مصراتة.. الحصن المنيع للتصدي لحفتر ووقف أحلامه العسكرية

"إسبرطة ليبيا" وإبرة الميزان في الصراع الداخلي
الرابط المختصرhttp://khaleej.online/g8yMmJ

تؤدي المدينة الواقعة شرق العاصمة طرابلس دوراً محورياً في المشهد الليبي

Linkedin
Google plus
whatsapp
الأربعاء، 01-05-2019 الساعة 15:51

فرضت مدينة مصراتة الليبية نفسها على الأحداث التي تشهدها البلاد منذ سقوط نظام الرئيس السابق، معمر القذافي، إبان ثورة فبراير 2011، وينظر إليها كقوة ثالثة من حيث أهميتها في ليبيا.

يشبه الإعلام مصراتة بمدينة "إسبرطة" اليونانية القديمة؛ لكونها جمعت كل مقومات المدينة - الدولة؛ فلديها قوة اقتصادية وعسكرية، وبنية تحتية مكتملة، وحلفاء استراتيجيون في الخارج.

وتؤدي المدينة الواقعة على بُعد 200 كيلومتر شرق العاصمة، دوراً محورياً في المشهد الليبي، وينظر لها الكثير على أنها كانت صاحبة الدور الحاسم في معركة طرابلس، التي اندلعت مطلع شهر أبريل الماضي، عقب إعلان القائد العام لـ"الجيش الوطني"، خليفة حفتر، إطلاق عملية عسكرية لدخول العاصمة.

مقومات مدينة متكاملة

تقع مصراتة على البحر الأبيض المتوسط غرب خليج السدرة، شرق العاصمة، بينما يفصلها عن بنغازي في الشرق 800 كم، في حين يبلغ عدد سكانها نحو 500 ألف نسمة، وتعد ثالث أكبر مدينة ليبية من حيث عدد السكان.

تعد مصراتة "القطب الصناعي للغرب الليبي"، فمنذ سبعينيات القرن الماضي أنشأ نظام القذافي فيها الشركة الليبية للحديد والصلب "Lisco"، إحدى أكبر المركبات الصناعية في شمال أفريقيا. كما تأسست فيها منذ سنة 2000 المنطقة الحرة بمصراتة على مساحة 3540 هكتاراً، تشمل ميناء مصراتة البحري.

مصراته

وتوجد في المدينة "جامعة مصراتة" المرموقة المكونة من 11 كلية ومعهداً، يدرَّس فيها أكثر من 100 اختصاص، كما يعد المستشفى الجامعي أحد أهم ثلاثة مستشفيات في ليبيا.

يعتبر مطار مصراتة الوحيد العامل بانتظام غربي البلاد، بعد اندلاع المعارك في العاصمة، كما يخرج منها الطريق المؤدي إلى مدينة سرت.

وأصبحت مدينة مصراتة مكتفية ذاتياً عن طرابلس وعن باقي ليبيا، وهو الأمر الذي ينظر له الكثير من الليبيين "مشروعا انعزالياً" عن الدولة الواحدة.

القوة العسكرية

تعتبر مصراتة العاصمة العسكرية للنصف الغربي من ليبيا ما بعد القذافي، وتعد المليشيات الموجودة فيها الأفضل تدريباً، والأكثر استعداداً وتنظيماً، والأقوى تسليحاً في ليبيا.

تتشكل القوة العسكرية الضاربة لمدينة مصراتة من قرابة 260 مليشيا، منها الصغيرة والكبيرة؛ أهمها "البنيان المرصوص، ولواء درع ليبيا الوسطى، وكتيبة حلبوص، وكتيبة المرسى، والكتيبة 166، والكتيبة 301 المتمركزة في العاصمة طرابلس".

كما تعتبر مصراتة الأقوى لوجستياً، خاصة من حيث الرعاية الطبية أثناء الحرب، بفضل مستشفى مصراتة الجامعي، إضافة إلى المستشفى العسكري الإيطالي الذي أنشئ عام 2016، في إطار جهود مكافحة الإرهاب أيام الحرب على تنظيم الدولة في سرت، وما زال يزاول نشاطه إلى اليوم بحراسة وحدة عسكرية مكونة من 300 جندي إيطالي موجودين في مصراتة.

