من غاب شهراً فهو ميّت.. ماذا وراء تعديل قانون الأحوال بمصر؟

حكومة السيسي تواجه اتهامات بإخفاء المعارضين وقتلهم

حكومة السيسي تواجه اتهامات بإخفاء المعارضين وقتلهم

Linkedin
whatsapp
الجمعة، 28-07-2017 الساعة 10:11


جدل جديد ومخاوف كبيرة أثارهما تعديل قانون الأحوال الشخصية في مصر على نحو يجعل الشخص في حكم المتوفى حال اختفائه مدة تتجاوز الثلاثين يوماً، وهو التعديل الذي ربطه معارضون مصريون بتصاعد وتيرة الاختفاء القسري في البلاد، معتبرين أنه محاولة من الدولة لتقنين القتل خارج نطاق القانون، في حين يرى آخرون أن التعديل يستهدف ضرب وحدة الأسرة المصرية بالأساس.

وكان مجلس النواب المصري قد وافق، الاثنين 3 يوليو 2017، على مشروع قانون الحكومة بتعديل بعض أحكام قانون الأحوال الشخصية الصادر برقم 25 لسنة 1929، في مجموعه، وأرجأ الموافقة النهائية لحين اكتمال أغلبية الثلثين؛ نظراً إلى تعلقه بحق من الحقوق.

والاثنين 24 يوليو 2017، نشرت الجريدة الرسمية المصرية القرار رقم 140 لسنة 2017، بتعديل أحكام المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 الخاص ببعض أحكام الأحوال الشخصية، والذي يتضمن اعتبار المفقود ميتاً بعد مُضي ثلاثين يوماً على الأقل من تاريخ فقده، في حال ثبت أنه كان على ظهر سفينة غرقت، أو كان في طائرة سقطت، بعد تصديق الرئيس عبد الفتاح السيسي عليه.

ووفقاً للتعديل الجديد، يعتبر المفقود ميتاً بعد مُضي سنة إذا كان من أفراد القوات المسلحة وفُقد في أثناء العمليات الحربية، أو من أعضاء هيئة الشرطة وفُقد في أثناء العمليات الأمنية.

قانون 1

قانون 2

القانون القديم كان يعتبر المفقود ميتاً بعد مرور عام كامل على فقده، ورغم إبقاء التعديل الجديد على الفترة نفسها في بعض الحالات، فإن الثغرات الكثيرة التي تعتري القوانين في مصر تفتح الباب واسعاً أمام إساءة استغلال القانون وإهدار حقوق المختفي وذويه، حسب ما نقله موقع "البديل"، المصري، عن المحامي عمرو إمام.

وزير العدل السابق المستشار أحمد سليمان، يرى أن الدولة لا تهتم بتقنين القتل خارج القانون؛ لأنها تقتل كل من تريد بذريعة أنه قتل خلال تبادل لإطلاق النار، والأمثلة على ذلك كثيرة، فضلاً عن أن مصر لم يعد بها محاسبة للنظام على أي شيء، وفق قوله.

- تفكيك للأسرة

وفي تصرح لـ"الخليج أونلاين"، أكد سليمان أن "التعديل الأخير هو حلقة في حلقات مسلسل محو هوية مصر الإسلامية، التي تبدأ بمحو فكرة الأسرة التي هي أساس الدولة"، لافتاً إلى أن اعتبار المتغيب ميتاً بعد شهر واحد من تغيبه، يعطي زوجته حق الزواج بغيره، ويعطي الورثة الشرعيين حق تقسيم ميراثه؛ ومن ثم فإن ظهور هذا المتغيب مجدداً يفتح صراعاً بين رجلين على امرأة واحدة، كما أنه يفتح باب صراع بين الرجل وأسرته على أموال تم تقسيمها".

هذا التعديل خطير جداً، كما يقول سليمان؛ لأنه يأتي في سياق مساعي النظام المصري الحالي لإباحة كل ما هو محرم، وهو يتماشى مع دعوات الحرية في الإلحاد أو حرية ممارسة الزنا، وغيرها، من الأمور التي تضرب الأسس التي تربى عليها المصريون، وليس فقط لتقنين القتل خارج إطار القانون، حسب قوله.

