معاهدة "آخن" بين باريس وبرلين.. تعزيز للتعاون أم قنبلة دبلوماسية؟

الرابط المختصرhttp://khaleej.online/LZ1jBM

تحديات داخلية كبيرة يواجهها ماكرون وميركل في بلديهما

Linkedin
Google plus
whatsapp
الثلاثاء، 22-01-2019 الساعة 21:19

بمناسبة الذكرى الـ56 لتوقيع معاهدة الإليزيه، وقع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل على معاهدة جديدة للتعاون والتكامل الألماني الفرنسي.

التوقيع على المعاهدة الجديدة كان يوم الثلاثاء 22 يناير الجاري في مدينة آخن الألمانية، وهو اختيار لا يخلو من رمزية تاريخية؛ لكون آخن عاصمة الإمبراطور شارلمان، الذي وحد أجزاء كبيرة من أوروبا، من بينها فرنسا وألمانيا.

توقيت التوقيع على المعاهدة الجديدة يأتي في وقت تمر فيه قيادتا البلدين بظروف حساسة؛ فالمستشارة الألمانية تستعد لمغادرة منصبها في 2021، في حين يواجه الرئيس الفرنسي ماكرون أزمة مع الاحتجاجات المتواصلة لحركة السترات الصفراء.

وعلى إثر نشر نص المعاهدة الجديدة في الـ 16 من يناير الحالي، تضاربت ردود الأفعال، وسال حبر كثير داخل البلدين وخارجهما حول عديد الفصول المثيرة للجدل، ووصل الأمر ببعض المراقبين إلى وصف المعاهدة بـ"القنبلة الدبلوماسية".

- الأهداف المعلنة للمعاهدة

معاهدة آخن تهدف- بحسب البيان الذي نشرته الرئاسة الفرنسية في الثامن من هذا الشهر- إلى "زيادة التقارب بين فرنسا وألمانيا، وتمكينهما من الاستعداد أكثر للتحديات التي تواجههما في القرن الحادي والعشرين".

البيان يضيف أن "الثنائي الفرنسي الألماني يجب أن يكون مستعداً، وفعالاً، وملتزماً، ومتناسقاً"؛ خاصة في هذا السياق الأوروبي "الصعب"، في إشارة إلى تداعيات البريكسيت، وصعود الأحزاب الشعبوية إلى الحكم في عدة دول أوروبية.

وزير الخارجية الفرنسي، جون إيف لودريان، وصف المعاهدة على قناة CNEWS الإخبارية بـ"الديناميكية الجديدة"، التي تعبر عن "رغبة في الإقرار بالمصير المشترك، ومن ذلك أمننا المشترك".

أما المستشارة الألمانية ميركل فقد اعتبرت، في كلمتها الإذاعية الأسبوعية، المعاهدة "علامة على أننا نحتاج إلى التحدث بأكثر قوة حول الاتحاد الأوروبي، نريد إحداث دفع للاتحاد الأوروبي".

- معاهدة آخن مكملة لمعاهدة الإليزيه 

المعاهدة الجديدة ستعتمد على الأسس التي قامت عليها معاهدة الإليزيه، التي وقعت في باريس سنة 1963 بين فرنسا وألمانيا الغربية، وهي معاهدة مصالحة تاريخية طوت صفحة طويلة من الصراعات والحروب بين البلدين الجارين دامت قروناً، وأسست في حينها لمرحلة جديدة من التنسيق والتعاون بين البلدين على جميع الأصعدة.

ويحتوي نص معاهدة آخن على 28 فصلاً مقسمة تحت 7 أبواب، أهمها: الشؤون الأوروبية، والسلام والأمن والتنمية، والثقافة والتعليم والبحث العلمي، والتعاون الجهوي وبين المناطق الحدودية، والتنمية المستدامة والمناخ والبيئة والاقتصاد.

بحسب بيان الرئاسة الفرنسية سيجسد التعاون الجديد سلسلة من المشاريع، خاصة في ما يخص الشأن الدفاعي: "لم يسبق أبداً أن ذهبنا بعيداً بهذا القدر وبشكل صريح في التقارب على المستوى الدفاعي".