كما توجد في مصراتة قاعدة عسكرية جوية هي في الأصل كلية جوية افتُتحت في عام 1975، وتخرج فيها آلاف الطيارين الليبيين، قبل أن تُحوّل بعد 2011 إلى قاعدة عسكرية جوية، تربض فيها طائرات مقاتلة من طراز قديم نسبياً، إضافة إلى مروحيات مقاتلة.

مصراته

مصراتة في الصراع الليبي

تعتبر مصراتة من أوائل المدن الليبية التي انضمت إلى ثورة 17 فبراير ضد حكم العقيد معمر القذافي، وكانت مليشياتها هي من دخلت مدينة سرت، في أكتوبر 2011، واعتقلت القذافي ثم قتلته.

ومع اندلاع الحرب الأهلية الليبية الثانية، سنة 2014، انقسمت ليبيا بين حكومتين وبرلمانين: "الحكومة الليبية المؤقتة" في الشرق منبثقة عن مجلس النواب الذي يتخذ من مدينة طبرق مقراً له، والذي عين خليفة حفتر قائداً للقوات التابعة له، و"حكومة الإنقاذ" في طرابلس المدعومة من المؤتمر الوطني العام المنتهية ولايته، والتي تمخضت عنها حكومة الوفاق المعترف بها دولياً.

لكن مصراتة اصطفت حينها مع طرابلس ضمن عملية "فجر ليبيا"، حيث خرج لواء درع ليبيا الوسطى من مصراتة باتجاه طرابلس، وخاض معركة المطار ضد كتائب الزنتان، وتمكن بعد شهر من المعارك من السيطرة على مطار طرابلس الدولي مع ما لحقه من أضرار فادحة.

كما أدّت مصراته دوراً حاسماً في عملية "البنيان المرصوص" التي أطلقتها حكومة الوفاق لدحر تنظيم الدولة في منطقة سرت، في أبريل 2016، حيث شاركت ضمن تشكيلات عسكرية عدة في العملية على الأرض بدعم جوي من طيران التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية.

واستمر استدعاء رئيس حكومة الوفاق، فائز السراج، لمليشيات مصراتة كلما أحدق الخطر بالعاصمة، على غرار ما حدث في سبتمبر 2018، على أثر هجوم اللواء السابع القادم من ترهونة على العاصمة.

وتوجهت من مصراتة إلى العاصمة في حينها وحدة مكافحة الإرهاب المكونة من مئات المقاتلين استجابة لنداء السراج، بالتزامن مع استياء من أبناء مدينة مصراتة من أداء حكومة السراج؛ باعتبارها "فشلت في محاربة الفساد والفقر وبسط نفوذها على التراب الليبي"، حيث يقول مقاتلون محدودون من مصراتة إنهم "مستعدون أن يقتَلوا من أجل السراج"، وفق ما نقلت صحيفة "لا كورييري ديلا سيرا الإيطالية" في تحقيق نشرته، في سبتمبر الماضي.

المشاركة في الدفاع عن طرابلس

ومع بدء هجوم القوات التابعة لحفتر على العاصمة طرابلس، في الرابع من أبريل الجاري، استدعت حكومة الوفاق الوطني قوة من محاربي "البنيان المرصوص" بصفة عاجلة من مدينة مصراتة، إذ غادر مصراتة، ليلة الأحد -الاثنين 7 و 8 أبريل، رتل أول مؤلف من 300 عربة رباعية الدفع مصفحة دخلت طرابلس متبوعة برتل ثانٍ من 300 عربة في غضون ساعات، في حين اتخذ خبراء مكافحة الإرهاب القادمون من مصراتة مواقعهم حول مطار معيتيقة الدولي الواقع على بعد 8 كم شرق العاصمة، بحسب ما نقلت وكالات الأنباء.

