مصر وإخفاء صفقة أسلحة مع كوريا الشمالية.. من المستفيد؟

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/qmpNZb

المسؤولون المصريون حاولوا إخفاء القضية لكن واشنطن تنبهت للأمر

Linkedin
Google plus
whatsapp
الثلاثاء، 29-10-2019 الساعة 09:33

من جديد عادت قصة سفينة أسلحة كورية شمالية، ضبطت قبالة سواحل مصر في أغسطس 2016، وبرزت يومها اتهامات للقاهرة بشراء الأسلحة التي كانت مخبأة داخل السفينة.

جاهد المصريون حينها لإبقاء الصفقة طي الكتمان، لكن الأمر انكشف وأثار حفيظة الولايات المتحدة، التي دانت بشدة الجهود المصرية للحصول على معدات عسكرية محظورة من بيونغ يانغ، واتخذت خطوة بتجميد مساعدات للجيش المصري.

مؤخراً، كشفت صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية أن مسؤولين مصريين حاولوا إخفاء صفقة الأسلحة رغم العقوبات الدولية المفروضة على بيونغ يانغ، في وقت تحاول فيه الأخيرة ابتزاز الجانب المصري لدفع 23 مليون دولار قيمة الصفقة التي لم تسدد.

ما قصة السفينة؟

في2017، أوقفت السلطات المصرية سفينة ترفع علم كمبوديا، في أعقاب إنذار أمريكي بأنها تنقل سلاحاً من كوريا الشمالية، بعدما اقتربت من سواحلها.

بدأت الحكاية منذ مساء ليلة 23 يونيو 2016، حينما انطلقت السفينة "جي شون" في رحلتها الأخيرة قبل أن تدخل لمصانع الخردة من مدينة "هايجو" الساحلية بكوريا الشمالية وعلى متنها طاقم كوري شمالي مكون من 23 شخصاً، وعلى الرغم من أن السفينة مملوكة لكوريا الشمالية فقد سُجلت في كمبوديا وسُمح لها برفع العلم الكمبودي والزعم بأن ميناء "بنوم بنه" هو موطنها.

لكن السفينة الضخمة جرى رصدها من قبل وكالة الاستخبارات الأمريكية عندما كانت تبحر في شبه جزيرة "الملايو" متجهة غرباً عبر بحر العرب وخليج عدن، وبينما كانت السفينة تعبر البحر الأحمر متجهة شمالاً صوب قناة السويس، في أغسطس 2016، أرسلت الولايات المتحدة تحذيراتها للسلطات المصرية عن اشتباهها في تلك السفينة، وهو التحذير الذي تعاملت معه القنوات الدبلوماسية المصرية بطريقة جدية، لتقوم سفينة بحرية مصرية بإصدار أوامرها لطاقم السفينة الكورية الشمالية بالتوقف لتفتيشها.

في البداية كانت الشحنة تبدو مطابقة للوصف الوارد في بيان حمولة السفينة؛ وهو 2300 طن من الحديد الخام، لكن بالبحث تحت الحجارة والأغلفة، عثر على مجموعة من الصناديق الخشبية التي تم فتحها بميناء "الأدبية" بالسويس، ليعثر على أكثر من 30 ألف قنبلة صاروخية من نوعية الرؤوس الحربية الصاروخية المعروفة باسم "PG-7" كورية الصنع.

نفي مصري

مصر نفت بداية الأمر، في أكتوبر 2017، علاقتها بشحنة الأسلحة، لكن الولايات المتحدة والدول الأعضاء في مجلس الأمن الدولي اعتبروا أن حجم الأسلحة التي كانت تنقلها السفينة يلائم جيشاً وليس تنظيماً، كما أن طريقة تخزين الشحنة تشكل إثباتاً بأن الشحنة غايتها مصر.

ويتبين من التقارير حول هذه القضية أن النظام المصري استورد هذه الأسلحة بواسطة صفقات أبرمها رجال أعمال وليس من خلال صفقة معلنة، رغم أن هذه ليست أسلحة غير تقليدية يستدعي استيرادها السرية.

وأوجد دليلاً آخر دامغاً أكّد الوجهة المصرية للأسلحة؛ وهو الصناديق نفسها التي كانت تحوى الشحنة بداخلها، فقد وجد المحققون اسم الشركة المصرية المستوردة للشحنة مطبوعاً على هذه الصناديق، وقد تم إخفاء الاسم وتغطيته بواسطة أحد الأشخاص.

مصر

وثائق جديدة!

ومع غياب قصة السفينة خلال العامين الأخيرين، عادت صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية، في 26 أكتوبر 2019، لتكشف عن محاولة السلطات المصرية التستر على صفقة السلاح مع كوريا الشمالية بعد أن كشفتها وكالات التجسس الأمريكية.

تقول الصحيفة إن وثائق تابعة للخارجية المصرية حصلت عليها تظهر هرع المسؤولين في القاهرة لكبح الأضرار التي لحقت بالأخيرة بعد اكتشاف الوكالات الاستخبارية الأمريكية خطة لتهريب شحنة الأسلحة إلى البلاد.

وأوضحت الصحيفة الأمريكية أن الوثائق التي حصلت عليها مؤخراً تتضمن ما يبدو أنه اعتراف صريح بضلوع الجيش المصري في شراء 30 ألف قذيفة صاروخية من بيونغ يانغ.

