مع صياغة دستور جديد.. هذه قصة دساتير سوريا منذ عام 1920

هل يمكن اعتماد أي منها كمرجع؟
الرابط المختصرhttp://khaleej.online/yZEezZ

عرفت سوريا 16 دستوراً في تاريخها

Linkedin
Google plus
whatsapp
الثلاثاء، 05-11-2019 الساعة 09:27

لم تنته الحرب في سوريا بعد، وما زال نظام بشار الأسد يستهدف المدنيين في مناطق الشمال السوري، ولم تخرج جنود الدول الأجنبية من أراضيها، ولم تتمكن هدنة واحدة عبر ثماني سنوات من إخماد نارها المشتعلة على أثر ثورة شعبية تطالب بالحرية والكرامة وبناء دولة مدنية عمادها دستور تحكم بموجبه.

في حين تجمعُ الدول الكبرى والإقليمية عبر الأمم المتحدة في جنيف السويسرية الفرقاء السوريين؛ من نظام ومعارضة ومجتمع مدني (محسوب على الطرفين)، لكتابة دستور جديد لبلدٍ يشارك المتهم بجرائم الحرب مع ممثلي الضحايا في نسج حروفه وأبوابه ومبادئه العامة.

منذ ولدت الدولة السورية، في عشرينيات القرن الماضي وحتى عام 2012، تشكل فيها نحو 16 دستوراً، خلال حقب سياسية مختلفة، وتبدلات دولية كثيرة، وصعود أحلاف وسقوط أخرى.

دساتير سوريا حتى انقلاب البعث

بعد أن انفصلت سوريا عن الإمبراطورية العثمانية على أثر ما سُميت بـ"الثورة العربية الكبرى"، تأسست مملكة سوريا عام 1920، وحكمها الملك فيصل بن الشريف حسين، وكتب أول دساتيرها، ولكنه لم يستمر طويلاً، حيث جاءت القوات الفرنسية لاحتلال سوريا ولبنان (التي كانت جزءاً منها).

لكن الاحتلال الفرنسي عطل "دستور 1920" بعد فترة لم تدم طويلاً، حيث قامت بتشكيل لجنة دستورية لإعداد دستور جديد عُرف بـ"دستور 1928".

لم يكن الدستور الجديد ملائماً تماماً لسياسة فرنسا الداخلية في سوريا، حيث رفضته؛ لوجود مواد تتعارض مع دورها الانتدابي في البلاد، ما دفعها لتعديله بواحد آخر هو "دستور 1930"، والذي أعطى صلاحيات واسعة لمجلس النواب، وضمن الحريات، وفصل بين السلطات.

وفي عام 1946، جلت فرنسا عن سوريا بعد أن رسمت معالمها الجديدة، واتخذت حكومة الجلاء من دستور عام 1928 دستوراً للبلاد وحكمت بموجبه، والذي كان ينص على أن "سوريا جمهورية نيابية، دين رئيسها الإسلام، وعاصمتها مدينة دمشق".

وفي عام 1947 عدّل الدستور بتحويل النظام الانتخابي من درجتين إلى درجة واحدة، وعدل مرة ثانية عام 1948 للسماح بانتخاب شكري القوتلي لولاية ثانية مباشرة بعد ولايته الأولى، وفي 30 مارس 1949 انقلب حسني الزعيم عسكرياً على الحكم المدني برئاسة القوتلي، وعلّق العمل بالدستور، وسرعان ما انقلب عليه سامي الحناوي في أغسطس 1949، ونظمت انتخابات جمعية تأسيسيّة (شاركت فيها المرأة لأول مرة) لوضع دستور جديد للبلاد.

البرلمان السوري

في عام 1950 وضع دستور حمل اسم "دستور الاستقلال"، والذي يعد أول دستور مدني من نوعه تحظى به سوريا، حيث اطلعت اللجنة على 15 دستوراً أوروبياً وآسيوياً للوصول إلى "أرقى المعايير الممكنة"، وجاء في مادته الثالثة: "دين رئيس الجمهورية الإسلام، والفقه الإسلامي هو المصدر الرئيسي للتشريع"، وهو ما سيستمر في الدساتير اللاحقة.

قلص "دستور 1950" من صلاحيات رئيس الجمهورية، وزاد من صلاحيات البرلمان بمنعه التنازل عن صلاحياته التشريعية للحكومة ولو مؤقتاً، وعزز من سلطة القضاء باستحداث المحكمة الدستورية العليا.

وكفل حرية الرأي والصحافة، والاجتماع والتظاهر، والمحاكمة العادلة، ومنع الاعتقال التعسفي والتوقيف دون محاكمة لفترة طويلة، وحفظ حق الملكية والمشاركة في الحياة الاقتصادية وتأطير الملكية العامة للدولة، وحماية حقوق الفلاحين والعمال على وجه الخصوص.

ويرى السياسي ومؤسس حزب التضامن السوري، عماد الدين الخطيب، في حديث خاص مع "الخليج أونلاين"، أنّ "دستور 1950 من أفضل الدساتير التي كتبت في سوريا لأنه ضَمِنَ الحياة السياسية الديمقراطية، ويمكن اعتباره مرجعاً يتم البناء عليه مع بعض التعديلات بحيث تضمن المساواة بين السوريين كافة بمختلف قومياتهم وطوائفهم ومذاهبهم".

