيين تخليصهم من التبعيّة لإيران وعودتهم إلى الحضن العربي.

وخلال تصريحات المسؤولين السعوديين حينها، التي تزامنت مع زيارة قيادات ومسؤولين ووزراء ومراجع شيعة عراقيين، في الحكومة العراقية، للسعودية، ذهب العديد من المحللين إلى القول بأن دور الرياض تجاه بغداد سيعود بنتائج إيجابية لمحور إيران، وينقلب سلباً على دور السنّة ومستقبلهم، على عكس ما يروّج له الإعلام المدعوم سعودياً.

جسّدت التحالفات الانتخابية الأخيرة في العراق حقيقة دور كلٍّ من السعودية وإيران، ونفوذهما في البلد الذي يعاني من الصراعات الطائفية والمذهبية منذ الغزو الأمريكي عام 2003، حيث حسم الجنرال قاسم سليماني، قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، تحالف رئيس الوزراء، حيدر العبادي، مع مليشيا الحشد الشعبي، وسط غياب تامٍّ لدور الرياض في تجميع الكتل السنية أو الدعوة لذلك على أقل تقدير.

ورغم دعم السعودية وبعض دول الخليج للقوات الأمريكية في احتلال العراق عام 2003، فإن طهران سخّرت كل إمكاناتها المادية والجيوسياسية واستغلّت طاقاتها أبشع استغلال للاستيلاء على أركان الدولة العراقية، بعد سقوط نظام الرئيس الراحل، صدام حسين، بينما لم تمتلك السعودية وحلفاؤها رؤية واضحة أو مشروعاً يمكنه أن يساعد السنة في عودة نفوذهم والتحكّم على الأقل بالمحافظات ذات الغالبية السنية، بل يرى العديد من السعوديين أن السنة يشكّلون خطراً على النظام السعودي أكثر من الشيعة الموالين لإيران، بحسب معلومات حصل عليها "الخليج أونلاين" من سياسيين عراقيين.

وحاولت الرياض عام 2017 نسج قصة غرام جديدة مع بغداد، رغم مرور نحو 15 سنة من الاغتراب المتبادل بين الجارين؛ بهدف منافسة إيران بعد استيلائها على العراق سياسياً وأمنياً واقتصادياً، إلا أن تحالف العبادي مع هادي العامري وقيادات الحشد أبلغ من "تغريدات السبهان" (ثامر السبهان وزير دولة لشؤون الخليج العربي في الحكومة السعودية)، الذي أطلقها سابقاً عبر "تويتر"؛ بأن العراق عاد إلى حضنه العربي، ولن تدع لإيران نفوذاً بعد الآن، مشيراً إلى دور السعودية في ذلك، لكن المعطيات على أرض الواقع تشير إلى أن رئيس الوزراء العراقي لا يمكنه الجلوس على كرسيه في بغداد دون الترتيب والموافقة الإيرانية، بحسب المحلل السياسي العراقي نظير الكندوري.

- سليماني في بغداد.. أين السبهان؟

الجنرال قاسم سليماني، قائد "فيلق القدس" الإيراني، أدّى دوراً في حسم التحالف بين رئيس الوزراء العراقي، حيدر العبادي، وقادة "الحشد الشعبي"، من جهة، ورتّب التحالف بين رئيس الوزراء السابق، نوري المالكي، وبين حلفائه من جهة أخرى، بينما غاب ثامر السبهان.

ولطلما أثار السفير السعودي السابق في بغداد، ثامر السبهان، جدلاً واسعاً في تصريحاته حول دعم إيران للمليشيات الشيعية في العراق، لكن سرعان ما أعلنت الرياض استبداله بعد مطالبة الخارجية العراقية بذلك؛ بسبب انتقاده للحشد الشعبي، معتبرة تصريحاته تدخّلاً في شأن العراق الداخلي.

وفي كل مناسبة ينتهز السبهان الفرصة لينشر ما يجود به قلمه حول نفوذ إيران ومليشياتها في العراق، مطمئناً العرب السنة بأن المملكة هي عمقهم الحقيقي لا طهران، وفي أحلك الظروف التي يحتاجها سنة العراق، تغيب جهود الرياض تماماً، والسبهان كذلك، عن دعوة الكتل والأحزاب السنية إلى الوحدة وخوض الانتخابات وكسب أكبر عدد من الأصوات، بدل الانقسام إلى تحالفات هامشية عشائرية قبلية، كان للمالكي والعبادي منهم الحظ الوفير.