وأشارت إلى أن تقريراً للأمم المتحدة كان وصف العملية بأنها "أكبر عملية مصادرة للذخائر في تاريخ العقوبات" ضد الدولة الشيوعية.

مصر

ابتزاز كوريا وتجميد مساعدات

وقالت الصحيفة الأمريكية إن المسؤولين في كوريا الشمالية واصلوا طلب دفعات مقابل شحنة الأسلحة التي يقدر ثمنها بـ23 مليون دولار، ما أثار مخاوف المصريين من تعرضهم للابتزاز، بحسب وثائق الخارجية المصرية التي حصلت عليها.

وتضيف الصحيفة أنه يبدو أن الوثائق الجديدة تظهر قلقاً عميقاً بين المسؤولين المصريين إزاء مجموعة من المشكلات الناجمة عن اكتشاف شحنة الأسلحة، ومن ذلك احتمال تهديد كوريا الشمالية بفضح تفاصيل العلاقة التجارية برمتها.

وتوضح الصحيفة أن إحدى الوثائق مؤرخة بتاريخ 28 مايو 2017، وأنه تم إعدادها لوزير الخارجية المصري سامح شكري، وتناقش استياء كوريا الشمالية من الاستيلاء على شحنة الأسلحة، وتقدم اقتراحات بشأن كيفية الحفاظ على هدوء القضية.

وتشير المذكرة إلى خطاب أرسلته كوريا الشمالية إلى المنظمة العربية للتصنيع، وهي شركة صناعة الدفاع المصرية المملوكة للدولة، للمطالبة بالدفع، وأن الخطاب تضمن تهديدات غامضة.

مصر

وتضمن الخطاب مرة أخرى تهديدات وجهها الجانب الكوري الشمالي للكشف عما يعرفونه من تفاصيل هذه الشحنة.

هل تريد صاروخاً من كوريا الشماليّة؟  

في مارس من 2018، خصّصت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية تحقيقاً موسّعاً عن نشاطات سفارة كوريا الشمالية في القاهرة، وتحدثت فيه عن تجارة مخفية وغير شرعية للأسلحة الكورية تقوم بها السفارة.

وتقول الصحيفة، نقلاً عن مسؤولين أمريكيين وآخرين يعملون في الأمم المتحدة، إن مصر، في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، اشترت أسلحة من كوريا الشمالية، كما سمحت لدبلوماسيين كوريين باستخدام السفارة في القاهرة كقاعدة عسكرية لتجارة الأسلحة وبيعها في المنطقة.

مصر

وتقول الصحيفة إن نشاطات سفارة كوريا الشمالية في القاهرة، كغيرها من المقرات الدبلوماسية الكورية حول العالم، لا تقتصر فقط على النشاط السياسي.

وتخضع كوريا الشمالية، بسبب برنامجيها النووي والصاروخي، لسلسلة من العقوبات الاقتصادية والتجارية والعسكرية، بموجب حزمة قرارات اتخذها مجلس الأمن الدولي، منذ 2006.

إلى أين وصلت الأسلحة؟

الكاتب والمحلل المصري ياسر عبد العزيز، يرى أن الوثائق التي سُربت من الخارجية المصرية أكدت الأمر بعد أن طالب وزير خارجية النظام في مصر بتبرير مقنع من الجهات السيادية (جنرالات الجيش)، بعد أن واصل المسؤولون الكوريون الشماليون المطالبة بدفع ثمن شحنة الأسلحة.

حيث أثار الأمر مخاوف سامح شكري من تعرض البلاد لابتزاز الكوريين الشماليين، "فيسقط في يده ويتحمل هو مسؤولية الملف، لمعرفته المسبقة بالجنرالات وتضحيتهم بالمتعاونين مع نظامهم".

ويضيف عبد العزيز في حديثه لـ"الخليج أونلاين": إن "السؤال هو هل النظام المصري وطني لهذه الدرجة ويريد تسليح جيشه حتى لو بالطرق غير الشرعية حماية للوطن؟ والإجابة بكل أريحية: لا؛ فالأمر لا يتعدى كونه صفقة يريد أحدهم التربح منها، والزبائن المحتملون قد يكون النظام في سوريا أحدهم، كما لا يمكن استبعاد أن تكون الجماعات الإرهابية جنوب الصحراء في أفريقيا زبوناً آخر؛ ولا سيما أن إصرار النظام المصري على التواجد في ليبيا يفتح الباب أمام هذا الاحتمال".

ويضيف: "لكن المستفاد من هذه الجريمة -جريمة خرق القرارات الدولية- وهو ما يجب أن يعرفه المجتمع الدولي وعلى رأسه الغرب والأمريكيون، أن هذا النظام القابض على حكم مصر وإن كان يحمي مصالحه لكنه غير مأمون الجانب، حيث لا شرعية قانونية لتعاملاته، ولا التزام بقرارات المنظمات الدولية، وأن هؤلاء الجنرالات إنما هم تجار لا رجال دولة، ولا مانع عندهم من بيع أي شيء من أجل التربح غير ملتفتين لأبعاد هذه الصفقات".

مكة المكرمة