وينص الفصل الرابع من المعاهدة على "تبادل المساعدة والدعم بكل الوسائل المتاحة، ومن ضمن ذلك القوة العسكرية؛ في حالة الاعتداء المسلح على أراضي أحد البلدين".

أيضاً ينص على "إنشاء مجلس فرنسي ألماني للدفاع والأمن كهيئة سياسية تراقب التزام البلدين بتعهداتهما المتبادلة".

- الفصول المثيرة للجدل في داخل البلدين 

منذ نشرت صحيفة "لا تريبين" الفرنسية نص المعاهدة الجديدة، وصيحات التحذير تتعالى من أحزاب اليمين الفرنسي ضد الرئيس ماكرون، لدرجة وصفه بـ"الخائن والانقلابي"، واتهامه بإعلان استسلام فرنسا لألمانيا.

فاليمين الفرنسي يتهم ماكرون بـ"تسليم" منطقتي "الإلزاس" و"موسال" إلى ألمانيا، وبتحويل اللغة الألمانية إلى اللغة الرسمية الأولى فيها.

الاتهامات هذه مرفوضة من الحكومة الفرنسية؛ ذلك أن الفصل الـ14 ينص على إنشاء "لجنة للتعاون بين المدن الحدودية"، مكونة من ممثلين عن حكومتي البلدين، وعن السلطات المحلية، مكلفة بتحديد "استراتيجية مشتركة في اختيار المشاريع ذات الأولوية".

أما المستشارة الألمانية فمنذ فوز خبير المالية، رالف برينكهاوس، برئاسة الكتلة البرلمانية لحزبها الاتحاد الديمقراطي المسيحي، وحزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي- على عكس كل التوقعات- وهي تتعرض لضغوط وتقييد لحركتها في كل ما يخص دعم منطقة اليورو، في حين فرض برينكهاوس على ميركل خطوطاً حمراً كثيرة في ما يخص الدفاع الأوروبي والسياسة الخارجية.

- مآخذ باقي دول الاتحاد الأوروبي على المعاهدة الجديدة 

يعتبر الفصل الـ 8 من نص المعاهدة مثيراً للجدل؛ إذ نص على أن "قبول جمهورية ألمانيا الفدرالية كعضو دائم في مجلس الأمن للأمم المتحدة هو أولوية للدبلوماسية الفرنسية الألمانية".

صحف أوروبية تساءلت عن مغزى اهتمام فرنسا، المنتصرة في الحرب العالمية الثانية، بمنح مقعد دائم في مجلس الأمن لألمانيا، الدولة المهزومة في نفس الحرب، في تحد واضح للولايات المتحدة الأمريكية التي طالما رفضت الأمر.

وتستغرب مصادر دبلوماسية في تصريحات تداولتها صحف أوروربية عدم استشارة باقي الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، أو إبلاغهم بمحتوى المعاهدة إلى حدود نشرها في الصحافة الفرنسية.

وتتوقع نفس المصادر تحول المحور الفرنسي الألماني إلى "كتلة صماء" في كل ما يخص السياسة الخارجية والدفاع والتسلح والأمن والعدل والطاقة والتعليم والبحث العلمي والتصدير.. إلخ.

وعلى الرغم من أن ردود الفعل اقتصرت على الصحف الأوروبية إلى حدّ الساعة، فإن حكومات أوروبا تنتظر التوقيع على المعاهدة رسمياً لصياغة مواقف واضحة بشأنها.

ورحب الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو)، ينس ستولتنبرغ، بتوقيع معاهدة "آخن"، في بيان صادر عنه، تطرق خلاله إلى أن التعاون بين باريس وبرلين ساهم بشكل كبير في أمن واستقرار أوروبا لسنوات عديدة.

وبين ستولتنبرغ أن المعاهدة تظهر مدى الشوط الذي قطعته القارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية، لافتاً إلى أن الدور القوي الذي تؤديه فرنسا وألمانيا في الحلف يحظى بأهمية كبيرة للأمن الأوروبي والأطلسي.

مكة المكرمة