اقرأ أيضاً :

"الحشد" والعبادي في قائمة واحدة بأمر "سليماني"

والتحالفات تأتي في سياق خوض الانتخابات النيابية العراقية المزمعة في 12 مايو 2018، بعد أن كان العبادي يرفض تماماً استخدام الحشد كورقة انتخابية، ليعلن، الأحد 14 يناير 2018، خوض الانتخابات من خلال ائتلاف "عابر للطائفية"، أطلق عليه اسم "النصر"، مع "ائتلاف الفتح" برئاسة الأمين العام لمنظمة بدر، هادي العامري.

واتّفقت قيادات حزب الدعوة الموالي لإيران، السبت 13 يناير 2018، على أن يقود العبادي، الذي تولّى رئاسة الوزراء في 2014، من نوري المالكي، الحليف الوثيق لإيران، قائمة النصر والإصلاح، بينما يقود المالكي قائمة ائتلاف دولة القانون، تحت مظلّة إشراف الحزب في الانتخابات المقبلة.

ويضم "تحالف الفتح" منظمة بدر برئاسة هادي العامري، والمجلس الأعلى برئاسة همام حمودي، و8 من فصائل الحشد، و11 حزباً وكياناً آخر. بينما ضم تحالف النصر التابع للعبادي كتلة الفضيلة، وتيار الإصلاح، برئاسة وزير الخارجية إبراهيم الجعفري، ومستقلّين برئاسة حسين الشهرستاني، فضلاً عن ثلاث كتل من القوى السنية.

مصادر عراقية مطّلعة أكّدت أن "سليماني، الموجود في بغداد منذ بداية الأسبوع الحالي، عقد اجتماعات مكثّفة بهذا الشأن مع العديد من الشخصيات، من بينهم كبار قادة الحشد، حيث استمرّت المشاورات حتى مساء الجمعة 12 يناير 2018، بين العبادي وقيادات بارزة من قوات الحشد؛ لتشكيل قائمة موحّدة وخوض الانتخابات العامة". في حين تنازل الحشد عن اسم التحالف الذي شكّله تحت مسمّى "الفتح المبين" لصالح رئيس الحكومة الحالي.

اقرأ أيضاً :

"قوة الردع".. بن سلمان ينتصر على إيران في حرب "كرتونية"

وركّزت إيران من خلال سليماني على أهمية أن يكون لفصائل الحشد الشعبي دور واضح في العملية الانتخابية، والسماح لزعماء الأحزاب الشيعية التي لديها فصائل مسلّحة بالمشاركة، بحسب المصادر، التي قالت إن إيران "وراء الجمع (التحالف) بين العبادي وقادة الحشد؛ من منظور أنّها أصبحت موقنة من شعبية العبادي، ومن ثم من اتساع فرصته في ولاية ثانية"، وهو ما أكّدته وسائل إعلام عراقية.

وتسعى طهران من خلال هذا التحالف إلى أن يكون الحشد الشعبي شريكاً قوياً في تشكيل الحكومة المقبلة، والحفاظ على نفوذ إيران في العراق، على عكس السعودية، التي كانت تخوض معارك شرسة ضد نفوذ إيران بالعراق عبر وسائل الإعلام، لا سيما في "تويتر"، من دون وجود حقيقي على أرض الواقع.

و"الحشد الشعبي" هي مليشيا مسلّحة، أُسست صيف 2014، بفتوى من المرجع الشيعي علي السيستاني؛ لمقاتلة تنظيم "داعش"، وانضمّت إليها جميع المليشيات المسلّحة الموالية لإيران، المتّهمة بارتكاب انتهاكات بحق مدنيين أبرياء، لكنها ما لبثت أن وجدت شرعية لتكون جزءاً من الجيش العراقي، بإسناد متنفّذين في الدولة.

ويذهب منصب رئيس الوزراء للأغلبية الشيعية بموجب نظام لتقاسم السلطة، وُضع بعد الغزو الأمريكي للعراق في 2003، الذي أطاح بالرئيس الراحل صدام حسين.

- العبادي مسيَّر أم مخيَّر؟

يقول المحلل السياسي العراقي الكندوري، في حديثه لـ "الخليج أونلاين"، إنه في الوقت الذي كان العبادي يلمّح في كثير من أحاديثه وخطبه إلى عدم سماحه للحشد بالاشتراك في العملية السياسية، نجده اليوم لم يكتفِ بالسماح لهم بالمشاركة، بل دخل معهم في ائتلاف انتخابي تحضيراً للانتخابات القادمة.