وعُطل "دستور 1950" أكثر من مرة بسبب تجدد الانقلابات العسكرية، ثم عطل مع قيام الوحدة بين سوريا ومصر عام 1958 حتى عام 1961 مع سنة الانفصال؛ حيث أعيد إحياؤه، وبقي معمولاً به حتى 8 مارس 1963، إلى أن سيطر حزب البعث على السلطة، وألغى الدستور والحريات العامة وأغلق الصحف؛ وبدأت سوريا معه فصلاً جديداً لم تنته أحداثه حتى اليوم.

دستور الحزب القائد

كانت أولى قرارات عسكر حزب البعث الذي نفذ الانقلاب هو تعطيل الدستور، واعتقال رئيس الجمهورية ناظم القدسي، ورئيس الوزراء خالد العظم، ورفع حالة الطوارئ التي استمرت لمدة 48 عاماً، حتى رفعها في أبريل عام 2011، إثر الثورة ضد نظام بشار الأسد.

أصدر حزب البعث على مدار 7 سنوات 3 دساتير كلها مؤقتة؛ بسبب الأحداث الكثيرة التي جرت في تلك الأيام من صراع على السلطة بين أجنحة الحزب ذاته، إلى أن وصل حافظ الأسد إلى السلطة وأنهى كل ما سبق عبر انقلاب عسكري، في 16 نوفمبر 1970.

وبعد أن أنهى الأسد الأب ترتيب أوراقه الداخلية واعتقال وملاحقة من تبقى من خصومه، عين لجنة لصياغة دستور دائم للبلاد عام 1973، وكانت المادة الثالثة (دين الدولة) إضافة إلى آلية انتقال السلطة، ودور حزب البعث، من أبرز النقاط التي أثارت موجة احتجاجات حينها.

أقر الدستور بنفس العام باستفتاء شعبي، وكان ينص على المادة الثامنة الشهيرة (حزب البعث هو القائد للدولة والمجتمع)، إضافة إلى المادة الثالثة (دين رئيس الجمهورية الإسلام)، إضافة إلى النص على أن اقتصاد البلاد هو (اشتراكي مخطط).

وكذلك المواد التي تمنح الرئيس صلاحيات كبيرة جمعتْ كل السلطات بيده، ومنها أنه يمتلك سلطة التشريع، كما يستطيع حل مجلس الشعب، وإعلان حالة الطوارئ، وحالة الحرب، والتعبئة العامة، وهو القائد الأعلى للجيش والقوات المسلحة.

حافظ الأسد

دستور تجميلي

استمر دستور حافظ الأسد سارياً حتى عام 2012، عندما صدر دستور جديد بعيد انطلاق الثورة السورية، والتي كان من بين مطالبها إلغاء المادة الثامنة في دستور 1973، وإلغاء حالة الطوارئ، إضافة للفصل بين السلطات، ثم تحولت إلى إسقاط النظام؛ بسبب استخدامه للعنف المفرط ضد الشعب.

لم يكن دستور بشار الأسد عام 2012 إلا تجميلاً لدستور أبيه، حيث بقيت صلاحيات الرئيس ذاتها، إضافة إلى المادة الثالثة التي شهدت إعادة كلمة "الطوائف"، واستعاد دستور 2012 ما جاء في دستور 1950 حول ذلك، إذ تنص المادة الثالثة على:

"دين رئيس الجمهورية الإسلام، الفقه الإسلامي مصدر رئيسي للتشريع، تحترم الدولة جميع الأديان، وتكفل حرية القيام بجميع شعائرها على ألا يخلّ ذلك بالنظام العام، الأحوال الشخصية للطوائف الدينية مصونة ومرعية".

أما المادة الثامنة فقد تحولت من "احتكار" البعث للسلطة، إلى "التعددية السياسية"، إذ تقول: "يقوم النظام السياسي للدولة على مبدأ التعددية السياسية، وتتم ممارسة السلطة ديمقراطياً عبر الاقتراع".

ووضع الدستور الجديد سقفاً لمرات انتخاب رئيس الجمهورية، إذ جاء في المادة 88: "ينتخب رئيس الجمهورية لمدة سبعة أعوام ميلادية تبدأ من تاريخ انتهاء ولاية الرئيس القائم، ولا يجوز إعادة انتخاب رئيس الجمهورية إلا لولاية واحدة تالية".

في حين ورد في المادة 155: "تنتهي مدة ولاية رئيس الجمهورية الحالي بانقضاء سبع سنوات ميلادية من تاريخ أدائه القسم الدستوري رئيساً للجمهورية، وله حق الترشح مجدداً لمنصب رئيس الجمهورية، وتسري عليه أحكام المادة /88/ من هذا الدستور اعتباراً من الانتخابات الرئاسية القادمة".

