"مقابر الأرقام".. العقاب الإسرائيلي الثاني بعد الموت

احتجاز جثامين الشهداء.. عندما تقتل "إسرائيل" الفلسطينيين مرتين

احتجاز جثامين الشهداء.. عندما تقتل "إسرائيل" الفلسطينيين مرتين

Linkedin
Google plus
whatsapp
السبت، 10-03-2018 الساعة 22:26


منذ 39 عاماً لا تزال السبعينية "رؤوفة خطاب" تنتظر على أحر من الجمر رؤية جثمان ابنها الشهيد "عبد الرحمن" يعود مجدداً لبيتها محمولاً على الأكتاف لتعطيه قبلة الوداع وتواريه الثرى وتقرأ الفاتحة على قبره، بعد أن جهلت مصيره منذ إعلان استشهاده في العام 1979.

ورغم طول سنوات اختفاء جثمان "عبد الرحمن"، وعدم معرفة العائلة أي معلومات عنه، بعد إعلان الجيش قتله في اشتباك مسلح ببلدة بيسان المحتلة صباح يوم (15 أبريل 1979)، دائماً ما كان الأمل يملأ قلب والدته التي لا تزال تحتفظ بآخر صورة له داخل غرفته وتحدثه بما يجري وكأنه حاضر معها.

مطالب والدة الشهيد "عبد الرحمن"، الذي تحتفظ سلطات الاحتلال بجثمانه حتى اللحظة في "مقبرة الأرقام"، لم تتعدَّ "قبلة، وقراءة الفاتحة، ودفنه بجوار بيتها"، بعد أن حرمتها عنصرية الاحتلال من أبسط حقوقها، لكنها بقيت على أمل بصفقة تبادل جديدة تعيد ابنها الشهيد لحضنها مجدداً حتى لو كان "رفاتاً".

- مصير مجهول

وتقول الحاجة "رؤوفة خطاب"، وهي تسترجع ذكريات ألم الفراق التي عجزت السنوات على مسحها، إنها لا تريد شيئاً غير رؤية جثمان ابنها "عبد الرحمن" يعود لبيته من جديد، وتكون له خاتمة تليق بالشهداء الذين ضحوا بدمائهم وشبابهم من أجل هذا الوطن.

وتضيف لـ"الخليج أونلاين": "منذ الـ15 من شهر أبريل من العام 1979 ونحن لا نعرف أي معلومة ولو كانت صغيرة عن "عبد الرحمن"، الذي تحدث وقتها جيش الاحتلال أنه قتله خلال اشتباك مسلح وكان عمره حينها في العشرينات، لكن لم نرَ جثته أو مقتنياته الخاصة أو دليلاً صغيراً على مكان دفنه غير أنه في "مقبرة الأرقام".

وتشير إلى أن الأمل الوحيد في عودة ابنها هي "صفقة تبادل الأسرى" بين المقاومة والجانب الإسرائيلي، مضيفةً: "هذا هو الأمل الوحيد الذي أعيش معه وأحاول مواساة نفسي به لاستقباله من جديد وكأنه سيعود لنا حياً وليس شهيداً".

كان الشهيد عبد الرحمن خطاب من مقاتلي الثورة الفلسطينية، وقد نجح مع عدد من رفاقه المقاتلين في عبور الحدود الشمالية بهدف تنفيذ مهمة عسكرية أمرت بها قيادة قوات الثورة الفلسطينية، جرى على إثرها اشتباك بين المجموعة الفلسطينية وقوة من جيش الاحتلال أسفر عن استشهاد أفراد المجموعة الفلسطينية فيما لم تعلن "إسرائيل" عن خسائرها.

وقد احتفظت قوات الاحتلال الإسرائيلي بجثامين الشهداء الفلسطينيين. ويعتقد أنها مدفونة في ما يعرف بـ"مقابر الأرقام".

الدموع المؤجلة لمئات العائلات الفلسطينية التي حرمتها سياسة الاحتلال الإسرائيلي من استرداد جثامين أبنائهم، وحجزتهم داخل "مقبرة الأرقام" أو "ثلاجات الموتى" كورقة مساومة وابتزاز، تتشابه كلها في ألوان الألم والحسرة التي أذاقها لهم هذا المحتل، لكنهم متمسكون بعودة جثامين أبنائهم حتى لو كانت عظاماً ورفاتاً.

اقرأ أيضاً :

أكدت ما نفته الرياض.. أبوظبي تسكب الزيت على نار العلاقات مع تركيا

وبحسب مراكز حقوقية فلسطينية ودولية، فإن الاحتلال يحتجز نحو (260) في ما يسمى "مقابر الأرقام" لشهداء فلسطينيين استشهدوا في فترات متفاوتة وظروف مختلفة، بعضهم في سبعينيات وثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، وبعضهم في العدوان الأخير على غزة صيف 2014، فيما هناك من استشهدوا خلال "انتفاضة القدس" التي اندلعت في أكتوبر 2015.