الوزير المصري السابق خلص إلى أن الهدف الأول من هذا التعديل لقانون الأحوال الشخصية، هو خلق حالة من الانفلات الاجتماعي والخُلقي بين المصريين، فضلاً عن أنه يهدر حقوق من مات إن لم يكن آلاف المختفين قسرياً منذ شهور طويلة ويجعلهم عرضة للتصفية دون محاسبة.

الخبير القانوني المصري الدكتور محمود كبيش، يرى أيضاً أن "التعديل الجديد سيُحدث لبساً كبيراً جداً في بعض الحالات"، مؤكداً أن القرار سيرتب كثيراً من الآثار السلبية واللبس كما في حالة اختفاء زوج مثلاً لمدة شهر، وتزوجت زوجته بعد اعتباره ميتاً، ثم ظهر الزوج المختفي، فإن ذلك يعد كارثة شرعية وقانونية.

لكن هذه الحالة يمكن تطبيقها على الحوادث المحققة؛ كاختفاء طائرة أو حادثة طائرة، أو الهجوم على كمين، أو الحرب، ولم يُعثر على جثة الفقيد، فيمكن حينها تحقُّق هذا الشرط، وفق تصريحات صحفية لمحمود كبيش أستاذ القانون الجنائي المقرب من الرئاسة.

اقرأ أيضاً:

الصين تفرض رقابة إجبارية على هواتف سكان الإيغور

- تقنين الاختطاف

هذا التعديل، في ظاهره، يمثل محاولة لتلافي المشكلات التي كانت تعانيها عائلات المفقودين، وخاصة في إثبات الحقوق والمراكز القانونية للمفقودين في ظروف مهلِكة أو محقَّقة الهلاك كما جاء في مذكرته الإيضاحية، بحسب الناشطة والمحللة السياسية نيفين ملاك.

لكن في ظل الظروف الخطيرة التي تحيط بالمشهد المصري، ومع تنامي جرائم القتل التي تمارَس خارج نطاق القانون، فضلاً عن تفشي ظاهرة الاختفاء القسري، يصبح القانون على وضعه الحالي مصدر قلق جدي، وفق ما صرحت به الناشطة المصرية لـ"الخليج أونلاين".

وأشارت ملاك إلى مخاوف كثيرين من ذوي المختفين على مصير أبنائهم وخشيتهم من تصفيتهم على يد الأجهزة الأمنية استناداً إلى القانون الجديد، لافتة إلى أن الأيام القليلة الماضية شهدت مقتل 28 شخصاً دون تحقيقات.

القانون المصري يعطي ذوي المقتولين في ظروف غامضة، الحق في التقدم بشكوى للكشف عن ملابسات القتل، لكن من الناحية العملية لا توجد تحقيقات شفافة ولا نتائج في مصر، بحسب ملاك، التي ذكّرت بأن واقعة التحقيق في مقتل الطالب الإيطالي جوليو ريجيني تعتبر نموذجاً لغياب الشفافية في التحقيقات.

وفي السياق، يقول أسامة خليل، مدير مركز هشام مبارك للقانون، إن التعديلات التعديلات الأخيرة "عقيمة وخطيرة في الوقت ذاته"؛ لأنها تفتح الباب على مصراعيه أمام أي مواطن ارتكب جريمة جنائية أن يختفي في أي مكان لمدة شهر؛ ومن ثم يصبح ميتاً وتسقط عنه العقوبة.

هذه التعديلات أيضاً تقنن الاختفاء القسري، بحسب خليل، لكن تحت ستار قانوني؛ فالشخص المختفي ستصدر له شهادة وفاة بعد 30 يوماً، رغم أنه قد يكون محتجزاً في أحد الأماكن بشكل غير قانوني ومن دون إجراءات محاكمة عادلة.

في عام 2016، قالت منظمة العفو الدولية (أمنستي) إن قطاع الأمن الوطني في مصر يعذب الناس ويخضعهم للاختفاء القسري؛ لترهيب المعارضين، موضحة أن موجة اختفاء الأشخاص شملت مئات الطلاب والنشطاء والمتظاهرين، من بينهم أطفال.

ولا تعترف الجهات الأمنية بأي حالات اختفاء قسري، وسبق أن قال السيسي، خلال حوار متلفز: إن "كل الإجراءات تتم بشكل قانوني". وأضاف أن هناك أناساً هربوا من مصر وانضموا إلى تنظيم الدولة في سوريا"؛ وذلك في محاولة لوصم المختفين قسرياً، مقدّماً، بالإرهاب.

مكة المكرمة