وكل ذلك هو من المسائل التي تشهد خلافات حادة، إضافة إلى الشروط التي حددها الدستور لمن يحق له الترشح لمنصب الرئيس، إذ يشترط أن يكون مقيماً في سوريا منذ 10 سنوات متصلة، وهذا يعني أن كثيراً من المعارضين لن يستطيعوا الترشح للمنصب.

دستور قادم برعاية أممية

ورغم وضوح تمسك نظام الأسد ومن خلفه حلفاؤه بمقاليد الحكم في سوريا بعد كل تلك المجازر والحروب، فإن 30 أكتوبر 2019، شهد إطلاق المبعوث الأممي إلى سوريا، غير بيدرسون، لعمل اللجنة الدستورية المؤلفة من 150 عضواً.

اللجنة الدستورية

وأكد بيدرسون، أن وجود أعضاء اللجنة يرتكز على عدة مبادئ أساسية؛ منها احترام قرارات مجلس الأمن والأمم المتحدة، ووحدة سوريا، واحترام المسار السياسي.

وقال في هذا الصدد: "مهمتكم أنتم أعضاء اللجنة الدستورية إعداد وصياغة إصلاح دستوري يطرح للشعب لإقراره كإسهام في الحل السياسي وتطبيق القرار الأممي 2254".

ويوم الاثنين 4 نوفمبر 2019، اجتمعت اللجنة الدستورية المصغرة، والتي تتألف من 45 عضواً، في قوائم متساوية من النظام والمعارضة والمجتمع المدني.

وتتمحور مهمة اللجنة المصغرة في مناقشة دستور عام 2012، واقتراح تعديلات له، أو صياغة دستور جديد وفق مقترحات تطرح للتصويت من قبل اللجنة الموسعة، ليتم تمريرها بعد موافقة 113 من أعضائها على كل مادة.

كما لم يحدد جدول جلسات اللجنة الدستورية المصغرة بعد، مع وجود اختلاف في الأجندات المقترحة؛ إذ يطلب النظام السوري تخصيص أسبوع للعمل وثلاثة أسابيع للمشاورة، في حين تطلب المعارضة ثلاثة أسابيع عمل وأسبوعاً للمشاورة.

جدير بالذكر أن القرار "2254" الصادر عن مجلس الأمن الدولي عام 2015؛ ينص على إعادة صياغة الدستور السوري ضمن عملية انتقال سياسي، وطالب جميع الأطراف بالتوقف الفوري عن شن هجمات ضد أهداف مدنية، وحث الدول الأعضاء بمجلس الأمن الدولي على دعم جهود وقف إطلاق النار.

وطلب القرار أيضاً من الأمم المتحدة أن تجمع الطرفين للدخول في مفاوضات، وإجراء انتخابات حرة ونزيهة تحت إشراف أممي، بهدف إجراء تحول سياسي.

وقال عماد الدين الخطيب، في حديثه مع "الخليج أونلاين" أيضاً: إنه "بعد التدخل الروسي في سوريا (2015)، والتراجع الأوروبي، وتذبذب الموقف الأمريكي، أُطلقت يد روسيا في سوريا، والتي سعت إلى التهرب من القرارات الأممية من خلال اتفاقيات ومؤتمرات، بحيث أصبح الوصول لدستور جديد وكأنه هو هدف الثورة والشعب السوري بعيداً عن كل آلامه وآماله، وهو يعطي شرعية للأسد ونظامه".

وأضاف: إن "سوريا اليوم تعتبر دولة محتلة وتحت الوصاية من أكثر من دولة (روسيا وأمريكا وتركيا وإيران)، ومن ثم فأي دستور يُكتب لن يلبي تطلعات الشعب السوري، والتاريخ يشهد أنه عندما كتب دستور عام 1928 تم تعطيله من قبل الاحتلال الفرنسي لأنه يتعارض مع وجوده، وتم تعديله بما يشرعن الاحتلال".

ولفت الخطيب إلى أن "دستور عام 2012 يمكن البناء عليه أو اعتباره مسودة دستور جديد، مع تعديل عدد من المواد تتعلق بدين رئيس الجمهورية وصلاحياته وصلاحيات السلطة التشريعية، مع فصل السلطات الثلاث عن بعضها، مع إضافة مواد فوق دستورية لا يمكن تعديلها تحت أي ظرف من الظروف".

في حين شدد على أنه "بالنسبة لنظام الأسد فهو غير مؤهل نهائياً، ولا يؤتمن على كتابة مادة واحدة من الدستور؛ لأنه يعتبر سوريا مزرعة خاصة له والشعب عبيداً له وليسوا مزارعين أو مواطنين".

أما بخصوص اللجنة الدستورية الحالية فقال السياسي السوري: "هي غير مؤهلة وليست مخولة ولم تنتخب من قبل الشعب صاحب السيادة، ولا تضم نخباً قانونية أو سياسية، ومن ثم فالدستور لن يكون إلا دستوراً ناقصاً وقد يأكله الحمار مرة ثانية، والمشكلة الأساسية ليست في الدستور وإنما بتطبيقه وتنفيذ ما جاء فيه إن كان دستوراً صالحاً".

مكة المكرمة