- 40 عاماً من الغياب

قائدة "عملية الساحل" الشهيرة، الشهيدة دلال المغربي، التي استشهدت خلال اشتباك مع قوات الاحتلال في مثل هذا اليوم (11 مارس) من عام 1978، هي من بين الجثامين التي لا تزال سلطات الاحتلال الإسرائيلي تحتجزها بعد 40 عاماً على استشهادها.

وقادت "المغربي"، التي تُعتبر واحدة من أشهر الفدائيات الفلسطينيات عبر تاريخ الثورة الفلسطينية، مجموعة من مقاتلي "فتح"، ونفذت عملية فدائية نوعية تمثلت بعملية إنزال بحرية على الساحل قرب "تل أبيب"، وانتهت بمقتل وجرح قرابة ثلاثين إسرائيلياً، ومنذ ذلك التاريخ وسلطات الاحتلال تحتجز جثمانها.

- خرق للقوانين الدولية

ويقول عبد الناصر فروانة، رئيس وحدة الدراسات والتوثيق في هيئة شؤون الأسرى والمحررين: إن "سياسة الاحتلال في احتجاز جثامين الشهداء الفلسطينيين لسنوات طويلة جداً، يعد خرقاً فاضحاً للقوانين الإنسانية والحقوقية الدولية".

وفي تصريحات خاصة لـ"الخليج أونلاين"، يضيف: "إسرائيل هي "الدولة" الوحيدة في العالم التي تستخدم هذا الابتزاز على جثامين الشهداء؛ إذ تضعهم في مقابر الأرقام وثلاجات الموتى لغرض الاستفزاز والمساومة والتضييق على الأهالي وردعهم".

واعتبر فروانة ذلك "جريمة يعاقب عليها القانون الدولي، وانتهاكاً صارخاً لحقوق الإنسان واتفاقيات جنيف الأولى والثالثة والرابعة"، موضحاً أن تشريع (الكنيست) الإسرائيلي، قبل أيام، قانوناً يسمح باحتجاز جثامين الشهداء "تجاوز خطير يجب على العالم التحرك لوقفه والإفراج عن الجثامين المحتجزة كافة".

والخميس الماضي (8 مارس) أقر "الكنيست" الإسرائيلي قانوناً يسمح للشرطة باحتجاز جثامين الشهداء الفلسطينيين الذين تتهمهم سلطات الاحتلال بتنفيذ هجمات، وقال الكنيست في بيان إنه تم التصويت على القانون الذي حصل على 48 صوتاً مؤيداً مقابل 10 أصوات معارضة.

اقرأ أيضاً :

ديلي ميل: هروب ابنة حاكم دبي من الإمارات

في نوفمبر 2017 قال رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، إن "إسرائيل لن تسلم جثث خمسة عناصر من حركة الجهاد الإسلامي قتلوا عندما فجَّر الجيش نفقاً يمتد من قطاع غزة إلى إسرائيل".

وأعلنت الحكومة في 2016 أنها لن تسلم جثث الشهداء الفلسطينيين الذين استشهدوا خلال هجمات أو محاولات هجوم ما لم يسلم الفلسطينيون في غزة رفات جنديين إسرائيليين يعتقد أنهما قتلا في خلال العدوان الإسرائيلي على غزة في 2014.

بدوره أكد مدير مركز الميزان لحقوق الإنسان، عصام يونس، أن "إسرائيل" تنتهك القانون الدولي الإنساني ومعايير حقوق الإنسان الذي يلزم أي دولة احتلال بتسليم الجثامين إلى ذويهم واحترام كرامة المتوفين ومراعاة طقوسهم الدينية خلال عمليات الدفن.

وأضاف أن "إسرائيل" تسعى من خلال الاحتفاظ بجثامين الشهداء لتحقيق مكاسب سياسية وممارسة ضغوط على الفلسطينيين وأهالي الشهداء والاحتفاظ بهم كرهائن، لافتاً إلى وجود معلومات مؤكدة على سرقة أعضاء الشهداء المحتجزين، مطالباً بضرورة إرسال لجان تقصي حقائق للكشف عن ذلك.

وأنشأت إسرائيل "مقابر الأرقام" منذ أن احتلت الأراضي الفلسطينية، ودفنت فيها فلسطينيين نفـذوا عمليات ضدَّها، فالمقابر تحمل أرقاماً، ولكل رقم ملف خاص تحتفظ به الجهة الأمنية الإسرائيلية المسؤولة، يشمل المعلومات والبيانات الخاصة بكل شهيد، وهذه الملفات تحتفظ بها إسرائيل في أدراج المؤسسة العسكرية، فيما ترفض الإفصاح لأي جهة كانت عن محتواها.

ومما يثير المشاعر كون هذه المقابر عبارة عن مدافن رملية قليلة العمق، ما يعرضها للانجراف، فتظهر الجثامين منها، لتصبح عرضة لنهش الكلاب الضالة والوحوش الضارية.

مكة المكرمة