مصراته

وأرسلت مصراتة دعماً طبياً إلى مستشفى تاجوراء الواقع قرب طرابلس، ووصل أطباء اختصاص في أمراض العظام وجراحة الأوعية الدموية من مصراتة لإدارة مستشفى تاجوراء، الذي خصص لجرحى المقاتلين في المعارك الأخيرة. وترسل الحالات الصعبة إلى مستشفى مصراتة، كما نقلت "إذاعة فرنسا الدولية" عن أطباء من مصراتة تطوعوا للعمل في العاصمة طرابلس.

سياسياً قام أحمد معيتيق، الرجل الثاني في حكومة الوفاق، والذي يعد أحد القيادات الهامة في مصراته، بزيارة إلى روما منتصف أبريل، قابل خلالها المسؤولين الإيطاليين، إضافة إلى وزير خارجية قطر؛ لتنسيق المواقف وتدارس الوضع على ضوء المستجدات في ليبيا.

وتعد قطر وتركيا إضافة إلى إيطاليا حلفاء أساسيين لمصراتة وحكومة الوفاق، ورافق معيتيق خلال الزيارة إلى روما رجل قوي آخر من مصراتة؛ هو وزير الداخلية فتحي باشاغا، وهما إضافة إلى السراج الثالوث الذي تعتمد عليه حكومة طرابلس في هذه الأزمة للدفاع عن العاصمة وإدارة الاتصالات السياسية مع الخارج.

من جهة أخرى أعلنت مصادر من حكومة الوفاق لقناة "الجزيرة"، الأربعاء (1 مايو 2019)، عودة القوات الأمريكية إلى طرابلس ومصراتة في إطار التعاون الأمني مع الوفاق، وهو ما يعزز قوتها في ظل الصراع القائم.

معركة استراتيجية لمصراتة

وعلى الرغم من الامتعاض المستمر من حكومة السراج، فإن وقوف مصراتة إلى جانب حكومة طرابلس هذه المرة كان دون أي امتعاض؛ لأن طبيعة المعركة ليست اقتتالاً بين المليشيات لجني مصالح آنية، بل هي معركة استراتيجية بالنسبة إلى مصراتة أيضاً، فلطالما رأت مصراتة في خليفة حفتر العدو المعلن رقم واحد.

بالمقابل يرى حفتر في مصراتة عائقاً أمام إمكانية سيطرته على كامل التراب الليبي، ويسعى تبعاً لذلك إلى فصلها عن طرابلس، بحسب المراقبين للمعارك الجارية حالياً في ليبيا، الأمر الذي تعلمه مصراتة جيداً وتستعد له، فرغم إرسالها قوات للدفاع عن العاصمة فإن حجم القوات التي ظلت مرابطة في مصراتة وما حولها أكبر بكثير.

وتتمتع مصراتة بنقاط قوة كثيرة تميزها عن باقي الكتل المتصارعة في ليبيا، "ما يجعل جبهة مصراتة متماسكة، ليس بالمال بل الرغبة في الاستقلالية عن باقي الأطراف الليبية المتصارعة".

ووصفت الأكاديمية ميكالا ميركوري، المتخصصة في الشأن الليبي، لصحيفة "إل فاتو كوتيديانو" الإيطالية، المليشيا التي تقاتل تحت راية حفتر والسراج بالتحالفات الهشة، قائلة: "نحن نتحدث عن مليشيات من السهل أن تغير ولاءاتها، وقد حدث هذا فعلاً في الماضي".

وتضيف ميركوري: "مشكلة تغيير الولاءات غير مطروح مع قوات مصراتة التي يجمعها قاسم مشترك واحد؛ الاستقلال عن الجميع"، موضحة أن "دعم مصراتة لأي من الكتلتين المتصارعتين يرجّح كفتها على حساب الكتلة الثانية، فحل الصراع في ليبيا يمر حتماً عبر إيجاد توازن ما بين الشرق والغرب ومصراتة".

مكة المكرمة