ويضيف: "رغم التسريبات الإخبارية التي نشرتها وكالة رويترز من مصادر لم تسمّها، حول اعتزام العبادي تحجيم الحشد وسحب أسلحته الثقيلة، فإن الردّ جاء سريعاً من المرجعية الشيعية على تلك التسريبات؛ بتجديد دعمها للحشد ورفض أي محاولة لتحجيمه. وما تحالف العبادي مع هادي العامري وقيادات الحشد إلا صورة حقيقية من أن رئيس الوزراء العراقي لا يمكنه الجلوس على كرسيه في بغداد دون الترتيب والموافقة الإيرانية".

اقرأ أيضاً :

هل دعمت السعودية حقاً إسقاط الأسد أم خدعت السوريين؟

وحول نفوذ طهران، أكّد الكندوري أن "النفوذ الإيراني في العراق يتجاوز النفوذ الأمريكي بمراحل عديدة، وأن الولايات المتحدة ليس لها رجل لتراهن عليه في العراق، كما كان يلمّح إلى ذلك القادة الأمريكيون؛ بأن العبادي هو رجلهم في العراق".

وبحسب الباحث العراقي، فإن "دول الخليج حاولت أن تُقرّب منها القادة السياسيين الشيعة لسحب ولائهم وتحويله من إيران إلى الحاضنة العربية، لكنها كانت مخطئة في حساباتها. كان عليها بدلاً من ذلك تقريب من تربطها بهم روابط الدين والقومية، كما فعلت إيران حينما قرّبت منها الساسة الشيعة"، على عكس السياسة السعودية تجاه المنطقة، فهي تحارب السنة وتقف مع الشيعة.

اقرأ أيضاً :

رغم ولائه لإيران.. ماذا تريد الرياض من استقبال الصدر؟

"لقد كان خوف دول الخليج من التيارات الإسلامية الوسطية هو الذي جعلهم يبتعدون عن السنة العرب ويحاولون تقريب الشيعة منهم، بالضبط مثلما حدث في اليمن؛ حينما حاولت دول التحالف العربي حسم معارك اليمن خوفاً من استيلاء حزب الإصلاح على السلطة. إن طريقة التفكير هذه سوف تجعل إيران قريباً -وليس بعيداً- تتحكّم بكل دول الخليج العربي"، بحسب الكندوري.

- نفوذ إيراني وتراجع سعودي

يتّفق الكاتب والباحث العراقي، إياد الدليمي، مع ما ذهب إليه الكندوري حول هيمنة إيران وتحكّمها بخيوط اللعبة في المنطقة.

وأشار الدليمي، في تصريحات لـ "الخليج أونلاين"، إلى التقارب السعودي العراقي، وبأن إيران تدير اللعبة بأكملها؛ لأنها "تجيد اللعب على الحبال والمتناقضات بخفّة ورشاقة، لا لطبيعة تكوينها وحسب، لكن لغياب الآخر عن الملعب بشكل نهائي، فلا مشروع عربي يقابل المشروع الإيراني".

ويقول: إن "إيران هي من شجّعت العراق على الاستجابة للرغبة الأمريكية بانفتاح سعودي على العراق، وإلا فإن مفاتيح العراق ما زالت إيرانية وبامتياز".

اقرأ أيضاً :

نيويورك تايمز: إيران تهيمن على العراق بالكامل ولا مكان لأمريكا

ويلفت الدليمي النظر إلى أن "السعودية عزلت نفسها عن العراق 14 عاماً، رغم أنها كانت الأقدر على أداء دور محوري في عراق ما بعد صدام حسين، فمن غزا العراق هي حليفتها الأهم والأبرز؛ أمريكا. ومن ثم فإن عملية دخولها العراق لملء فراغ ما بعد النظام السابق كان أمراً ممكناً، لكنها لم تدخل، بغضّ النظر عما إذا تم ذلك برغبتها أو رغماً عنها".

ويشير كذلك إلى دور المملكة السلبي تجاه العراقيين بعد الغزو الأمريكي، إذ أغلقت أبوابها أمام العراقيين، كتيارات سياسية أو فكرية أو ثقافية، وحتى الكفاءات المميزة التي شرّدها الاحتلال، بقيت فريسة الاغتيال والخطف والتشرّد في المنافي، وأيضاً لم تكن السعودية قادرةً حتى على أن تشكّل لها محوراً من خلال حركات عراقية وطنية عديدة كانت ترفض الاحتلال، ولديها مشروع وطني لإنقاذ العراق بعيداً عن هيمنة إيران.

اليوم، وبعد أن شكّلت إيران قوتها في العراق، وجعلت منه حديقتها الخلفية التي تزرع فيها ما تشاء، وليس بلداً تابعاً لها فحسب، جاءت السعودية، رغم أن الحضور السعودي كان بطلب أمريكي ولم يكن سياسة سعودية خالصة، تسعى إلى مواجهة نفوذ إيران، بحسب الدليمي.

مكة المكرمة